تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (117)

المفردات :

وكنت عليهم شهيدا : أي رقيبا ، أو شاهدا لأحوالهم من كفر وإيمان .

فلما توفيتني : التوفى ؛ أخذ الشيء وافيا كاملا ، ، ومنه الموت ؛ لأن الميت استوفى أجله .

الرقيب : المطلع على أحوالهم .

التفسير :

117- ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم . أي ما أمرتم إلا بما أمرتني أن أبلغهم إياه وهو عبادتك وحدك لا شريك لك فأنت ربي وربهم ، وأنت الذي خلقتني وخلقتهم ، فيجب أن ندين لك جميعا بالعبادة والخضوع والطاعة .

وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم . أي : وكنت مراقبا لأحوالهم ، مرشدا لهم مدة بقائي بينهم . فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد . أي فلما رفعتني إليك حيا إلى السماء بعد أن توفيتني من حياة الأرض ، كنت الحافظ لهم والعالم بهم والشاهد عليهم .

وأنت على كل شيء شهيد . لا تخفى عليك خافية من أمور خلقك .

ومذهب الجمهور : هو أن عيسى ابن مريم رفع إلى السماء حيا وهو باق على الحياة التي كان عليها في الدنيا حتى ينزل إلى الأرض في آخر الزمان .

وقال صاحب الظلال : وظاهر النصوص القرآنية يفيد أن الله سبحانه ، قد توفى عيسى ابن مريم ثم رفعه إليه وبعض الآثار تفيد أنه حي عند الله ، وليس هنالك – فيما أرى – أي تعارض يثير أي استشكال بيد أن يكون الله قد توفاه من حياة الأرض ، وأن يكون حيا عنده ، فالشهداء كذلك يموتون في الأرض وهم أحياء عند الله ، أما صورة حياتهم عنده فنحن لا ندري لها كيفا ، وكذلك صورة حياة عيسى – عليه السلام – وهو هنا يقول لربه : إنني لا أدري ماذا كان منهم بعد وفاتي .

ومن الباحثين من يرى أن معنى : فلما توفيتني . أي : أمتني وزعموا أن رفعه إلى السماء كان بعد موته .

وذهب غيرهم إلى معنى : فلما توفيتني . أي وفيتني أجرى كاملا أو أخذتني وافيا بالرفع إلى السماء حيا ، إنجاء لي مما دبروه من قتلى من التوفي وهو أخذ الشيء وافيا أي كاملا ، وقد جاء التوفي بهذا المعنى في قوله تعالى : يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا . ( ولا يصح أن يحمل التوفي على الإماتة ، لأن إماتة عيسى في وقت حصار أعدائه له ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها ، ورفعه إلى السماء جثة هامدة ، سخف من القول ، وقد نزه الله السماء أن تكون قبورا لجثث الموتى ، وإن كان الرفع بالروح فقط ، فأي مزية لعيسى في ذلك على سائر الأنبياء ، والسماء مستقر أرواحهم الطاهرة ، فالحق أنه – عليه السلام – رفع إلى السماء حيا بجسده وروحه وقد جعله الله آية والله على كل شيء قدير ) ( 46 ) .

وقد دلت الآية الكريمة على أن الأنبياء بعد استيفاء أجلهم الدنيوي ، ونقلهم إلى البرزخ لا يعلمون أعمال أمتهم وقد روى البخاري عن ابن عباس قال :

خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا – أي غير مختونين – ثم قرأ : كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين . ثم قال : ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصيحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح ، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم . فيقال لي : إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ) ( 47 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (117)

ثم صرح بذكر ما أمر به بني إسرائيل ، فقال : { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ } فأنا عبد متبع لأمرك ، لا متجرئ على عظمتك ، { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } أي : ما أمرتهم إلا بعبادة الله وحده وإخلاص الدين له ، المتضمن للنهي عن اتخاذي وأمي إلهين من دون الله ، وبيان أني عبد مربوب ، فكما أنه ربكم فهو ربي .

{ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ } أشهد على من قام بهذا الأمر ، ممن لم يقم به . { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } أي : المطلع على سرائرهم وضمائرهم . { وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } علما وسمعا وبصرا ، فعلمك قد أحاط بالمعلومات ، وسمعك بالمسموعات ، وبصرك بالمبصرات ، فأنت الذي تجازي عبادك بما تعلمه فيهم من خير وشر .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (117)

وبعد هذا التنزيه من عيسى - عليه السلام - لله عز وجل - ، وبعد هذا النفي المؤكد لما سئل عنه بعد كل ذلك يحكي القرآن ما قاله عيسى لقومه فيقول : { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } أي : ما قلت لهم - يا إلهي - { اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله } وإنما القول الذي قلته لهم هو الذي أمرتني أن أبلغهم إياه وهو عبادتك وحدك لا شريك لك ، فأنت ربي وربهم ، وأنت الذي خلقتني وخلقتهم ، فجيب أن ندين لك جميعاً بالعبادة والخضوع والطاعة ، وأنت تعلم يا إلهي - أنن لم أقصر في ذلك ، وأنني كنت رقيباً وشهيداً على قومي ، وداعياً لهم إلى إخلاص العبادات لك والعمل بموجب أمرك مدة بقائي فيهم .

قال الفخر الرازي : وأن في قوله { أَنِ اعبدوا الله } مفسرة والمفسر هو الهاء في ( به ) من قوله { إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ } وهو يعود إلى القول المأمور به .

والمعنى : ما قلت لهم إلا قولا أمرتني به ، وذلك القول هو أن : اعبدوا الله ربي وربكم واعلم أنه كان الأصل أن يقال : ما أمرتهم إلا بما أمرتني به إلا أنه وضع القول موضع الأمر ، نزولا على موجب الأدب الحسن لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معا ، ودل على الأصل بذكرأن المفسرة .

وقوله : { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } بيان لانتهاء مهمته بعد فراقه لقومه .

أي : أنت تعلم يا إلهي بأني ما أمرتهم إلا بعبادتك وبني ما قصرت في حملهم على طاعتك مدة وجودي معهم ، { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي } يا إلهي أي : قبضتني بالرفع إلى السماء حيا ، كنت أنت الرقيب عليهم . أي : كنت أنت وحدك الحفيظ عليهم المراقب لأحوالهم ، العليم بتصرفاتهم الخبير بمن أحسن منهم وبمن أساء وأنت - يا إلهي - على كل شيء شهيد ، لا تخفى عليك خافية من أمور خلقك .

هذا . وما ذهبنا إليه من أن معنى { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي } أي : قبضتني بالرفع إلى السماء حيا قول جمهور العلماء .

ومنهم من يرى أن معنى { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي } أي : أمتني وزعموا أن رفعه إلى السماء كان بعد موته .

قال بعض العلماء مؤيدا ما ذهب إليه الجمهور قوله : { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي } أي فلما أخذتني وافيا بالرفع إلى السماء حيا ، إنجاء لي مما دبروه من قتلي ، من التوفي وهو أخذ الشيء وافيا أي كاملا . وقد جاء التوفي بهذا المعنى في قوله - تعالى - { ياعيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ . . . } ولا يصح أن يحمل التوفي على الإِماتة ، لأن إماتة عيسى في وقت حصار أعدائه له ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها ، ورفعه إلأى السماء جثة هامدة سخف من القول ، وقد نزه الله السماء أن تكون قبرا لجثث الموتى ، وإن كان الرفع بالروح فقط ، فأي مزية لعيسى في ذلك على سائر الأنبياء ، والسماء مستقر أرواحهم الطاهرة فالحق أنه - عليه السلام - رفع إلى السماء حيا بجسده وروحه وقد جعله الله آية ، والله على كل شيء قدير .

وقال الشيخ القاسمي : وقد دلت الآية الكريمة على أن الأنبياء بعد استيفاء أجلهم الدنيوي ، ونقلهم إلى البرزخ لا يعلمون أعمال أمتهم وقد روى البخاري هنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم :

" يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا " أي غير مختونين - ثم قال : ( كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) . ثم قال صلى الله عليه وسلم : " ألا وإن أول الخلائق يكسي يوم القيامة إبراهيم ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح ، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ، فيقال لي : إن هؤلاء لا يزالون مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " .