الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ} (11)

{ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } وذلك أن الله تعالى أمنهم أمنا غشيهم النعاس معه وهذا كما كان يوم أحد وقد ذكرنا ذلك في سورة آل عمران { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } وذلك أنهم لما بايتوا المشركين ببدر أصابت جماعة منهم جنابات وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء فوسوس إليهم الشيطان وقال لهم كيف ترجون الظفر وقد غلبوكم على الماء وأنتم تصلون مجنبين ومحدثين وتزعمون أنكم أولياء الله وفيكم نبيه فأنزل الله تعالى مطرا سال منه الوادي حتى اغتسلوا وزالت الوسوسة فذلك قوله { ليطهركم به } أي من الأحداث والجنابات { ويذهب عنكم رجز الشيطان } وسوسته التي تكسب عذاب الله { وليربط } به { على قلوبكم } باليقين والنصر { ويثبت به الأقدام } وذلك أنهم كانوا قد نزلوا على كثيب تغوص فيه أرجلهم فلبده المطر حتى ثبتت عليه الأقدام

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ} (11)

ولما ذكر البشرى والطمأنينة بالإمداد ، ناسب أن يذكر لهم أنه أتبع القول الفعل فألقى في قلوبهم بعزته وحكمته الطمأنينة والأمن والسكينة بدليل النعاس الذي غشيهم في موضع هو أبعد الأشياء عنه{[34639]} وهو موطن الجلاد ومصاولة الأنداد والتيقظ لمخاتلة أهل العناد ، وكذا المطر وأثره ، فقال مبدلاً أيضاً من { إذ يعدكم } أو{[34640]} معلقاً بالنصر أو بما في الظرف من رائحة الفعل مصوراً لعزته وحكمته : { إذ يغشاكم } بفتح حرف المضارعة في قراءة ابن كثير وأبي عمرو فالفاعل { النعاس } وضم الباقون الياء ، وأسكن نافع الغين وفتحها الباقون وشددوا الشين المكسورة ، فالفاعل في القراءة الأولى مفعول هنا ، والفاعل ضمير يعود على الله ، ولما ذكر هذه التغشية الغريبة الخارقة للعوائد ، ذكر ما فعلت لأجله فقال : { أمنة } ولما كان ذلك خارقاً للعادة ، جاء الوصف بقوله : { منه } أي بحكمته لأنه لا{[34641]} ينام في مثل تلك الحال إلا الآمن ، ويمنع عنكم العدو وأنتم نائمون بعزته ، ولم يختلف فاعل ، الفعل المعلل في القراءات الثلاث لأن كون النعاس فاعلاً مجاز ، ويصح عندي نصبها{[34642]} على الحال .

ولما كان النعاس آية الموت ، ذكر بعده آية الحياة فقال : { وينزل عليكم } وحقق كونه مطراً بقوله{[34643]} : { من السماء ماء } ووقع في البيضاوي وأصله وكذا تفسير أبي حيان أن المشركين سبقوا إلى الماء وغلبوا عليه ، وليس كذلك بل الذي سبق إلى بدر وغلب على مائها المؤمنون كما ثبت في صحيح مسلم وغيره ، فيكون شرح القصة أنهم مطروا في المنزل الذي ساروا منه إلى بدر فحصل للمسلمين منه ما ملؤوا منه أسقيتهم فتطهروا{[34644]} من حدث أو جنابة ولبد لهم الرمل وسهل عليهم المسير ، وأصاب المشركين ما زلق{[34645]} أرضهم حتى منعهم المسير ، فكان ذلك سبباً لسبق المسلمين لهم إلى المنزل وتمكينهم من بناء الحياض وتغوير{[34646]} ما وراء الماء الذي نزلوا عليه من القلب كما هو مشهور في السير ، ويكون رجز الشيطان وسوسته لهم بالقلة والضعف والتخويف بكثرة العدو ، والربط على القلوب طمأنينتهم وطيب نفوسهم بما أراهم من الكرامة كما يوضح ذلك جميعه قول ابن هشام { وينزل عليكم من السماء } ماء للمطر الذي أصابهم{[34647]} تلك الليلة ، فحبس{[34648]} المشركين أن يسبقوا إلى الماء وخلى سبيل المؤمنين إليه { ليطهركم به } أي من كل درن ، وابتدأ من فوائد الماء بالتطهير لأنه المقرب من صفات الملائكة المقربين من حضرات القدس وعطف عليه - بقوله{[34649]} : { ويذهب عنكم } أي لا عن غيركم { رجز الشيطان } بغير لام{[34650]} ما هو{[34651]} لازم له ، وهو البعد الذي كان مع الحدث الذي منه الجنابة المقربة من الخبائث الشيطانية بضيق الصدر والشك والخوف لإبعادها من الحضرات الملائكة " لا تدخل الملائكة{[34652]} بيتاً فيه جنب " والرجز يطلق على القذر وعبادة الأوثان والعذاب والشرك ، فقد كان الشيطان وسوس لهم ، ولا شك أن وسوسته من أعظم القذر{[34653]} فإنها تجر من تمادى معها إلى كل ما ذكر ؛ ثم عطف عليه ما تهيأ له القلب من الحكم الإلهية وهو إفراغ السكينة فقال : { وليربط } أي بالصبر واليقين .

ولما كان ذلك ربطاً محكماً غالباً عالياً ، عبر فيه بأداة الاستعلاء فقال : { على قلوبكم } أي بعد إسكانها الوثوق بلطفه عند كل ملمة{[34654]} حتى امتلأت من كل{[34655]} خير وثبت فيها بالربط{[34656]} ، فشبهها بجراب{[34657]} ملىء شيئاً ثم ربط رأسه حتى لا يخرج من ذلك الذي فيه شيء ، وأعاد اللام إشارة إلى أنه المقصد الأعظم وما قبله وسيلة إليه وعطف عليه بغير لام لازمه من{[34658]} التثبيت فقال : { ويثبت به } أي بالربط بالمطر { الأقدام* } أي لعدم الخوف فإن الخائف لا تثبت قدمه في المكان الذي{[34659]} يقف به ، بل تصير رجله تنتقل من غير اختياره أو بتلبيد الرمل .


[34639]:من ظ، وفي الأصل: عندهم.
[34640]:في ط "و".
[34641]:زيد من ظ.
[34642]:من ظ، وفي الأصل: نصبه با ـ كذا.
[34643]:زيد من ظ.
[34644]:من ظ، وفي الأصل: فيطهروا.
[34645]:في ظ: لزم.
[34646]:من ظ، وفي الأصل: تقدير.
[34647]:من سيرة ابن هشام 2/35، وفي الأصل: اصابتم، وفي ظ: اصابكم.
[34648]:في ظ: فحبسوا.
[34649]:في ظ: قوله.
[34650]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[34651]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[34652]:سقط من ظ.
[34653]:من ظ، وفي الأصل: القذرة.
[34654]:في ظ: ملم.
[34655]:من ظ، وفي الأصل: ذلك.
[34656]:في ظ: الربط.
[34657]:في الأصل: بجرار، وفي ظ: بجرابه ـ كذا.
[34658]:من ظ، وفي الأصل: في
[34659]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ} (11)

قوله تعالى : { إذ يغشيكم النعاس أمنة وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام 11 إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان 12 ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب 13 ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار } النعاس مفعول به ثان . أمنة منصوب على أنه مفعول لأجله{[1629]} .

يذكر الله المؤمنين بما أنعم به عليهم من إلقاء النعاس عليهم ليأمنوا ، وليجدوا في أنفسهم الراحة والسكينة مما أصابهم من خوف لما رأوه من كثرة عدوهم وقلة عددهم ، فغشاهم النعاس ، أي ألقوه عليهم { أمنة } ليكون لهم من الله أمانا فيرقدون ساكنين مطمئنين وقد ذهب عنهم الخوف من عدوهم . مع أنه النعاس إنما يغشى الآمن الذي لا يخاف ، لكن ذلك قد حصل للمؤمنين في الليلة التي كان القتال من غدها فكان النوم في مثل هذه الساعات المخوفة الحرجة أمرا عجيبا . ولكن الله الذي سلم وكتب للمؤمنين النصر هو الذي ربط جأشهم وامتن عليهم بالصبر واشتداد العزم ، فوق ما غشيهم من النعاس ليأمنوا . وفي هذا أخرج الحافظ أو يعلي عن علي رضي الله عنه قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح .

قوله : { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام } أنزل المطر على المسلمين يوم بدر ليتطهروا من حدث الجنابة أو دونها . فلما أصابهم الغيث من السماء اغتسلوا وتطهروا بعد أن كان الشيطان قد وسوس لهم بما يحزنهم أو يثير في نفوسهم القلق والتوجس ، مما حاق بهم من الحرج وشدة العطاش وقلة العدد والعدة واستئثار المشركين بالماء دون المسلمين . لذلك قد ربط الله على قلوبهم بالأمن والتثبيت ؛ إذ أنزل عليهم المطر من السماء ليشربوا ويتطهروا وليمحق الله من نفوسهم { رجز الشيطان } وهي وسوسته{[1630]} ، وكذلك ليربط على قلوبهم فينشر فيها الطمأنينة والثبات .

قوله : { ويثبت به الأقدام } كان بينهم وبين عدوهم رملة لا يمشون عليها ولا تجوزها دوابهم إلا بجهد ومشقة ؛ إذ كانت تسوخ فيها الأرجل والأقدام ، ولما أنزل الله لهم المطر اشتدت لهم الأرض وتلبدت ، فباتت صلبة متماسكة ، فمشى عليها الناس والدواب من غير مشقة ولا حرج مما زادهم أمنا وتثبيتا ، وأمدهم بقوة مستجدة من الصبر ورباطة الجأش وشدة العزم على ملاقاة العدو .


[1629]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 358.
[1630]:المهج الوسيط ج، 1 ص 330.