الأنكاث : واحدها نكث ، وهو ما ينكث قتله وينقض بعد غزله .
الغزل : ما غزل من صوف و نحوه .
{ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا } .
الدخل : المكر والخديعة والغش .
قال الراغب الأصفهاني في غريب القرآن : الدخل : كناية عن الفساد والعداوة المستبطنة ، كالدغل ، وعن الدعوة في النسب . . ومنه قيل : شجرة مدخولة أي : ليست من جنس الأشجار التي حولها . اه .
هذه امرأة خرقاء كانت بمكة ، تجمع جواريها وتأمرهم بالغزل أول النهار إلى الظهر ، ثم تأمرهم بنقض الغزل بعد إبرامه ، فضرب الله بها المثل في من ينقض الأيمان ويحنث فيها بعد إبرامها .
لا تنقضوا عهودكم ، مشبهين لامرأة حمقاء ، تنقض غزلها من بعد إحكامه ، فالعاقل يستمر عهده وفي بنائه ، ولا ينقض عهده ولا يهدم بنيانه ، وقريب من هذا المعنى قول الشاعر :
هجوت زبان ثم جئت معتذرا *** من هجو زبان لم تهج ولم تدع
يقال : نكث الرجل العهد نكثا من باب قتل إذا نقضه ونبذه ومنه قوله تعالى : { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه }( الفتح : 10 ) .
أي : لا تتركوا عهودكم المبرمة منقوضة منكوثة محلولة ، فالجملة الكريمة تحقر في كل جزئية من جزئياتها ، حال من ينقض العهد ، وينكث في عهده ، ولا يفي بل يغدر وينقض .
{ تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } . أي : تبرمون العقود لا بنية الوفاء ، بل بنية المكر والخديعة والغش ، فينقضون العهد إذا لاحت في الأفق مصلحة أوفر ، أو غنيمة أكثر ، أو قبيلة أوفر عددا من القبيلة التي تعاقدوا معها ، فبين الله لهم : أن الوفاء نور أبلج ، وأن التزام أمر الله بالوفاء أولى من اتباع المصلحة ، والسير وراء النزوات العارضة ، وقد نزلت هذه الآية في العرب ، الذين كانت القبيلة منهم إذا حالفت أخرى ، ثم جاءت إحداهما قبيلة أخرى كبيرة قوية فداخلتها ، غدرت الأولى ونقضت عهدها ، ورجعت إلى هذه الكبرى ، فأدبهم القرآن بأدبه ؛ حتى لا ينقضوا العهود ، من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى ، أو أكثر أموالا .
كانوا يحالفون الحلفاء ، فيجحدون أكثر منهم وأعز ؛ فينقضون حلف هؤلاء ، ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز ، فنهوا عن ذلك .
{ إنما يبلوكم الله به } . إنما يختبركم الله بظهور قوم أكثر أو أعز أمامكم ؛ ليظهر مدى إيمانكم وتمسككم بالعهود ، وطاعتكم لأمر الله ؟ هل توفون بالعهود امتثالا لأمر الله أم تنقضون طلبا لمغنم دنيوي ؟ .
{ وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } . فيجازي أهل الحق بالثواب ، ويجازي أهل الباطل بالعقاب .
{ وَلَا تَكُونُوا } ، في نقضكم للعهود بأسوأ الأمثال وأقبحها وأدلها على سفه متعاطيها ، وذلك { كَالَّتِي } ، تغزل غزلا قويا ، فإذا استحكم وتم ما أريد منه ، نقضته فجعلته : { أَنْكَاثًا } ، فتعبت على الغزل ثم على النقض ، ولم تستفد سوى الخيبة والعناء وسفاهة العقل ونقص الرأي ، فكذلك من نقض ما عاهد عليه ، فهو ظالم جاهل سفيه ناقص الدين والمروءة .
وقوله : { تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } ، أي : لا تنبغي هذه الحالة منكم تعقدون الأيمان المؤكدة وتنتظرون فيها الفرص ، فإذا كان العاقد لها ضعيفا غير قادر على الآخر أتمها ، لا لتعظيم العقد واليمين بل لعجزه . وإن كان قويا يرى مصلحته الدنيوية في نقضها ، نقضها غير مبال بعهد الله ويمينه .
كل ذلك دورانا مع أهوية النفوس ، وتقديما لها على مراد الله منكم ، وعلى المروءة الإنسانية ، والأخلاق المرضية لأجل أن تكون أمة أكثر عددا وقوة من الأخرى .
وهذا ابتلاء من الله وامتحان ، يبتليكم الله به حيث قيض من أسباب المحن ما يمتحن به الصادق الوفي من الفاجر الشقي .
{ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } ، فيجازي كلا بما عمل ، ويخزي الغادر .
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لتقبيح نقض العهد ، فقال - تعالى - : { وَلاَ تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً } .
وقوله : { غزلها } أي : مغزولها ، فهو مصدر بمعنى المفعول . والفعل منه غزل يغزل - بكسر الزاي . . من باب ضرب . يقال غزلت المرأة الصوف أو القطن غزلا .
والجار والمجرور في قوله : { مِن بَعْدِ قُوَّةٍ } ، متعلق بالفعل { نقضت } ، أي : نقضته وأفسدته من بعد إبرامه وإحكامه .
و { أنكاثا } ، حال مؤكدة من : { غزلها } ، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا ، بتضمين الفعل نقضت معنى صيرت أو جعلت .
والأنكاث : جمع نكث - بكسر النون - ، بمعنى منكوث أي : منقوض ، وهو ما نقض وحل فتله ليغزل ثانيا ، والجمع أنكاث ، كحمل وأحمال .
يقال : نكث الرجل العهد نكثا - من باب قتل - إذا نقضه ونبذه ، ومنه قوله : - تعالى - { فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ } ، قال ابن كثير : هذه امرأة خرقاء كانت بمكة ، كلما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه .
وقال مجاهد وقتادة وابن زيد : هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده . وهذا أرجح وأظهر سواء أكان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا .
والمعنى : كونوا - أيها المسلمون - أوفياء بعهودكم ، ولا تنقضوها بعد إبرامها ، فإنكم إن نقضتموها كان مثلكم كمثل تلك المرأة الحمقاء ، التي كانت تفتل غزلها فتلا محكما ، ثم تنقضه بعد ذلك ، وتتركه مرة أخرى قطعا منكوثة محلولة . .
فالجملة الكريمة تحقر في كل جزئية من جزئياتها ، حال من ينقض العهد ، وتشبهه على سبيل التنفير والتقبيح بحال امرأة ملتاثة في عقلها ، مضطربة في تصرفاتها .
وقوله - سبحانه - : { تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } .
إبطال للأسباب التي كان يتخذها بعض الناس ذرائع ومبررات لنقض العهود .
والدَّخَل - بفتح الخاء - : المكر والغش والخديعة . وهو في الأصل اسم للشيء الذي يدخل في غيره وليس منه .
قال الراغب : والدخل كناية عن الفساد والعداوة المستبطنة ، كالدَّغلَ ، وعن الدعوة في النسب . . . ومنه قيل : شجرة مدخولة - أي : ليست من جنس الأشجار التي حولها .
وقوله : { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ . . . } ، متعلق بقوله : { تتخذون } .
وقوله : { أربى } ، مأخوذ من الربو بمعنى الزيادة والكثرة . يقال : رَبَا الشيء يربوا ، إذا زاد وكثر .
والمعنى : ولا تكونوا مشبهين لامرأة هذا شأنها ، حالة كونكم متخذين أيمانكم وأقسامكم وسيلة للغدر والخيانة ، من أجل أن هناك جماعة أوفر عددا وأكثر مالا من جماعة أخرى .
قال القرطبى : قال المفسرون : نزلت هذه الآية في العرب الذين كانت القبيلة منهم إذا حالفت أخرى ، ثم جاءت إحداهما قبيلة أخرى كبيرة قوية فداخلتها غدرت بالأولى ونقضت عهدها ، ورجعت إلى هذه الكبرى ، فنهاهم الله - تعالى- : أن ينقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى ، أو أكثر أموالا . . .
وقال الفراء : المعنى : لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم ، أو لقلتكم وكثرتهم وقد عززتموهم بالأيمان .
وقال ابن كثير : قال مجاهد : كانوا يحالفون الحلفاء ، فيجدون أكثر منهم وأعز ، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز ، فنهوا عن ذلك .
والخلاصة : أن الآية الكريمة تدعو إلى وجوب الوفاء بالعهود في جميع الأحوال ، وتنهى عن اللجوء إلى الذرائع الباطلة ، من أجل نقض العهود ، إذ الإِسلام لا يقر هذه الذرائع وتلك المبررات ، بدعوى أن هناك جماعة أقوى من جماعة ، أو دولة أعز من دولة ، وإنما الذي يقره الإِسلام هو مراعاة الوفاء بالعهود ، وعدم اتخاذ الأيمان وسيلة للغش والخداع .
والضمير المجرور في قوله : { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ } ، يعود على مضمون الجملة المتقدمة ، وهي قوله - تعالى - : { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } .
أي : إنما يبلوكم الله ويختبركم بكون أمة أربى من أمة ، لينظر أتفُون بعهودكم أم لا . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : قوله - تعالى - : { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ } ، الضمير لقوله : { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ . . . } ؛ لأنه في معنى المصدر . أي : إنما يختبركم بكونهم أربى ، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله ، وما عقدتم على أنفسكم ووكدتم من أيمان البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقوتهم . وقلة المؤمنين وفقرهم وضعفهم .
ويجوز أن يعود إلى ما أمر الله به من الوفاء بالعهد ، فيكون المعنى : إنما يبلوكم الله ويختبركم بما أمركم به من الوفاء بالعهود ، ومن النهي عن النقض ليظهر لكم المطيع من العاصي ، وقوي الإِيمان من ضعيفه .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أن مرد الفصل بين العباد فيما اختلفوا فيه إليه - تعالى - وحده ، فقال : { وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فيجازي أهل الحق بما يستحقون من ثواب ، ويجازي أهل الباطل بما هم أهله من عقاب .