{ أم حسبتم } أيها المنافقون { أن تتركوا } على ما أنتم عليه من التلبيس وكتمان النفاق { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } بنية صادقة يعني العلم الذي يتعلق بهم بعد الجهاد وذلك أنه لما فرض القتال تبين المنافق من غيره ومن يوالي المؤمنين ممن يوالي أعداءهم { ولم يتخذوا } أي ولما يعلم الله الذين لم يتخذوا { من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } أولياء ودخلا
ولما كان التقدير - لما أرشد إليه تقاعدهم عن القتال وإدخال " أم{[35757]} " المرشد إلى أن مدخوله وسط الكلام فإن الابتداء له الألف وحدها : وهل حسبتم أنه تعالى لا يعلم ذلك أو لا يقدر على نصركم ؟ بنى عليه قوله موبخاً لمن تثاقل عن ذلك بنوع تثاقل : { أم حسبتم } أي لنقص في العقل{[35758]} أنه يبني الأمر فيه على غير الحكمة ، وذلك هو المراد بقوله : { أن تتركوا } أي قارين على ما أنتم عليه من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن من المنافق { ولما } عبر بها لدلالتها - مع استغراق الزمان الماضي - على أن يتبين ما بعدها متوقع كائن{[35759]} { يعلم الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { الذين جاهدوا منكم } أي علماً ظاهراً تقوم به الحجة عليكم في مجاري عاداتكم على مقتضى عقولكم بأن يقع الجهاد في الواقع بالفعل .
ولما كان المعنى : جاهدوا مخلصين{[35760]} ، ترجمه وبسطه بقوله { ولم } أي ولما{[35761]} يعلم الذين لم { يتخذوا } ويجوز أن يكون حالاً ، {[35762]}ودل{[35763]} على تراخي الرتب عن مكانته سبحانه بقوله : { من دون الله } أي الذي لا يعدل عنه ويرغب في غيره من له أدنى بصيرة - كما دل عليه الافتعال - لأنه المنفرد بالكمال ، وأكد النفي بتكرير { لا } فقال : { ولا رسوله } أي الذي هو خلاصة خلقه { ولا المؤمنين } أي الذين{[35764]} اصطفاهم من عباده { وليجة } أي بطانة تباطنونها وتسكنون إليها فتلج أسراركم إليها وأسرارها إليكم ، فإن الوليجة كل شيء أدخلته{[35765]} في شيء ليس منه ، والرجل يكون في قوم وليس منهم وليجة ، فوليجة الرجل من يختصه بدخيلة{[35766]} أمره دون الناس ، يقال : هو وليجتي{[35767]} وهم وليجتي - للواحد والجمع - نقل ذلك البغوي عن أبي عبيدة{[35768]} ، و{[35769]} قال ابن هشام وليجة{[35770]} : دخيلاً وجمعها ولائج ، يقول : لم يتخذوا دخيلاً{[35771]} من دونه يسرون{[35772]} إليه غير ما يظهرون{[35773]} نحو ما يصنع المنافقون ، {[35774]}يظهرون الإيمان للذين آمنوا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم .
والحاصل أنه لا يكون الترك بدون علم الأمرين حاصلين ، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم ، فالمعنى : ولما يكن مجاهدون مخلصون .
ولما كان ظاهر ذلك مظنة أن يتمسك به من لم يرسخ قدمه في المعارف ، ختم بقوله : { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { خبير بما تعملون* } أي سواء برز إلى الخارج أو لا .
قوله تعالى : { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعلمون } أم منقطعة بمعنى بل وهو حرف إضراب لأجل الانتقال من كلام إلى كلام آخر . والهمزة للاستفهام والتوبيخ ، على وجود الحسبان . والمعنى : أنكم لا تتركون على ما انتم عليه حتى يستبين المخلصون منكم وهم الأتقياء الذين أخلصوا دينهم لله وحده والذين جاهدوا في سبيله ، ومن اجل مرضاته ولم يتخذوا من دون الله ورسوله ولا من دون المؤمنين { وليجة } من الولوج . فالداخل الذي يكون في القوم وليس منه فهو وليجة . فالوليجة فعلية من ولج كالدخيلة من دخل{[1736]} .
والمراد بها هنا البطانة من المشركين ؛ أي كيف تتخذون أنفسكم بطانة من هؤلاء الكافرين الماكرين الذين يتربصون بكم الدوائر ويودون لو يقض عليكم فتبيدوا ؟ ! فغنه لا يفعل ذلك إلا كل مغفل مغرور أو منافق مرتاب يروق له من الخلة مصاحبة المشركين فيبوح لهم بما لديه من أسرار المسلمين . والله سبحانه مطلع على الخفايا ، عالم بنيات هؤلاء القوم وأعمالهم لا يخفى عليه من شيء وهو قوله : { والله خبير بما تعملون } {[1737]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.