{ ولا تكونوا كالتي نقضت } ، أفسدت { غزلها } ، وهي امرأة حمقاء كانت تغزل 94 95 طول يومها ثم تنقضه وتفسده ، { من بعد قوة } الغزل بإمراره وفتله ، { أنكاثا } ، قطعا ، وتم الكلام هاهنا ، ثم قال : { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } ، أي : غشا وخديعة ، { أن تكون } ، بأن تكون ، أو لأن تكون ، { أمة هي أربى من أمة } ، أي : قوم أغنى وأعلى من قوم ، وذلك أنهم كانوا يحالفون قوما ، فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلف أولئك ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز ، فنهوا عن ذلك . { إنما يبلوكم الله به } ، أي : بما أمر ونهى ، { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } ، في الدنيا .
ولما أمر بالوفاء ونهى عن النقض ، شرع في تأكيد وجوب الوفاء وتحريم النقض وتقبيحه تنفيراً منه فقال تعالى : { ولا تكونوا } ، أي : في نقضكم لهذا الأمر المعنوي ، { كالتي نقضت غزلها } ، ولما كان النقض لم يستغرق زمان البعد ، قال تعالى : { من بعد قوة } ، عظيمة حصلت له ، { أنكاثاً } ، أي : أنقاضاً ، جمع نكث وهو كل شيء نقض بعد الفتل ، سواء كان حبلاً أو غزلاً ، فهو مصدر مجموع من نقضت ؛ لأنه بمعنى نكثت ، قال في القاموس : النكث - بالكسر أن تنقض أخلاق الأكسية لتغزل ثانية . فيكون مثل جلست قعوداً ، أي : فتكونوا بفعلكم ذلك ، كهذه المرأة التي ضربتم المثل بها في الخرق ، مع ادعائكم أنه يضرب بأدناكم المثل في العقل ، ثم وصل بذلك ما يعرف أنهم أسفه من تلك المرأة ؛ بسبب أن ضررها لا يتعداها ، وأما الضرر بفعلهم فإنه مفسد لذات البين ، فقال تعالى : { تتخذون } ، أي : بتكليف الفطرة الأولى ضد ما تدعو إليه من الوفاء . { أيمانكم دخلاً } ، أي : فيضمحل كونها أيماناً إلى كونها ذريعة إلى الفساد بالخداع والغرور . { بينكم } ، من حيث إن المحلوف له يطمئن فيفجأه الضرر ، ولو كان على حذر لما نيل منه ولا جسر عليه ، وكل ما أدخل في الشيء على فساد فهو دخل . { إن } ، أي : تفعلون ذلك بسب أن : { تكون أمة } ، أي : وهي الخادعة أو المخدوعة لأجل سلامتها ، { هي } ، أي : خاصة ، { أربى } ، أي : أزيد وأعلى ، { من أمة } ، في القوة أو العدد ، فإذا وجدت نفاداً لزيادتها غدرت .
ولما عظم عليهم النقض ، وبين أن من أسبابه الزيادة ، حذرهم غوائل البطر فقال تعالى : { إنما يبلوكم } ، أي : يختبركم { الله } ، أي : الذي له الأمر كله ، { به } ، أي : يعاملكم معاملة المختبر بالأيمان والزيادة ، ليظهر للناس تمسككم بالوفاء أو انخلاعكم منه ، اعتماداً على كثرة أنصاركم وقلة أنصار من نقضتم عهده من المؤمنين . " أو غيرهم " ، مع قدرته سبحانه على ما يريد ، فيوشك أن يعاقب بالمخالفة فيضعف القوي ويقلل الكثير ، { وليبينن لكم } ، أي : إذا تجلى لفصل القضاء ، { يوم القيامة } ، مع هذا كله ، { ما كنتم } ، أي : بجبلاتكم ، { فيه تختلفون * } ، فاحذروا يوم العرض على ملك الملوك ، بحضرة الرؤساء والملوك وجميع المعبودات ، والكل بحضرته الشماء داخرون ، ولديه صاغرون ، ومن نوقش الحساب يهلك .
قوله : ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ) ، ( أنكاثا ) ، حال من ( غزلها ) ، وقيل : مفعول ثان للفعل ( نقضت ) أي صيرت غزلها أنقاضا . والأنكاث جمع نكث بكسر النون ؛ أي : منكوث ، بمعنى : منقوض{[2597]} ؛ والمعنى : أن الله ينهى عباده المؤمنين عن نقض الأيمان بعد توكيدها . فنقضها حرام ؛ لأنه غدر وخيانة وسوء في الخلق يتلبس به الناقضون للعهود والأيمان . والله جل وعلا يحذر المؤمنين من نقض عهودهم وأيمانهم بعد إبرامها وتوثيقها ، كيلا يكونوا في ذلك نظراء لامرأة ضالة حمقاء تنقض غزلها بعد إبرامه وإحكامه . ولا يجترئ على نكث العهد أو العقد أو اليمين إلا السفيه الأحمق .
وقيل : إن التي كانت تفعل ذلك امرأة حمقاء خرقاء معروفة بمكة ، كانت تنقض غزلها عقب إبرامه ، فكلما عقدته نكثته .
والصواب : أن الآية تفيد عموم التحذير والنهي عن نكث العهود والمواثيق . وإنما هذا مثل ضربه الله لناقض العهد أو اليمين ؛ إذ شبهه بامرأة تنقض غزلها بعد إحكامه وتقويته ، لغير مصلحة ولا جدوى إلا الحماقة والسفه .
قوله : ( تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ) ، الجملة في محل نصب حال من : ( أنكاثا ) ، ( دخلا ) ، مفعول ثان لقوله : ( تتخذون ) ، وقيل : مفعول لأجله . والدخل ، بالتحريك ، ما داخلك من فساد في عقل أو جسم ، ويعني أيضا : الغدر والمكر والخديعة{[2598]} . والمراد : أنكم تجعلون أيمانكم التي حلتم بها لمن عاقدتموهم من الناس ( دخلا بينكم ) ، أي : خديعة وغرورا ، لكي يطمئنوا إليكم ، وأنتم تخفون لهم في أنفسكم الغدر وعدم الوفاء لهم بالعهد ، والانتقال إلى قوم آخرين لكونهم أكثر عددا منهم . وهو قوله : ( أن تكون أمة هي أربى من أمة ) ، أي : بسبب أن تكون ، أو مخافة أن تكون جماعة أزيد عددا من جماعة ، أو ناس أكثر من ناس . وقد قيل : كانوا يخالفون الحلفاء فيجدون غيرهم أكثر منهم مالا وأعز نفرا وأزيد عددا ، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون هؤلاء لقوتهم وكثرتهم . وذلك خلق الأرذال والخائنين والخائرين من الناس الذين لا تمسكهم عقيدة ولا يشدهم عهد أو ميثاق ، لكنهم سجيتهم الغدر والخداع ونقض العهود كلما سنحت الظروف ليجنحوا إلى حلفاء أقوياء جدد . أولئك هم الأرذلون المنافقون الذين يلهثون خلف الأهواء والمفاسد من خسائس الأغراض والمنافع . لكن المسلمين شيمتهم الثبات على العقيدة والمبدأ ودوام التلبس بخلق الإسلام في رعي العهود وصون الأيمان والمواثيق ، والثبات على الحق والفضيلة في كل الأحوال والأزمات دون زيغ أو انحراف أو اضطراب مهما تكن الظروف من الشدة واحتدام البأس والكروب . وقوله : ( تكون ) ، فعل تام ، و ( أمة ) ، فاعله . أو فعل ناقص ، و ( أمة ) ، اسمها . وخبرها ( أربى ) {[2599]} .
قوله : ( إنما يبلوكم الله به ) ، الضمير في قوله : ( به ) ، يعود على المصدر من ( أن تكون ) ، والتقدير : إنما يبلوكم الله بكون أمة ؛ أي : يختبركم الله بكونهم أربى منكم ، لينظر أتصبرون على الثبات على الحق والوفاء بعهد الله وما وكدتم من الأيمان ، أم أنكم تغترون بكثرة المشركين وقلة المسلمين وفقرهم ، فتميلون إلى عدو الله وعدوكم وهم المشركون .
قوله : ( وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ) ، لسوف يبين الله للناس إذا جيء بهم يوم القيامة ما كانوا يختلفون فيه في الدنيا ؛ إذ كان المؤمنون يقرون بوحدانية الله ويصدقون المرسلين وخاتمهم محمد بن عبد الله عليه وعليهم صلوات الله وسلامه ، وكان المشركون والظالمون يجحدون الرسالات جميعا أو بعضها ؛ فقد جحدت يهود بعض النبيين ، من بينهم : محمد والمسيح عليهما الصلاة والسلام . وجحدت النصارى نبوة الرسول الأعظم خاتم النبيين والمرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم . لكن المسلمون صدقوا النبيين أجمعين وأيقنوا أنهم جميعا على الحق وأنهم قد أوحي إليهم . وكذلك كان اختلاف الناس في الدنيا . ويوم القيامة يلاقون الجزاء ليجد كل فريق منهم سبيله إما إلى النعيم ، وإما إلى الجحيم{[2600]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.