68-{ وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون } .
اختار المشركون آلهة باطلة ، وتمنوا أن يكون الرسول أحد زعماء مكة أو الطائف ، { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } [ الزخرف : 31 ] يقصدون الوليد بن المغيرة بمكة ، أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف ، فأنزل الله هذه الآيات توضح أن الخلق بيده ، والاختيار بيده ، واختيار الرسل للبشر ، أو اختيار الملائكة للنزول بالوحي أمر بمشيئة الله تعالى ، واختياره وحكمته ، على مقتضى علمه باستعداد عباده لذلك ، فليس من حق العباد ولا في مقدورهم أن يختاروا على الله ما يشاءون من أديان باطلة وآلهة زائفة .
{ سبحان الله وتعالى عما يشركون }
أي : تنزه الله تعالى بذاته تنزها خاصا به ، من أن ينازعه أحد أو يزاحم اختياره ، وتقدس وتمجد عن إشراكهم .
قال الزمخشري : إن الاختيار إلى الله تعالى في أفعاله ، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها ، ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه ، ولا يبعث الله الرسل باختيار المرسل إليهم . اه .
وفي معنى الآية قوله تعالى : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم . . } [ الأحزاب : 36 ] .
العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر والدهر ذو دول والرزق مقسومُ
والخير أجمع فيما اختار خالقنا وفي اختيار سواه اللّوم والشّوم
وروت عائشة ، عن أبي بكر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أمرا قال : ( اللهم خر لي واختر لي )xxv .
وروى أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يا أنس ، إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ، ثم انظر إلى ما يسبق إليه قلبك ، فإن الخير فيه )xxvi .
فالله تعالى هو وحده العليم ، وهو سبحانه عالم الغيب ، والمؤمن يصلي الاستخارة ويدعو بدعائها ، الذي ورد في صحيحي البخاري ومسلم .
عن جابر بن عبد الله قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها ، كما يعلمنا السورة من القرآن ، يقول : ( إذا هم أحدكم بالأمر لا يدري عاقبته فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، واستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ ويسمي حاجته ] خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري عاجله وآجله ، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري عاجله وآجله ، فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثم رضّني به )xxvii .
قال العلماء : وينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر ، ومن رغبة له في الموضوع قبل الاستخارة أو رغبة عنه ، حتى لا يكون مائلا إلى أمر من الأمور ، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه فإن الخير فيه إن شاء الله ، فإن وجد انشراحا وشرورا وارتياحا فالأمر خير ، وإن وجد انقباضا وضيقا فالأمر شر .
{ 68-70 } { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
هذه الآيات ، فيها عموم خلقه لسائر المخلوقات ، ونفوذ مشيئته بجميع البريات ، وانفراده باختيار من يختاره ويختصه ، من الأشخاص ، والأوامر [ والأزمان ] والأماكن ، وأن أحدا{[611]} ليس له من الأمر والاختيار شيء ، وأنه تعالى منزه عن كل ما يشركون به ، من الشريك ، والظهير ، والعوين ، والولد ، والصاحبة ، ونحو ذلك ، مما أشرك به المشركون ،
{ وربك يخلق ما يشاء ويختار } قيل : سببها استغراب قريش لاختصاص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة ، فالمعنى أن الله يخلق ما يشاء ، ويختار لرسالته من يشاء من عباده ، ولفظها أعم من ذلك ، والأحسن حمله على عمومه أي : يختار ما يشاء من الأمور على الإطلاق ، ويفعل ما يريد .
{ ما كان لهم الخيرة } : { ما } نافية ، والمعنى ما كان للعباد اختيار إنما الاختيار والإرادة لله وحده . فالوقف على قوله ويختار ، وقيل : إن { ما } مفعولة بيختار ، ومعنى الخيرة على هذا الخير والمصلحة ، وهذا يجري على قول المعتزلة ، وذلك ضعيف لرفع الخيرة على أنها اسم كان ، ولو كانت ما مفعولة : لكان اسم كان مضمرا يعود على { ما } ؛ وكانت الخيرة منصوبة على أنها خبر { كان } ، وقد اعتذر عن هذا من قال إن { ما } مفعولة بأن يقال تقدير الكلام يختار ما كان لهم الخيرة فيه ، ثم حذف الجار والمجرور وهذا ضعيف ، وقال ابن عطية : يتجه أن تكون { ما } مفعولة إذا قدرنا كان تامة ، ويوقف على قوله : { ما كان } أي : يختار كل كائن ، ويكون { لهم الخيرة } جملة مستأنفة ، وهذا بعيد جدا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.