اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{أَمۡوَٰتٌ غَيۡرُ أَحۡيَآءٖۖ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ} (21)

قوله " أمْوات " يجوز أن يكون خبراً ثانياً ، أي : وهم يخلقون وهم أمواتٌ ، ويجوز أن يكون " يُخْلَقُونَ " ، و " أمْواتٌ " كلاهما خبر من باب : هذا حُلْوٌ حَامِضٌ ذكره أبو البقاء رحمه الله تعالى ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر ، أي : هم أمواتٌ .

قوله : { غَيْرُ أَحْيَاءٍ } يجوز فيه ما تقدم ويكون تأكيداً .

وقال أبو البقاء{[19766]} : ويجوز أن يكون قصد بها أنهم في الحال غير أحياء ؛ ليدفع به توهُّم أنَّ قوله تعالى : { أَمْوَاتٌ } فيما بعد ، إذ قال تعالى : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ } [ الزمر : 30 ] .

قال شهابُ الدِّين{[19767]} : " وهذا لا يخرجه عن التأكيد الذي ذكره قبل ذلك " .

فصل في وصف الأصنام

اعلم أنه - تعالى - وصف الأصنام بصفات :

أولها : أنها لا تخلق شيئاً .

وثانيها : أنها مخلوقة .

وثالثها : أنهم أموات غير أحياءٍ ، أي : أنها لو كانت آلهة حقيقية ؛ لكانت أحياء غير أموات ، أي : لا يجوز عليها الموت ، كالحيِّ الذي لا يموت - سبحانه - وهذه الأصنام بالعكسِ .

فإن قيل : لما قال " أمْواتٌ " علم أنَّها " غَيْرُ أحياءٍ " ، فما فائدة قوله تعالى : { غَيْرُ أحْيَاءٍ } ؟ .

والجواب : أنَّ الإله هو الحيُّ الذي لا يحصل عقيب حياته موتٌ ، وهذه الأصنام أموات لا يحصل عقيب موتها حياة ، وأيضاً : فهذا الكلام مع عبدة الأوثان ، وهم في نهاية الجهالة ، ومن تكلَّم مع الجاهل الغرِّ الغبي ، فقد يعبر عن المعنى الواحد ، بعباراتٍ كثيرة ، وغرضه الإعلام بأنَّ ذلك المخاطب في غاية الغباوة ، وإنما يعيد تلك الكلمات ؛ لأنَّ ذلك السامع في نهاية الجهالة ، وأنه لا يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة .

ورابعها : قوله : { وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } والضمير في قوله : " يَشْعرُونَ " عائد على الأصنام ، وفي الضمير في قوله : " يُبْعَثُونَ " قولان :

أحدهما : أنه عائد إلى العابد للأصنام ، أي : ما يدري الكفار عبدةُ الأصنام متى يبعثون .

الثاني : أنه يعود إلى الأصنام ، أي : الأصنام لا يشعرون متى يبعثها الله تعالى .

قال ابن عباس - رضي الله عنه : إنَّ الله - تعالى - يبعث الأصنام لها أرواحٌ ، ومعها شياطينها ، فتتبرَّأ من عابديها ، فيؤمرُ بالكلِّ إلى النَّارِ{[19768]} .

فصل هل توصف الأصنام بموت أو حياة

الأصنام جمادات ، والجمادات لا توصف بأنها أمواتٌ ، ولا توصف بأنها لا تشعر بكذا وكذا .

فالجواب من وجوه :

الأول : أنَّ الجماد قد يوصف بكونه ميتاً ؛ قال تعالى : { يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت } [ الأنعام : 95 ] .

الثاني : أنهم لما وصفوا بالإلهيَّة قيل لهم : ليس الأمر كذلك ؛ بل هي أمواتٌ ، لا يعرفون شيئاً ، فخوطبوا على وفق معتقدهم .

الثالث : أنَّ المراد بقوله تعالى : { والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله } [ الملائكة ]{[19769]} وكان أناسٌ من الكفَّار يعبدونهم ؛ فقال الله تعالى : إنهم " أمْواتٌ " أي : لابدَّ لهم من الموت " غَيْرُ أحْيَاءٍ " أي : غير باقيةٍ حياتهم ، { وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } أي لا علم لهم بوقت بعثهم . انتهى .

قوله تعالى : " أيَّانَ " منصوب بما بعده لا بما قبله ؛ لأنَّه استفهام ، وهو معلق ل " مَا يَشْعرُونَ " فجملته في محل نصب على إسقاطِ الخافض ، هذا هو الظاهر .


[19766]:ينظر: الإملاء 2/79.
[19767]:ينظر: الدر المصون 4/319.
[19768]:ذكره الرازي في "تفسيره" (20/14) عن ابن عباس.
[19769]:سقط من : أ.