{ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم106 ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين107 أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون108 لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون109 } .
أكره : أي : على التلفظ بكلمة الكفر .
مطمئن : ثابت متيقن ، والاطمئنان سكون النفس بعد انزعاجها ، والمراد : الثبات على ما كان عليه ، بعد إزعاج الكفر .
شرح بالكفر صدرا : اعتقده وطاب به نفسا .
106 { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } .
الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب ، وذاقت حلاوته النفوس ، لا يجوز أن يتركه الإنسان ويرجع إلى الكفر بالله .
والآية تتحدث عن عقوبة الكافر الذي عرف الإيمان ، ثم عدل عنه إلى الكفر وتستثنى من هذه العقوبة ، من أكره على الكفر ، فكفر بلسانه ، وقلبه ثابت مطمئن على الإيمان ، فهو في مغفرة الله ورحمته أما من اطمأن قلبه للكفر ، وعاد إليه متيقنا به ، مؤثرا له على الإيمان ، فعليه غضب الله ولعنته ، وله عذاب عظيم في جهنم .
وقد تعرض المسلمون في تاريخهم الطويل ، لألوان من العذاب والإغراء ، ليتركوا الإيمان ويعودوا إلى الكفر ، أو ليقولوا كلمة يذمون بها الإسلام ويمدحون الكفر ، فمنهم من رضي بالموت فداء لعقيدته ، واشترى الآخرة وباع الدنيا ، وتحمل صنوف العذاب والإغراء ، ومن هؤلاء ياسر ، وزوجته سمية ، وبلال بن رباح ، ومنهم من نطق بكلمة الكفر تقية ؛ حتى يخف عنه العذاب ، ومن هؤلاء عمار بن ياسر ، وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ما فعل ، وفي الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( كيف تجد قلبك ) ، قال : مطمئن بالإيمان ، فقال له : ( إن عادوا فعد ) .
اتفق العلماء على : أن المكره على الكفر ، يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته ، ويجوز له أن يأبى ، كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك ، وهم يفعلون به الأفاعيل ، حتى إنهم ليضعوا الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ، ويأمرونه بالشرك بالله ، فيأبى عليهم وهو يقول : أحد أحد ، ويقول : والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها " . اه .
وقريب من صنع بلال بن رباح ، ما فعله حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب : أتشهد أن محمدا رسول الله ، قال : نعم ، فيقول له مسيلمة : أتشهد أن مسيلمة رسول الله ؟ قال حبيب : لا أسمع ، فلم يزل يقطعه إربا إربا ، وهو ثابت على ذلك .
وذكر الحافظ ابن عساكر ، في ترجمة عبد الله بن حذيفة السهمي أحد الصحابة رضوان الله عليهم أنه أسرته الروم فجاءوا به إلى ملكهم ، فقال له : تنصر وأنا أشركك في ملكي ، وأزوجك ابنتي ، فقال له : لو أعطيتني جميع ما تملك ، وجميع ما تملكه العرب ، على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم ، طرفة عين ما فعلت ، فقال : إذن أقتلك ، فقال : أنت وذاك ، وفي رواية : أنه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أياما ، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير ، فلم يقربه ، ثم استدعاه فقال : ما منعك أن تأكل ؟ فقال : أما إنه قد حل لي ، ولكن لم أكن لأشتمك فيّ ، فقال له الملك : فقبل رأسي وأنا أطلقك ، فقال : تطلق معي جميع أسارى المسلمين ، قال : نعم ، فقبل رأسه ، فأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده ، فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذيفة ، وأنا أيضا ، فقام وقبل رأسه رضي الله عنهما70 .
{ 106 - 109 } { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ } .
يخبر تعالى عن شناعة حال { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ } ، فعمى بعد ما أبصر ورجع إلى الضلال بعد ما اهتدى ، وشرح صدره بالكفر راضيا به مطمئنا أن لهم الغضب الشديد من الرب الرحيم الذي إذا غضب لم يقم لغضبه شيء وغضب عليهم كل شيء ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ، أي : في غاية الشدة مع أنه دائم أبدا .
ذكر المفسرون في سبب نزول قوله - تعالى - : { مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ . . . } ، روايات منها قول الآلوسي : " روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه : ياسرا ، وسمية ، على الارتداد فأبوا ، فربطوا سمية بين بعيرين . . . ثم قتلوها وقتلوا ياسرا ، وهما أول شهيدين في الإِسلام . وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه ، فقيل يارسول الله : إن عمارا قد كفر . فقال صلى الله عليه وسلم : " كلا ، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإِيمان بلحمه ودمه " .
فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال له : " مالك ، إن عادوا فعد لهم بما قلت " . وفي رواية أنه قال له : " كيف تجد قلبك ؟ قال مطمئن بالإِيمان ، قال صلى الله عليه وسلم : إن عادوا فعد " . فنزلت هذه الآية " .
ثم قال الآلوسي : والآية دليل على جواز التكلم بكلمة الكفر عند الإِكراه ، وإن كان الأفضل أن يتجنب عن ذلك إعزازا للدين ولو تيقن القتل ، كما فعل ياسر وسمية ، وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة ، بل هو كالقتل في الغزو كما صرحوا به .
و " من " ، في قوله : { مَن كَفَرَ بالله } ، مبتدأ أو شرطية ، والخبر أو جواب الشرط محذوف والتقدير : فعليه غضب من الله ، أو فله عذاب شديد ، ويدل عليهما قوله - تعالى - بعد ذلك : { ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً } .
والمعنى : من كفر بالله - تعالى - من بعد إيمانه بوحدانيته - سبحانه - وبصدق رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإنه بسبب هذا الكفر يكون قد ضل ضلالا بعيدا ، يستحق من أجله العذاب المهين .
وقوله : { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } ، استثناء متصل من الجملة السابقة ، أي : إلا من أكره على النطق بكلمة الكفر ، والحال أن قلبه مطمئن بالإِيمان ، ثابت عليه ، متمكن منه . . فإنه في هذه الحالة لا يكون ممن يستحقون عقوبة المرتد .
قال بعض العلماء : وأما قوله : { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } ، فهو استثناء متصل من " مَنْ " ؛ لأن الكفر أعم من أن يكون اعتقادا فقط ، أو قولا فقط ، أو اعتقادا وقولا . . . وأصل الاطمئنان سكون بعد انزعاج ، والمراد به هنا : السكون والثبات على الإِيمان بعد الانزعاج الحاصل بسبب الإِكراه . . .
وقوله : { ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ، بيان لسوء مصير من استحب الكفر على الإِيمان باختياره ورضاه .
و " من " في قوله : { من شرح } شرطية ، وجوابها : { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله } .
أي : حكم من تلفظ بكلمة الكفر مكرها أنه لا يعتبر مرتدا ، ولكن حكم من طابت نفوسهم بالكفر ، وانشرحت له صدورهم ، واعتقدوا صحته ، أنهم عليهم من الله - تعالى - غضب شديد لا يعلم مقداره إلا هو ، ولهم يوم القيامة عذاب عظيم الهول ، يتناسب مع عظيم جرمهم .
هذا ، وقد ذكر الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأخبار التي حكت ما تعرض له المسلمون الأولون من فتن وآلام . فقال ما ملخصه : ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يواري إبقاء لمهجته ، ويجوز له أن يأبى كما كان بلال - رضي الله عنه - يأبى عليهم ذلك ، وهم يفعلون به الأفاعيل ، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ويأمرونه بالشرك بالله ، فيأبى عليهم وهو يقول : أحد ، أحد ، ويقول : والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها .