الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (12)

{ قل لمن ما في السماوات والأرض } فإن أجابوك وإلا { قل لله كتب على نفسه الرحمة } أوجب على نفسه الرحمة وهذا تلطف في الاستدعاء إلى الانابة { ليجمعنكم } أي والله ليجمعنكم { إلى يوم القيامة } أي ليضمنكم إلى هذا اليوم الذي أنكرتموه وليجمعن بينكم وبينه ثم ابتدأ فقال { الذين خسروا أنفسهم } أهلكوها بالشرك { فهم لا يؤمنون }

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (12)

قوله تعالى : " قل لمن ما في السماوات والأرض " هذا أيضا{[6258]} احتجاج عليهم . المعنى قل لهم يا محمد : " لمن في السماوات والأرض " فإن قالوا لمن هو ؟ فقل هو " لله " المعنى : إذا ثبت أن له ما في السماوات والأرض وأنه خالق الكل إما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم ، فالله قادر على أن يعاجلهم بالعقاب ويبعثهم بعد الموت ، ولكنه " كتب على نفسه الرحمة " أي وعد بها فضلا منه وكرما فلذلك أمهل وذكر النفس هنا عبارة عن وجود وتأكيد وعده ، وارتفاع الوسائط دونه . ومعنى الكلام الاستعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه ، وإخبار منه سبحانه بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ، ويقبل منهم الإنابة والتوبة . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسوله الله صلى الله عليه وسلم : ( لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي ) أي لما أظهر قضاءه وأبرزه لمن شاء أظهر كتابا في اللوح المحفوظ أو فيما شاءه مقتضاه خبر حق ووعد صدق " إن رحمتي تغلب غضبي " أي تسبقه وتزيد عليه .

قوله تعالى : " ليجمعنكم " اللام لام القسم ، والنون نون التأكيد . وقال الفراء وغيره : يجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله : " الرحمة " ويكون ما بعده مستأنفا على جهة التبيين ، فيكون معنى " ليجمعنكم " ليمهلنكم وليؤخرن جمعكم . وقيل : المعنى ليجمعنكم أي في القبور إلى اليوم الذي أنكرتموه . وقيل : ( إلى ) بمعنى في ، أي : ليجمعنكم في يوم القيامة . وقيل : يجوز أن يكون موضع " ليجمعنكم " نصبا على البدل من الرحمة ؛ فتكون اللام بمعنى ( أن ) المعنى : كتب ربكم على نفسه ليجمعنكم ، أي أن يجمعكم ، وكذلك قال كثير من النحويين في قوله تعالى : " ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه{[6259]} " [ يوسف : 35 ] أي أن يسجنوه . وقيل : موضعه نصب ( بكتب ) ، كما تكون ( أن ) في قوله عز وجل " كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة " [ الأنعام : 54 ] وذلك أنه مفسر للرحمة بالإمهال إلى يوم القيامة . عن الزجاج . " لا ريب فيه " لا شك فيه . " الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون " ابتداء وخبر ، قاله الزجاج . وهو أجود ما قيل فيه . تقول : الذي يكرمني فله درهم ، فالفاء تتضمن معنى الشرط والجزاء . وقال الأخفش : إن شئت كان ( الذين ) في موضع نصب على البدل من الكاف والميم في ( ليجمعنكم ) أي ليجمعن المشركين الذين خسروا أنفسهم ؛ وأنكروه المبرد وزعم أنه خطأ ؛ لأنه لا يبدل من المخاطب ولا من المخاطب ، لا يقال : مررت بك زيد ولا مررت بي زيد لأن هذا لا يشكل فيبين . قال القتبي : يجوز أن يكون ( الذين ) جزاء على البدل من ( المكذبين ) الذين تقدم ذكرهم . أو على النعت لهم . وقيل : ( الذين ) نداء مفرد .


[6258]:في ك.
[6259]:راجع ج 9 ص 186.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (12)

قوله تعالى : { قل لمن ما في السموت والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيمة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } أي قل لهم يا محمد على سبيل التقريع والتوبيخ { لمن ما في السموات والأرض } أي لمن الكائنات جميعا ؟ من خالقها ومالكها والمتصرف فيها ؟ { قل لله } فقد أمر الله بالسؤال أولا ثم بالجواب عن السؤال ثانيا . وهو أن كل شيء في السموات والأرض مملوك لله . وأن ما من شيء إلا وهو من مخاليق الله سواء كان ذلك باعترافهم أو قيام الحجة عليهم .

قوله : { كتب على نفسه الرحمة } أي أوجبها على ذاته المقدسة بطريق التفضل والإحسان من غير وسائط . وقيل : وعد بها ( الرحمة ) فضلا منه وكرما : وقيل : قضى أنه بعباده رحيم لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة . وهذا من الله استعطاف للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة . وقيل : تأويله فيما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما قضى الله تعالى الخلق كتب كتابا فوضعه عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي " .

قوله : { ليجمعنكم إلى يوم القيمة لا ريب فيه } اللام لام القسم ، والنون نون التوكيد . وجملة { ليجمعنكم } مستأنفة على جهة التبيين فيكون تمام الكلام عند قوله : { الرحمة } فيكون المعنى : ليمهلنكم وليؤخرن جمعكم { إلى يوم القيمة } وقيل : ليجمعنكم في القبور إلى اليوم الذي أنكرتموه . وقيل : { إلى } بمعنى ( في ) أي ليجعلنكم في يوم القيامة . وهذا اليوم الموعود والذي توعد الله فيه الظالمين والمعرضين والمستكبرين ، واقع لا محالة وهو يوم لا شك فيه . قوله : { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } اسم الموصول { الذين } إعرابه ثلاثة وجوه : الأول : الرفع على أنه مبتدأ ، وخبره { فهم لا يؤمنون } ودخلت الفاء في خبر الموصول . وهي تتضمن معنى الشرط والجزاء .

والثاني : النصب على البدل من الكاف والميم في قوله : { ليجمعنكم } .

والثالث : النصب على الذم{[1126]} .

قل الزمخشري في الكشاف في المقصود بالآية : الذين خسروا أنفسهم في علم الله تعالى ، لاختيارهم الكفر فهم لا يؤمنون . أي أن الذين حكم الله تعالى بخسرانهم لاختيارهم الكفر لا يؤمنون . والحكم بالخسران سابق على عدم الإيمان ، لأنه مقارن للعلم باختيارهم للكفر{[1127]} .


[1126]:- البيان لابن الأنباري ج 1 ص 314.
[1127]:- الكشاف ج 2 ص 8 وروح المعاني ج 7 ص 106 وتفسير القرطبي ج 6 ص 395- 396.