التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَفَنَضۡرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكۡرَ صَفۡحًا أَن كُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّسۡرِفِينَ} (5)

وبعد هذا البيان المشرف للقرآن الكريم ، أتبع - سبحانه - ذلك بالكشف عن مدى الإِسراف القبيح الذى ارتكبه المشركون حين أعرضوا عنه فقال - تعالى - : { أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ } .

والهمزة للاستفهام الإِنكارى ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والضرب هنا : بمعنى التنحى والابتعاد والإِهمال ، تقول : ضربت عن فلان صفحا ، إذا أعرضت عنه وتركته ، والصفح : مصدر صفحت عنه ، إذا أعرضت عنه ، وذلك بأن تعطيه صفحة وجهك أى : جانبه .

وهو منصوب لنضرب من غير لفظة ، كما فى قولهم : قعدت جلوسا . أو على الحال من الفاعل : على المصدرية أى : صافحين .

والمراد بالذكر هنا : القرآن الكريم .

والمعنى : أنعرض عنكم ونهملكم فلا نذكركم بالقرآن الكريم ، ولا نرشدكم إلى هداياته . بسبب إسرافكم على أنفسكم ، ومحاربتكم للحق ، وإيثاركم الغى على الرشد ؟ ! ! لا لن نفعل ذلك ، بل سننزل هذا القرآن على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ، ومن شاء فليكفر .

قال الشوكانى : قوله : { أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ } قرأ نافع وحمزة والكسائى بكسر { أَن } على أنها شرطية ، والجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه . وقرأ الباقون بفتحها على التعليل ، أى : لأن كنتم قوما منهمكين فى الإِسراف مصرين عليه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَفَنَضۡرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكۡرَ صَفۡحًا أَن كُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّسۡرِفِينَ} (5)

قوله : { أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين } { صفحا } منصوب على المصدر . والتقدير : أفنصفح عنكم صفحا . أو لأن معنى { أفنضرب } أفنصفح{[4124]} والصفح معناه الإعراض . صفح عنه : أعرض عنه : أعرض عن ذنبه ، وضرب عنه صفحا أي أعرض عنه وتركه{[4125]} .

وفي تأويل هذه الآية أقوال كثيرة لعل أصوبها قول ابن عباس وآخرين وهو : أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم ولم تفعلوا ما أمرتم به . وقيل : تكذبون بالقرآن ثم لا تعاقبون عليه . وقيل : أفنضرب عنكم العذاب فنترككم ونعرض عنكم لأنكم كنتم قوما مسرفين لا تؤمنون بربكم . وفي ذلك وعيد من الله للمخاطبين به من المشركين ، إذ سلكوا في تكذيب رسولهم مسلك الغابرين ، قبلهم ، أولئك الذين عصوا رسل ربهم ونكلوا عن دين الله فأخذهم الله بنكولهم وإعراضهم .


[4124]:البيان لا بن الأنباري جـ2 ص 352.
[4125]:مختار الصحاح ص 364.