ولما كشف سبحانه زورهم وبيَّن فجورهم ، أنكر أن يكون أحد أحسن ديناً ممن اتبع ملة إبراهيم الذي{[22806]} يزعمون أنه كان على دينهم زعماًَ تقدم كشف عواره وهتك أستاره في آل عمران ، فقال عاطفاً على ما تقديره : فمن أحسن دائناً ومجازياً وحاكماً منه سبحانه وتعالى : { ومن أحسن ديناً } أو يكون التقدير : لأنهم{[22807]} أحسنوا في دينهم ومن أحسن ديناً منهم ! لكنه أظهر الوصف تعميماً وتعليقاً للحكم به وتعليماً لما{[22808]} يفعل يفعل المؤمن وحثاً عليه فقال : { ممن أسلم } أي أعطى .
ولما كان المراد الإخلاص الذي هو أشرف الأشياء ، عبر عنه بالوجه الذي هو أشرف الأعضاء فقال : { وجهه } أي قياده{[22809]} ، أي الجهة التي يتوجه إليها بوجهه ، أي قصده كله الملازم للإسلام نفسه كلها { لله } فلا حركة له سكنة إلا فيما يرضاه ، لكونه الواحد الذي لا مثل له ، فهو حصر بغير صيغة الحصر ، فأفاد فساد طريق{[22810]} من لفت وجهه نحو سواه{[22811]} باستعانة أو غيرها ولا سيما المعتزلة الذين يرون{[22812]} الطاعة من أنفسهم ، ويرون أنها موجبة لثوابهم ، والمعصية كذلك وأنها موجبة{[22813]} لعقابهم ، في الحقيقة لا يرجون إلا أنفسهم ، ولا يخافون غيرها ؛ وأهل السنة فوّضوا التدبير والتكوين والخلق إلى الحق ، فهم المسلمون .
ولما عبر تعالى عن كمال الاعتقاد بالماضي ، شرط فيه الدوام والأعمال الظاهرة بقوله : { وهو } أي والحال أنه { محسن } أي مؤمن مراقب ، لا غفلة عنده أصلاً ، بل الإحسان صفة له{[22814]} راسخة ، لأنه يعبد الله كأنه يراه ، فقد اشتملت هذه الكلمات العشر على الدين كله أصلاً وفرعاً مع الترغيب بالمدح الكامل لمتبعه وإفهام الذم{[22815]} الكامل لغيره .
ولما كان هذا{[22816]} ينتظم مَنَ كان على دين أي نبي كان قبل{[22817]} نسخه ، قيده بقوله : { واتبع } أي بجهد منه { ملة إبراهيم } الذي اشتهر عند جميع الطوائف أنه ما دعا إلا إلى الله سبحانه وتعالى وحده ، وتبرأ مما سواه من فلك وكوكب وصنم وطبيعة وغيرها حال كون ذلك المتبع { حنيفاً } أي ليناً سهلاً ميّالاً مع{[22818]} الدليل ، والملة : ما دعت إليه الفطرة الأولى بمساعدة العقل السليم من كمال الإسلام بالتوحيد .
ولما كان التقدير ترغيباً في هذا الاتباع : فقد جعل الله سبحانه وتعالى ملة إبراهيم أحسن الملل ، وخلقه يوم خلقه حنيفاً ، عطف عليه قوله : { واتخذ الله } أي الملك الأعظم أخذ من معين بذلك مجتهد فيه { إبراهيم خليلاً * } لكونه كان حنيفاً ، وذلك عبارة عن اختصاصه بكرامة تشبه{[22819]} كرامة الخليل عند خليله من ترديد{[22820]} الرسل بالوحي{[22821]} بينه وبينه ، وإجابة الدعوة ، وإظهار الخوارق عليه وعلى آله ، والنصرة على الأعداء وغير ذلك من الألطاف ، وأظهر اسمه في موضع الإضمار تصريحاً بالمقصود احتراساً من الإبهام وإعلاءً لقدره تنويهاً بذكره .
قوله تعالى : ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا ) ذلك استفهام فيه تقرير ونفي ، فهو تقرير لحسن الإسلام وإظهاره على الدين كله ، وهو كذلك يتضمن نفيا أن تكون ثمة ملة أحسن من الإسلام . ذلك أن الإسلام ينطوي على قواعد وأسباب تجعله أكمل الأديان كلها وأعظمها صلوحا للحياة البشرية ، ولئن كان كل دين خاصا بأمة محدودة من الأمم في زمن معين فإن الإسلام مقدور له أن يكون للبشرية كلها وللزمان كله إلى أن تفنى الحياة وما فيها . ولا نقول ذلك إلا من الإدراك الكامل بأن الإسلام نظام الحياة جميعا . وهو نظام يقوم على جملة مقوّمات وخصائص تجعله صالحا لكل زمان ومكان وتجعله يلائم الطبيعة البشرية وينسجم معها أكمل انسجام من غير إفراط في ذلك ولا تفريط .
قوله : ( أسلم وجهه لله ) من شأن المسلم أن يسلم كيانه البدني والشخصي كله إلى الله ليكون بذلك متوجها بجوارحه وجوانحه وحسه وشعوره إلى الله . أما ذكر الوجه هنا فهو لشرفه ؛ ولأن فيه ما يغني عن ذكر الجسد كله . والوجه في الإنسان أجلى وأحسن ما فيه وهو يمثل الصورة الوافية المميزة للإنسان ، فضلا عما في الوجه من أجزاء ومركبات أساسية مثل السمع والبصر والذوق والشم والنطق ، وهي أجزاء ومركبات بها تركيبة الإنسان فيستتم كيانه وشخصه ، وبذلك فإن ذكر الوجه لهو تعبير عن الكيان كله وذلك من باب ذكر الجزء بدلا من الكل ؛ لما للجزء من الأهمية وشرف المكانة والشأن . والمراد في الآية إخلاص النفس لله وحده فلا تعرف لها ربا ولا معبودا سواه . وقوله : ( دينا ) منصوب على التمييز وقوله : ( وهو محسن ) الواو للحال والجملة بعدها اسمية تتألف من مبتدأ وخبره . والمحسن من الإحسان وهو كما بينه ( ص ) لدى إجابته عن سؤال جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " وتلك هي حال المؤمن مع ربه ؛ إذ يعبده في السر والعلن ، ويخشاه في كل آن ، وهو يقظ الحس رهيف الضمير ، ومستديم الصلة بربه سبحانه فلا تبرح قلبه اليقظة والرهافة في جميع الأحوال والهيئات ، وذلك هو الإحساس المؤثر الذي ينطبع في قلب المؤمن ليظل دائما رقيب نفسه ويظل يغمره اليقين بأن الله يراه وأنه سبحانه مطّلع عليه في معلناته وخفاياه .
قوله : ( واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ) . الملة معناها الطريقة أو الشريعة أو الدين{[839]} . والحنيف من الفعل حنف ، ومعناه مال . والحنفية هي التوحيد والميل عن الشرك . فالحنيف هو الذي يعبد الله وحده من غير ميل إلى أحد سواه{[840]} . وفي الآية يأمر الله نبيّه والمؤمنين أن يتّبعوا ملّة إبراهيم في الإخلاص والتوحيد والحنيفية ، فقد كان عليه السلام ( أمة ) أي إماما يقتدى به في الاستقامة والميل عن الشرك ، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام لذو شأن عظيم ومنزلة رفيعة قد خصّه الله بها لما تجلّى في شخصه المميز من ورعة الإخلاص والتقوى وسمو الطاعة والخشوع والإخبات لله بما يعز على الهمم وطاقات البشر أن تبلغ مثله وحسب إبراهيم الخليل أن تصدع له الشهادة من السماء بالإمامية والقنوت والحنيفية والإخلاص : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ) وقوله : ( خليلا ) من الخلّة وهي الصداقة ولا تكون إلا بين الآدميين . لكنها في حق العبد مع الله تعني أرفع الدرجات أو أعلى مراتب القربة .
وقيل : الخليل من التخلّل أي أن محبّته تتخلل القلب فلا يبقى منه مكان إلا وقد ملأته هذه المحبة ، فالمقصود أنه عند الله مقرّب ومحبوب ، وقيل غير ذلك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.