تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (173)

{ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله . . . }

172

المفردات :

وما أهل به لغير الله : أي ما ذبح مذكور عليه اسم الله ، وأصل الهلال : رفع الصوت عند رؤية الهلال ، ثم أطلق على رفع الصوت مطلقا ، ومنه إهلال الصبي عند الولادة .

فمن اضطر غير باغ : فمن أجبرته الضرورة على تناول شيء مما ذكر لإنقاذ نفسه من الهلاك غير ظالم لغيره .

ولا عاد : ولا معتد بتجاوزه ما يمسك الرمق ويدفع الجوع .

التفسير :

والميتة تأباها النفس السليمة ، وكذلك الدم ، فضلا عما أتبته الطب بعد فترة طويلة من تحريم القرآن والتوراة قبله بإذن الله من تجمع المكروبات والمواد الضارة في الميتة والدم . ولا ندري إن كان الطب الحديث قد استقصى ما فيهما من الأذى أم أن هناك أسبابا أخرى للتحريم لم يكشف عنها بعض الناس .

ويستثنى من تحريم الميتة السمك والجراد ، لما أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا : «أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال » .

والدم المحرم : ما يسيل من الحيوان الحي كثيرا كان أم قليلا ، وكذلك يحرم من دم الحيوان ما جرى منه بعد تذكيته ، وهو الذي عبر عنه القرآن بالمسفوح عن قوله تعالى : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إل أن يكون ميتة أو دما مسفوحا( الأنعام : 145 ) .

والدم المسفوح هو الدم الجاري المهراق من البهيمة بعد ذبحها . أما الدم المتبقي في أجزاء لحم البهيمة بعد تذكيتها فلا شيء فيه .

قال القرطبي : وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى ، ومعفو عما تعم به البلوى ، والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم وعروقه .

«لحم الخنزير » وحرمة الخنزير شاملة للحمه وشحمه وجلده ، وإنما خص لحمه بالذكر لأنه الذي يقصد بالأكل ، ولأن سائر أجزاء الخنزير كالتابعة للحمه .

ومن الحكم في تحريم لحم الخنزير قذارته ، واشتماله على دودة تضر ببدن آكله ، وربما كان لتحريمه حكم أخرى لا تزال مجهولة لنا .

وما أهل به لغير الله : أي ما ذبح ، وقد ذكر عليه اسم غير الله ، وإذا كانت المحرمات السابقة قد حرمت لخبث ذاتها ، فما ذكر اسم غير الله عليه ، حرم لخبثه معنويا ، فقد ذكر اسم غير خالقه المنعم به عند ذبحه ولولا ذلك لكان حلالا .

وسمي الذكر إهلالا : لما فيه من الإهلال ، أي رفع الصوت عند رؤية الهلال ، ثم استعمل لرفع الصوت مطلقا ، ومنه إهلال الصبي ، والإهلال بالحج ، وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم سموا عليها أسماءها «كاللات والعزى » ورفعوا بها أصواتهم ، وسمي ذلك إهلالا . فالمراد بما أهل به لغير الله هو ما ذبح للأصنام وغيرها .

وذهب عطاء والحسن ومكحول والشعبي وسعيد بن المسيب إلى تخصيص التحريم بما ذكر عليه اسم الصنم ، ولهذا أباحوا ذبيحة النصراني إذا ذكر عليها اسم المسيح ، وقد خالفوا بذلك ظاهر النص ، وما عليه الجمهور من التحريم ، وقد شمل حكم الآية ذبيحة الوثني والمجوسي ، وكذا ذبيحة المعطل الذي لا يعتقد في الله تعالى فهي حرام كذبيحة أهل اسم غير الله عليها .

وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : إن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه ، بل المحرم ما علم أن غير اسم الله من الأوثان والأنداد ونحو ذلك قد ذكر عليه .

{ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه }

فمن ألجأته ضرورة إلى أكل شيء من هذه لمحرمات حالة كونه غير باغ : أي غير طالب المحرم وهو يجد غيره ، أو غير طالب له لإشباع لذاته ، أو غير طالب له على جهة الاستئثار به على مضطر آخر ، أو غير ساع في الفساد .

ولا عاد : أي وغير متجاوز ما يسد الجوع ، ويحفظ الحياة .

فلا إثم عليه : أي فلا إثم عليه في أكله من هذه المحرمات .

وبهذا ترى لونا من ألوان سماحة الإسلام ويسره في تشريعاته التي أقامها الله تعالى على رفع الحرج ، ودفع الضرر ، قال تعالى : { وما جعل عليكم في الدين حرج } . ( الحج : 87 )

وقال تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . ( البقرة : 185 ) .

وليس المراد من الآية حصر التحريم فيما ذكر ، فإن المحرمات أوسع منها ، ولكن المقصود رد اعتقاد المشركين أن الأكل منها حلال .

وختمت الآية بقوله سبحانه : { إن الله غفور رحيم } .

للإيذان بأن الحرمة باقية ، إلا أنه تعالى أسقط الإثم عن المضطر وغفر له لاضطراره .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (173)

ولما ذكر تعالى إباحة الطيبات ذكر تحريم الخبائث فقال { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ } وهي : ما مات بغير تذكية شرعية ، لأن الميتة خبيثة مضرة ، لرداءتها في نفسها ، ولأن الأغلب ، أن تكون عن مرض ، فيكون زيادة ضرر{[118]}  واستثنى الشارع من هذا العموم ، ميتة الجراد ، وسمك البحر ، فإنه حلال طيب .

{ وَالدَّمَ } أي : المسفوح كما قيد في الآية الأخرى .

{ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ } أي : ذبح لغير الله ، كالذي يذبح للأصنام والأوثان من الأحجار ، والقبور ونحوها ، وهذا المذكور غير حاصر للمحرمات ، جيء به لبيان أجناس الخبائث المدلول عليها بمفهوم قوله : { طَيِّبَاتِ } فعموم المحرمات ، تستفاد من الآية السابقة ، من قوله : { حَلَالًا طَيِّبًا } كما تقدم .

وإنما حرم علينا هذه الخبائث ونحوها ، لطفا بنا ، وتنزيها عن المضر ، ومع هذا { فَمَنِ اضْطُرَّ } أي : ألجئ إلى المحرم ، بجوع وعدم ، أو إكراه ، { غَيْرَ بَاغٍ } أي : غير طالب للمحرم ، مع قدرته على الحلال ، أو مع عدم جوعه ، { وَلَا عَادٍ } أي : متجاوز الحد في تناول ما أبيح له ، اضطرارا ، فمن اضطر وهو غير قادر على الحلال ، وأكل بقدر الضرورة فلا يزيد عليها ، { فَلَا إِثْمَ } [ أي : جناح ] عليه ، وإذا ارتفع الجناح الإثم{[119]}  رجع الأمر إلى ما كان عليه ، والإنسان بهذه الحالة ، مأمور بالأكل ، بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة ، وأن يقتل نفسه .

فيجب ، إذًا عليه الأكل ، ويأثم إن ترك الأكل حتى مات ، فيكون قاتلا لنفسه .

وهذه الإباحة والتوسعة ، من رحمته تعالى بعباده ، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال : { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }

ولما كان الحل مشروطا بهذين الشرطين ، وكان الإنسان في هذه الحالة ، ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها - أخبر تعالى أنه غفور ، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال ، خصوصا وقد غلبته الضرورة ، وأذهبت حواسه المشقة .

وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة : " الضرورات تبيح المحظورات " فكل محظور ، اضطر إليه الإنسان ، فقد أباحه له ، الملك الرحمن . [ فله الحمد والشكر ، أولا وآخرا ، وظاهرا وباطنا ] .


[118]:- في ب: مرض.
[119]:- في أ: (وإذا ارتفع الجناح) وفوق كلمة الجناح كلمة (الإثم) وفي ب، وردت الجملة هكذا (وإذا ارتفع الاثم).