{ ليس عليك هداهم } نزلت حين سألت قتيلة أم أسماء بنت أبي بكر ابنتها أن تعطيها شيئا وهي مشركة فأبت وقالت حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية والمعنى ليس عليك هدى من خالفك فمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام { وما تنفقوا من خير } أي مال { فلأنفسكم } ثوابه { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } خبر والمراد به الأمر وقيل هو خاص في المؤمنين أي قد علم الله ذلك منكم { وما تنفقوا من خير }
ولما حث سبحانه وتعالى على وجوه الخير ورغب في لزوم الهدى وكان أكثرهم معرضين ، لأن ما دعا إليه هادم لما جبلوا عليه من الحب لتوفير المال والحفيظة على النفس ، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الأسف عليهم دائم القلق من أجلهم لعظيم{[13094]} رحمته لهم{[13095]} وشفقته عليهم ، فكان يجد من تقاعدهم عما يدعوهم إليه من هذه الحالة العلية التي هي حكمة الله التي رأسها الإيمان بالله واشتراء الآخرة بكلية الدنيا وجداً شديداً ، خفض{[13096]} سبحانه وتعالى عليه الأمر وخفف عليه الحال فقال : { ليس عليك } أي عندك { هداهم } حتى تكون قادراً عليه ، فما عليك إلا البلاغ ، وأما خلق الهداية لهم فليس عليك ولا تقدر عليه { ولكن الله } {[13097]}الذي لا كفوء له{[13098]} هو{[13099]} القادر على ذلك وحده فهو { يهدي من يشاء } فظهر من هذا أنه يتعين أن يكون عليك بمعنى عندك ومعك ونحو ذلك ، لأن لكن للاستدراك{[13100]} وهو أن يكون حكم ما بعدها مخالفاً لما{[13101]} قبلها وكلام أهل اللغة يساعد على ذلك ، قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي : في حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما : كنت أضحي بالجذع وعلينا{[13102]} ألف شاة ، معناه : وعندنا ألف شاة ، تقول العرب : علينا كذا وكذا ، أي مننا{[13103]} - فسره قاسم ؛ انتهى . وهو يرجع إلى القدرة كما تقول : عليّ رضى فلان ، أي أنا مطيق لذلك قادر على حمله ، فالمعنى : لست تقدر على إيجاد الاهتداء فيهم أصلاً وإنما ذلك إلى الله سبحانه وتعالى فهو يهدي من يشاء فيفعل ما يقدره سبحانه له من وجوه الهدى من نفقة وغيرها . قال الحرالي ما معناه : إن{[13104]} الأنصار رضي الله تعالى عنهم من أول مراد بهذه{[13105]} الجملة لأنه سبحانه وتعالى جعل فيهم نصرة دينه .
ولما كان المقصود الأعظم في هذه الحكمة وهذا الهدى{[13106]} إنما هو الهدى{[13107]} للتوسل إلى الجواد بالجود بالنفس والمال النائل عموماً القريب والبعيد والمؤمن والكافر بمنزلة المطر الجود الذي يأخذ السهل والجبل حتى كان هذا{[13108]} الخطاب صارفاً لقوم تحرجوا{[13109]} من الصدقة على فقراء الكفار وصلة قراباتهم منهم فحملوا على عموم الإنفاق - انتهى . فقال سبحانه وتعالى : { وما تنفقوا من خير } أي مال ومعروف على مؤمن{[13110]} أو كافر يحل فعل ذلك معه{[13111]} ولو قل " لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة{[13112]} " { فلأنفسكم } كما قيل له صلى الله عليه وسلم عن شاة ذبحت : ذهبت{[13113]} أي بالهدية والصدقة إلا رقبتها ! فقال : بقيت إلا رقبتها ! فهو{[13114]} يفهم أنكم إن بخلتم{[13115]} أو مننتم فإنما تفعلون ذلك بأنفسكم .
ولما كان الكلام في النفقة مع المؤمنين المنفقين{[13116]} وفي سبيل الله وعبر عنها بالخير{[13117]} و{[13118]}كل ذلك إشارة إلى الإخلاص الحري بحال المؤمن فقال{[13119]} : { وما } أي والحال أنكم{[13120]} ما { تنفقون إلا ابتغاء } أي إرادة .
ولما كان تذكر الوجه {[13121]}لما له{[13122]} من الشرف أدعى إلى الاجتهاد في تشريف العمل بإحسانه وإخلاصه قال : { وجه الله } أي الملك الأعظم{[13123]} من سد خلة فقير أو صلة رحم مسلم{[13124]} أو كافر تجوز الصدقة عليه لا {[13125]}لأنفسكم ولا غيرها{[13126]} بل{[13127]} تخلصاً{[13128]} من إمساك المال بأداء الأمانة فيه إلى {[13129]}عباد الله {[13130]}لأنهم عباده{[13131]} ، هذا هو الذي يدعو إليه الإيمان فلا يظن لمؤمن أن{[13132]} يفعل غيره وذلك يقتضي البعد جداً عن الأذى والرياء وكل نقيصة{[13133]} والملابسة لكل ما يوجب القبول من الكمال الحسي والمعنوي .
ولما كان الإيقان بالوفا{[13134]} مرغباً في الإحسان ومبعداً من{[13135]} الإساءة والامتنان خوفاً من جزاء{[13136]} الملك الديان{[13137]} قال{[13138]} { وما تنفقوا من خير } أي على أي وجه كان وبأي وصف كان التصدق والمتصدق عليه { يوف } أي يبالغ في وفائه{[13139]} بالتضعيف{[13140]} واصلاً { إليكم وأنتم لا تظلمون * } أي لا يقع عليكم ظلم{[13141]} في ترك شيء مما أنفقتموه ولا{[13142]} في نقص مما وعدتموه من التضعيف إن أحسنتم والمماثلة إن أسأتم .
قوله تعالى : ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) في سبب نزول هذه الآية روي عن سعيد ابن جبير مرسلا عن النبي ( ص ) أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة ، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله ( ص ) : " لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم " فنزلت هذه الآية لتبيح الصدقة على الفقراء من غير المسلمين .
وروي عن ابن عباس قوله : كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بني قريظة والنضير ، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا فنزلت الآية فيهم .
والذين يظهر من ذلك أن مقصد المسلمين والنبي ( ص ) من منع الصدقة عن الفقراء من غير المسلمين إنما كان ليسلموا وينقلبوا عن شركهم إلى دين الإسلام ، فأنزل الله فيهم : ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) .
وثمة خلاف بين العلماء في نوع الصدقة التي أباحت الآية إعطاءها للفقراء من غير المسلمين . فقد ذهب فريق من أهل العلم في قول مرجوح لا يعوّل عليه إلى جواز إعطائهم من الصدقات عموما ، سواء في ذلك صدقة التطوع أو الفريضة .
لكن المذهب الصحيح المعتمد في ذلك أنهم يعطون من الصدقة النافلة ( التطوع ) ولا يعطون من الزكاة المفروضة . وفي ذلك يقول الرسول ( ص ) : " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم " ويعزز ذلك ما ذكره من إجماع أهل العلم على أن غير المسلمين لا يعطون من زكاة الأموال شيئا ، لكن أبيح إعطاؤهم من صدقة التطوع .
وجملة القول أن هؤلاء المشركين لا ينبغي حرمانهم من الخير إن تيسر . وما يكون حرمانهم سببا في هدايتهم ، بل لا يملك الإنسان هداية غيره من خلق الله ، فإن الله جلت قدرته هو الهادي وهو الذي ييسر للعباد من أسباب الهداية والاستقامة وما يقودهم إلى الرشاد .
قوله ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ) الخير المراد به المال . فإن المؤمن لا ينفق من ماله إلا كان مكتوبا له في حسابه عند الله ولا يُضيع الله أجر العاملين والمحسنين .
قوله : ( وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ) يحتمل معنيين . أحدهما : النفقة المعتبرة والتي يتقبلها الله هي التي يبتغي بها المنفق وجه الله ، يكون مخلصا في بذله المال للفقراء ، فلا يبتغي من ذلك المديح والثناء أو غرضا من الأغراض الدنيوية ، بل يبتغي مرضاة الله ، فهو في ذلك مأجور ، سواء وقعت صدقته في يد بر أو فاجر ، محتاج أو غير محتاج .
وثانيهما : أن هذه الآية شهادة من الله للصحابة الكرام – رضي الله عنهم- بأنهم إنما ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاته فهم بذلك مخلصون في إنفاقهم ، وذلك على سبيل الإطراء لهم والثناء عليهم .
قوله : ( وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) ذلك بتأكيد لما قبله ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ) فإن المنفقين المخلصين توفّى إليهم أجورهم غير مبخوسين أو مظلومين{[355]} .