{ إن كان كبر عليكم مقامي } أي عظم وشق عليكم مكثي ولبثي فيكم { وتذكيري بآيات الله } وعظي وتخويفي إياكم عقوبة الله { فعلى الله توكلت } فافعلوا ما شئتم وهو قوله { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } أي اعزموا على أمر محكم تجتمعون عليه { وشركاءكم } مع شركائكم وقيل معناه وادعوا شركاءكم يعني آلهتكم { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا تتمكنون فيه مما شئتم لا كمن يكتم أمرا ويخفيه فلا يقدر أن يفعل ما يريد { ثم اقضوا إلي } افعلوا ما تريدون وامضوا إلي بمكروهكم { ولا تنظرون } ولا تؤخروا أمري والمعنى ولا تألوا في الجمع والقوة فإنكم لا تقدرون على مساءتي لأن لي الها يمنعني وفي هذا تقوية لقلب محمد صلى الله عليه وسلم لأن سبيله مع قومه كسبيل الأنبياء من قبله
ولما تقدم سؤالهم الإتيان بما يقترحون من الآيات ، ومضت الإشارة إلى أن تسييرهم{[38230]} في الفلك من أعظم الآيات وإن كانوا{[38231]} لإلفهم له قد{[38232]} نسوا ذلك ، وتناسجت الآي{[38233]} كما سلف إلى{[38234]} أن بين{[38235]} هذا أن متاع المفترين{[38236]} الكذبَ قليل تخويفاً من شديد السطوة وعظيم الأخذ ، عقب ذلك بقصة قوم نوح لأنهم كانوا أطول الأمم الظالمة مدة وأكثرهم عدة ، ثم أخذوا أشد أخذ فزالت آثارهم وانطمست أعلامهم {[38237]}ومنارهم{[38238]} فصاروا كأنهم لم يكونوا أصلاً ولا أظهروا قولاً ولا فعلاً ، فقال تعالى عاطفاً على قوله { قل إن الذين } مسلياً لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لأن المصيبة إذا عمت خفت ، وتخويفاً للكفار ليرجعوا أو يخفوا من أذاهم : { واتل } أي{[38239]} اقرأ قراءة متتابعة مستعلية { عليهم نبأ نوح } أي خبره العظيم مذكراً{[38240]} بأول كون الفلك وأنه كان إذ ذاك آية غريبة خارقة للعادة عجيبة ، وأن قوم نوح لم ينفعهم ذلك ولاأغنى عنهم افتراءهم وعنادهم مع تطاول الأمد وتباعد المدد ، بل صار أمرهم إلى زوال ، وأخذ عنيف ونكال{ كأن لم يلبثوا إلاّ ساعة من النهار يتعارفون بينهم } [ يونس : 45 ] مع نجاة رسولهم وخيبة مأمولهم ، قد لبث فيهم ما لم يلبثه نبي في قولهم ولا رسول في أمته ألف سنة إلاّ خمسين عاماً ، وما آمن معه إلاّ قليل{[38241]} { إذ قال لقومه } أي بعد أن دعاهم إلى الله فأطال دعاءهم ومتعوا في الدنيا كثيراً وأملى{[38242]} لهم طويلاً فما زادهم ذلك إلا نفوراً { يا قوم } أي يا من يعز عليّ خلافهم ويشق عليّ ما يسوءهم لتهاونهم بحق ربهم مع قوتهم على الطاعة { إن كان كبر } أي شق وعظم مشقة صارت جبلة{[38243]} { عليكم } ولما كانت عادة الوعاظ والخطباء أن يكونوا حال الخطبة واقفين ، قال : { مقامي } أي قيامي ، ولعله خص هذا المصدر لصلاحيته لموضع القيام {[38244]}وزمانه فيكون الإخبار بكراهته لأجل ما وقع فيه من القيام أدل على كراهة القيام { وتذكيري } أي بكم { بآيات الله } أي الذي له الجلال والإكرام ، فإن ذلك لا يصدني عن مجاهدتي بما يكبر عليكم من ذلك خوفاً منكم لأن الله أمرني به وأنا أخاف عذابه إن تركت ، ولا أبالي بكراهيتكم لذلك خوف عاقبة قصدكم لي بالأذى { فعلى } أي فإني على { الله } أي الذي له العزة كلها وحده { توكلت } فإقامة ذلك مقام الجزاء من إطلاق السبب - الذي هو التوكل - على المسبب - الذي هو انتفاء الخوف - مجازاً مرسلاً ، إعلاماً لهم بعظمة الله وحقارتهم بسبب أنهم أعرضوا عن الآيات وهم يعرفونها ، بما دل عليه التعبير بالتذكير ، فدل ذلك على عنادهم بالباطل ، والمبطل لا يخشى أمره{[38245]} لأن الباطل لا ثبات له ، ودل على ذلك بقوله : { فأجمعوا أمركم } أي في أذاي بالإهلاك وغيره ، أعزموا عليه وانووه واجزموا به ، والواو بمعنى " مع " في قوله : { وشركآءكم } ليدل على أنه لا يخافهم وإن كانوا شركاءهم أحياء كائنين من كانوا وكانت كلمتهم واحدة لا فرقة فيها بوجه .
ولما كان الذي يتستر بالأمور{[38246]} بما يفوته بعض المقاصد لاشتراط التستر ، أخبرهم أنه لا يمانعهم سواء أبدوا أو أخفوا فقال : { ثم لا يكن } أي بعد التأبي وطول زمان المجاوزة في المشاورة { أمركم } أي الذي تقصدونه بي { عليكم غمة } أي خفياً يستتر عليكم شيء منه بسبب ستر ذلك عني{[38247]} لئلا أسعى في معارضتكم ، فلا تفعلوا ذلك بل جاهروني به مجاهرة{[38248]} فإنه لا معارضة لي بغير الله الذي يستوي عنده السر والعلانية{[38249]} ؛ والتعبير ب { ثم } إشارة إلى التأني وإتقان الأمر للأمان من معارضته بشيء من حول منه أو قوة { ثم اقضوا } ما تريدون{[38250]} ، أي بتوه بتة المقضي إليه واصلاً{[38251]} { إلي } .
ولما كان ذلك ظاهراً في الإنجاز وليس صريحاً ، صرح{[38252]} به في قوله : { ولا تنظرون* } أي ساعة ما ، وكل ذلك لإظهار قلة المبالاة بهم للاعتماد{[38253]} على الله لأنه لا يعجزه شيء ومعبوداتهم لا تغني شيئاً ؛ ثم سبب عن ذلك قوله : { فإن توليتم }
قوله تعالى : { واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظروا } .
أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقصص القصص على قومه المشركين فيذكرهم بما حل بقوم نوح من إهلاكهم بالغرق ليكون في ذلك ما يزجرهم ويخوفهم ويردعهم عن التلبس بالشرك وعبادة الأوثان . وهو قوله : { واتل عليهم نبأ نوح إذ قال قومه يا قوم عن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله } أي إن كان قد ثقل عليكم مقامي وهو مكثي وإقامتي بين أظهركم { وتذكيري بآيات الله } أي شق وكبر عليكم وعظي وما أذكركم به من البراهين والدلائل { فعلى الله توكلت } أي فإني لا أعبأ ولا أبالي بكيدكم وصدكم ؛ لأني قد توكلت على الله ، وفوضت أمري إليه ، واعتمدت في شأني كله عليه { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } أي اجتمعوا أنتم وشركاؤكم من الأوثان والآلهة المزيفة الموهومة ، وأعدوا أمركم واعزموا على ما أنتم مقدمون عليه من الكيد لي والمكر بي والنيل مني . وإنما قال ذلك لقلة مبالاته بهم وثقته بما وعده ربه من الكلاءة والعصمة ، وأنهم لن ينفروا إليه ولن يجدوا إليه سبيلا .
قوله : { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } الغمة من الاغتمام . وهو التغطية والاستتار ، والمعنى : لا يكن أمركم عليكم ملتبسا مبهما . أو لا يكن قصدكن إلى إهلاكي مستورا بل مكشوفا تجاهرونني به .
قوله : { ثم اقضوا إلى ولا تنظرون } أي أمضوا إلى ما تحدثكم به أنفسكم من كيدي والإيقاع بي . أو قضوا إلي ما كنتم قاضين ثم لا تؤخرون ولا تمهلون بل عجلوا أمركم واصنعوا بي ما بدا لكم . وفي هذا تعزية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتقوية من الله لقلبه كيلا يعبأ بكيد المشركين وأذاهم ؛ فالله معه لا يذره وحيدا ولا يسلمه للمتربصين والماكرين{[2014]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.