الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ} (3)

{ لاهية } غافلة { قلوبهم وأسروا النجوى } قالوا سرا فيما بينهم { الذين ظلموا } أشركوا وهو أنهم قالوا { هل هذا } يعنون محمدا { إلا بشر مثلكم } لحم ودم { أفتأتون السحر } يريدون ان القرآن سحر { وأنتم تبصرون } أنه سحر

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ} (3)

قوله تعالى : " لاهية قلوبهم " أي ساهية قلوبهم ، معرضة عن ذكر الله ، متشاغلة عن التأمل والتفهم ، من قول العرب : لهيت عن ذكر الشيء إذا تركته وسلوت عنه ألهى لهيا ولهيانا . و " لاهية " نعت تقدم الاسم ، ومن حق النعت أن يتبع المنعوت في جميع الإعراب ، فإذا تقدم النعت الاسم انتصب كقوله : " خاشعة أبصارهم " {[11217]} [ القلم : 43 ] و " ودانية عليهم ظلالها " {[11218]} [ الإنسان : 14 ] و " لاهية قلوبهم " قال الشاعر :

لِعَزَّةَ مُوحِشاً طَلَلٌ *** يلُوحُ{[11219]} كأنه خَلَلُ

أراد : طلل موحش . وأجاز الكسائي والفراء " لاهية قلوبهم " بالرفع بمعنى قلوبهم لاهية . وأجاز غيرهما الرفع على أن يكون خبرا بعد خبر وعلى إضمار مبتدأ . وقال الكسائي : ويجوز أن يكون المعنى ، إلا استمعوه لاهية قلوبهم . " وأسروا النجوى الذين ظلموا " أي تناجوا فيما بينهم بالتكذيب ، ثم بين من هم فقال : " الذين ظلموا " أي الذي أشركوا ، ف " الذين ظلموا " بدل من الواو في " أسروا " وهو عائد على الناس المتقدم ذكرهم ، ولا يوقف على هذا القول على " النجوى " . قال المبرد : وهو كقولك : إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله فبنو بدل من الواو في انطلقوا . وقيل : هو رفع على الذم ، أي هم الذين ظلموا . وقيل : على حذف القول ، التقدير : يقول الذين ظلموا وحذف القول ، مثل " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم " [ الرعد : 23 - 24 ] . واختار هذا القول النحاس ، قال : والدليل على صحة هذا الجواب أن بعده " هل هذا إلا بشر مثلكم " [ الأنبياء : 3 ] . وقول رابع : يكون منصوبا بمعنى أعني الذين ظلموا . وأجاز الفراء أن يكون خفضا بمعنى اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم ، ولا يوقف على هذا الوجه على " النجوى " ويوقف على الوجه المتقدمة الثلاثة قبله ، فهذه خمسة أقوال . وأجاز الأخفش الرفع على لغة من قال : أكلوني البراغيث ؛ وهو حسن ، قال الله تعالى : " ثم عموا وصموا كثير منهم " {[11220]} [ المائدة : 71 ] . وقال الشاعر :

بِكَ نالَ النِّضَالُ دُونَ المَسَاعِي *** فاهْتَدَيْنَ النِّبَالُ للأغراضِ

وقال آخر{[11221]} :

ولكن دِيافِيٌّ أبوهُ وأمهُ *** بِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقَارِبُهْ

وقال الكسائي : فيه تقديم وتأخير ، مجازه : والذين ظلموا أسروا النجوى . أبو عبيدة : " أسروا " هنا من الأضداد ، فيحتمل أن يكونوا أخفوا كلامهم ، ويحتمل أن يكونوا أظهروه وأعلنوه .

قوله تعالى : " هل هذا إلا بشر مثلكم " أي تناجوا بينهم وقالوا : هل هذا الذكر الذي هو الرسول ، أو هل هذا الذي يدعوكم إلا بشر مثلكم ، لا يتميز عنكم بشيء ، يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق كما تفعلون . وما علموا أن الله عز وجل أنه لا يجوز أن يرسل إليهم إلا بشرا ليتفهموا ويعلمهم . " أفتأتون السحر " أي إن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سحر ، فكيف تجيئون إليه وتتبعونه ؟ فأطلع الله نبيه عليه السلام على ما تناجوا به . و " السحر " في اللغة كل مموه لا حقيقة له ولا صحة . " وأنتم تبصرون " أنه إنسان مثلكم مثل : " وأنتم تعقلون " لأن العقل البصر بالأشياء . وقيل : المعنى ؛ أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر . وقيل : المعني ، أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعرفون الحق ، ومعنى الكلام التوبيخ .


[11217]:راجع جـ 18 ص 255 فما بعد وص 297.
[11218]:راجع جـ 19 ص 136.
[11219]:هو كثير عزة، أي تلوح آثاره وتنبين تبين الوشي في خلل السيوف، وهي أغشية الأغماد، واحدتها خلة.
[11220]:راجع جـ 6 ص 247.
[11221]:هو الفرزدق يهجو عمرو بن عفراء. ودياف: موضع بالجزيرة، وهم نبط الشام. والسليط: الزيت.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ} (3)

( لاهية قلوبهم ) أي يستمعون وقلوبهم ذاهلة عنه ، مشغولة بزينة الحياة الدنيا وزهرتها الفانية الغرورة .

هكذا البشرية في غالبها ، لاهية تمام اللهو عن تدبر هذا الكتاب المعجز الحكيم . غافلة تمام الغفلة عن وعيه وإدراك ما حواه من جليل القيم والمبادئ وقواعد الحق والعدل ، وحميد الخصال والخلال . والقرآن بسوره المختلفة ، وآياته المثيرة ، وأسلوبه المذهب ، وروعته التي ملكت القلوب والألباب . هذا القرآن بكل ظواهره من الكمال والجمال ، يتلى في غالب الآناء ومختلف المجالات والأحوال ، لكن الناس يستمعون إليهم وهم غافلون لاهون ، مشدودون للدنيا وما حوته من إغراءات وشهوات وفتن .

قوله : ( وأسروا النجوى الذين ظلموا ) ( الذين ) ، في موضع رفع على البدل من واو الجماعة في قوله : ( وأسروا ) وقيل : خبر لمبتدأ محذوف وتقديره : هم الذين ظلموا . وقيل : فاعل أسروا . وذلك على لغة من قال : أكلوني البراغيث : وقيل : في موضع جر على أنه نعت للناس{[3016]} والمعنى : أن الذين ظلموا وهم المشركون- تناجوا فيما بينهم بالتكذيب قائلين خفية : ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) يعنون بهذا رسول الله ( ص ) ؛ أي هل هذا الذي يدعوكم إلى دينه ورسالته التي جاء بها إلا بشر مثلكم لا يتميز عنكم بشيء . فهو يفعل ما تفعلون ، إذا يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق .

قوله : ( أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ) قالوا على سبيل الإنكار التوبيخي : أتجيئون إلى محمد وتتبعونه وأنتم تعلمون أن ما جاء به سحر ، أو تتبعونه وأنتم تعلمون أنه إنسان مثلكم{[3017]} .


[3016]:- البيان لابن الأنباري جـ 2، ص 158.
[3017]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 173، وتفسير النسفي جـ3 ص 72.