مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} (18)

ثم قال تعالى : { وجاءوا على قميصه بدم كذب } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : إنما جاؤا بهذا القميص الملطخ بالدم ليوهم كونهم صادقين في مقالتهم . قيل : ذبحوا جديا ولطخوا ذلك القميص بدمه . قال القاضي : ولعل غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في غيابة الجب أن يفعلوا هذا توكيدا لصدقهم ، لأنه يبعد أن يفعلوا ذلك طمعا في نفس القميص ولا بد في المعصية من أن يقرن بهذا الخذلان ، فلو خرقوه مع لطخه بالدم لكان الإيهام أقوى ، فلما شاهد يعقوب القميص صحيحا علم كذبهم .

المسألة الثانية : قوله : { وجاءوا على قميصه } أي وجاءوا فوق قميصه بدم كما يقال : جاءوا على جمالهم بأحمال .

المسألة الثالثة : قال أصحاب العربية وهم الفراء والمبرد والزجاج وابن الأنباري { بدم كذب } أي مكذوب فيه ، إلا أنه وصف بالمصدر على تقدير دم ذي كذب ولكنه جعل نفسه كذبا للمبالغة قالوا : والمفعول والفاعل يسميان بالمصدر كما يقال : ماء سكب ، أي مسكوب ودرهم ضرب الأمير وثوب نسج اليمن ، والفاعل كقوله : { إن أصبح ماؤكم غورا } ورجل عدل وصوم ، ونساء نوح ولما سميا بالمصدر سمي المصدر أيضا بهما فقالوا : للعقل المعقول ، وللجلد المجلود ، ومنه قوله تعالى { بأيكم المفتون } وقوله : { إذا مزقتم كل ممزق } قال الشعبي : قصة يوسف كلها في قميصه ، وذلك لأنهم لما ألقوه في الجب نزعوا قميصه ولطخوه بالدم وعرضوه على أبيه ، ولما شهد الشاهد قال : { إن كان قميصه قد من قبل } ولما أتي بقميصه إلى يعقوب عليه السلام فألقى على وجهه ارتد بصيرا ، ثم ذكر تعالى أن أخوة يوسف لما ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص الملطخ بالدم قال يعقوب عليه السلام : { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } .

قال ابن عباس : معناه : بل زينت لكم أنفسكم أمرا . والتسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه قال الأزهري : كأن التسويل تفعيل من سؤال الإنسان ، وهو أمنيته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره . وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز وقال صاحب «الكشاف » : { سولت } سهلت من السول وهو الاسترخاء .

إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { بل } رد لقولهم : { أكله الذئب } كأنه قال : ليس كما تقولون : { بل سولت لكم أنفسكم } في شأنه { أمرا } أي زينت لكم أنفسكم أمرا غير ما تصفون ، واختلفوا في السبب الذي به عرف كونهم كاذبين على وجوه : لأول : أنه عرف ذلك بسبب أنه كان يعرف الحسد الشديد في قلوبهم . والثاني : أنه كان عالما بأنه حي لأنه عليه الصلاة والسلام قال ليوسف : { وكذلك يجتبيك ربك } وذلك دليل قاطع على أنهم كاذبون في ذلك .

القول الثالث : قال سعيد بن جبير : لما جاءوا على قميصه بدم كذب ، وما كان متخرقا ، قال كذبتم لو أكله الذئب لخرق قميصه ، وعن السدي أنه قال : إن يعقوب عليه السلام قال : إن هذا الذئب كان رحيما ، فكيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه ؟ وقيل : إنه عليه السلام لما قال ذلك قال بعضهم : بل قتله اللصوص ، فقال كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منه إلى قتله ؟ فلما اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم . ثم قال يعقوب عليه السلام : { فصبر جميل } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : منهم من قال : إنه مرفوع بالابتداء ، وخبره محذوف ، والتقدير : فصبر جميل أولى من الجزع ، ومنهم من أضمر المبتدأ قال الخليل : الذي أفعله صبر جميل . وقال قطرب : معناه : فصبري صبر جميل . وقال الفراء : فهو صبر جميل .

المسألة الثانية : كان يعقوب عليه السلام قد سقط حاجباه وكان يرفعهما بخرقة ، فقيل له : ما هذا ؟ فقال طول الزمان وكثرة الأحزان : فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني ؟ فقال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي . وروي عن عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك أنها قالت : والله لئن حلفت لا تصدقوني وإن اعتذرت لا تعذروني ، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } فأنزل الله عز وجل في عذرها ما أنزل .

المسألة الثالثة : عن الحسن أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله : { فصبر جميل } فقال : «صبر لا شكوى فيه فمن بث لم يصبر » ويدل عليه من القرآن قوله تعالى : { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله } وقال مجاهد : فصبر جميل ، أي من غير جزع ، وقال الثوري : من الصبر أن لا تحدث بوجعك ولا بمصيبتك ، ولا تزكي نفسك ، وههنا بحث وهو أن الصبر على قضاء الله تعالى واجب فأما الصبر على ظلم الظالمين ، ومكر الماكرين فغير واجب ، بل الواجب إزالته لا سيما في الضرر العائد إلى الغير ، وههنا أن إخوة يوسف لما ظهر كذبهم وخيانتهم فلم صبر يعقوب على ذلك ؟ ولم لم يبالغ في التفتيش والبحث سعيا منه في تخليص يوسف عليه السلام عن البلية والشدة إن كان في الأحياء وفي إقامة القصاص إن صح أنهم قتلوه ، فثبت أن الصبر في المقام مذموم .

ومما يقوي هذا السؤال أنه عليه الصلاة والسلام كان عالما بأنه حي سليم لأنه قال له : { وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث } والظاهر أنه إنما قال هذا الكلام من الوحي وإذا كان عالما بأنه حي سليم فكان من الواجب أن يسعى في طلبه ، وأيضا إن يعقوب عليه السلام كان رجلا عظيم القدر في نفسه ، وكان من بيت عظيم شريف ، وأهل العلم كانوا يعرفونه ويعتقدون فيه ويعظمونه فلو بالغ في الطلب والتفحص لظهر ذلك واشتهر ولزال وجه التلبيس . فما السبب في أنه عليه السلام مع شدة رغبته في حضور يوسف عليه السلام ، ونهاية حبه له لم يطلبه مع أن طلبه كان من الواجبات ، فثبت أن هذا الصبر في هذا المقام مذموم عقلا وشرعا .

والجواب عنه : أن نقول لا جواب عنه إلا أن يقال إنه سبحانه وتعالى منعه عن الطلب تشديدا للمحنة عليه ، وتغليظا للأمر عليه ، وأيضا لعله عرف بقرائن الأحوال أن أولاده أقوياء وأنهم لا يمكنونه من الطلب والتفحص ، وأنه لو بالغ في البحث فربما أقدموا على إيذائه وقتله ، وأيضا لعله عليه السلام علم أن الله تعالى يصون يوسف عن البلاء والمحنة وأن أمره سيعظم بالآخرة ، ثم لم يرد هتك أستار سرائر أولاده وما رضي بإلقائهم في ألسنة الناس وذلك لأن أحد الولدين إذا ظلم الآخر وقع الأب في العذاب الشديد لأنه إن لم ينتقم يحترق قلبه على الولد المظلوم وإن انتقم فإنه يحترق قلبه على الولد الذي ينتقم منه ، فلما وقع يعقوب عليه السلام في هذه البلية رأى أن الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر إلى الله تعالى بالكلية .

المسألة الرابعة : قوله تعالى : { فصبر جميل } يدل على أن الصبر على قسمين : منه ما قد يكون جميلا وما قد يكون غير جميل ، فالصبر الجميل هو أن يعرف أن منزل ذلك البلاء هو الله تعالى ، ثم يعلم أن الله سبحانه مالك الملك ولا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملك نفسه فيصير استغراق قلبه في هذا المقام مانعا له من إظهار الشكاية .

والوجه الثاني : أنه يعلم أن منزل هذا البلاء ، حكيم لا يجهل ، وعالم لا يغفل ، عليم لا ينسى رحيم لا يطغى ، وإذا كان كذلك ، فكان كل ما صدر عنه حكمة وصوابا ، فعند ذلك يسكت ولا يعترض .

والوجه الثالث : أنه ينكشف له أن هذا البلاء من الحق ، فاستغراقه في شهود نور المبلى يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء . ولذلك قيل : المحبة التامة لا تزداد بالوفاء ولا تنقص بالجفاء ، لأنها لو ازدادت بالوفاء لكان المحبوب هو النصيب والحظ . وموصل النصيب لا يكون محبوبا بالذات بل بالعرض ، فهذا هو الصبر الجميل . أما إذا كان الصبر لا لأجل الرضا بقضاء الحق سبحانه بل كان لسائر الأغراض ، فذلك الصبر لا يكون جميلا ، والضابط في جميع الأفعال والأقوال والاعتقادات أن كل ما كان لطلب عبودية الله تعالى كان حسنا وإلا فلا ، وههنا يظهر صدق ما روي في الأثر «استفت قلبك ، ولو أفتاك المفتون » فليتأمل الرجل تأملا شافيا ، أن الذي أتى به هل الحاصل والباعث عليه طلب العبودية أم لا ؟ فإن أهل العلم لو أفتونا بالشيء مع أنه لا يكون في نفسه كذلك لم يظهر منه نفع البتة . ولما ذكر يعقوب قوله : { فصبر جميل } قال : { والله المستعان على ما تصفون } والمعنى : أن إقدامه على الصبر لا يمكن إلا بمعونة الله تعالى ، لأن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع وهي قوية والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر والرضا ، فكأنه وقعت المحاربة بين الصنفين ، فما لم تحصر إعانة الله تعالى لم تحصل الغلبة ، فقوله : { فصبر جميل } يجري مجرى قوله : { إياك نعبد } وقوله : { والله المستعان على ما تصفون } يجري مجرى قوله : { وإياك نستعين } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} (18)

{ وَجَاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } أي ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب : هو الكذب بعينه والزور بذاته ، ومن ذلك ما في قوله :

أفيضوا على عزابكم من بناتكم *** فما في كتاب الله أن يحرم الفضل

وفيهن فضل قد عرفنا مكانه *** فهن به { جود } وأنتم به { مَن بَخِلَ }

> وبعضهم يؤوّل كذب بمكذوب فيه فإن المصدر قد يؤوّل بمثل ذلك ، وقرأ زيد بن على رضي الله عنهماكذباً بالنصب وخرج على أنه في موضع الحال من فاعل { جَاءوا } بتأويل كاذبين ، وقيل : من دم على تأويل مكذوباً فيه ، وفيه أن الحال من النكرة على خلاف القياس ، وجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي جاءوا بذلك لأجل الكذب ، وقرأت عائشة رضي الله تعالى عنها والحسن كدب بالدال المهملة وليس من قلب الذال دالاً بل هو لغة أخرى بمعنى كدر أو طرى أو يابس فهو من الاضداد ، وقال صاحب اللوامح : المعنى ذي كدب أي أثر لأن الكدب بياض يخرج في أظافير الشبان ويؤثر فيها فهو كالنقش ويسمى ذلك الفوق ولم يعتبر بعض المحققين تقدير المضاف وجعل ذلك من التشبيه البليغ أو الاستعارة فإن الدم في القميص يشبه الكدب من جهة مخالفة لونه لون ما هو فيه ، وقوله سبحانه : { على قَمِيصِهِ } على ما ذهب إليه أبو البقاء حال من دم ، وفي جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف غير الزائد خلاف ، والحق كما قال السفاقسي : الجواز لكثرة ذلك في كلامهم ، وفي اللباب ولا تتقدم على صاحبها المجرور على الأصح نحو مررت جالسة بهند إلا أن يكون الحال ظرفاً على أن الحق ما اختاره ابن مالك من جواز التقديم مطلقاً ، وقال الزمخشري . ومن تبعه : إنه في موضع النصب على الظرفية أي جاءوا فوق قميصه كما تقول : جاء على جماله بأحمال ، وأراد على ما في الكشف أن { على } على حقيقة الاستعلاء وهو ظرف لغو ، ومنع في البحر كون العامل فيه المجيء لأنه يقتضي أن الفوقية ظرف للجائين ، وأجيب بأن الظرفية ليست باعتبار الفاعل بل باعتبار المفعول .

وفي بعض الحواشي أن الأولى أن يقال : جاءوا مستولين على قميصه ، وقوله سبحانه : { بِدَمٍ } حال من القميص ، وجعل المعنى استولوا على القميص ملتبساً بدم جائين ، وهو على ما قيل : أولى من جاءوا مستولين لما تقرر في التضمين ، والأمر في ذلك سهل فإن جعل المضمن أصلاً والمذكور حالا وبالعكس كل منهما جائز وإذا اقتضى المقام أحدهما رجح ، واستظهر كونه ظرفاً للمجيء المتعدي ، والمعنى أتوا بدم كذب فوق قميصه ولا يخفي استقامته ، هذا ثم إن ذلك الدم كان دم سخلة ذبحوها ولطخوا بدمها القميص كما روي عن ابن عباس .

ومجاهد .

وأخرج ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن قتادة أنهم أخذوا ظبياً فذبحوه فلظخوا بدمه القميص ، ولما جاءوا به جعل يقلبه فيقول : ما أرى به أثر ناب ولا ظفر إن هذا السبع رحيم ، وفي رواية أنه أخذ القميص وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص ، وقال : تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمرق عليه قميصه ، وجاء أنه بكى وصاح وخر مغشياً عليه فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك ومادوه فلم يجب ووضع يهوذا يده على مخارج نفسه فلم يحس بنفس ولا تحرك له عرق ، فقال : ويل لنا من ديان يوم الدين ضيعنا أخانا وقتلنا أبانا فلم يفق إلا ببرد السحر { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ } أي زينت وسهلت { أمْراً } من الأمور منكراً لا يوصف ولا يعرف ، وأصل التسويل تقدير شيء في النفس مع الطمع في إتمامه .

وقال الراغب : هو تزيين النفس لما تحرص عليه وتصوير القبيح بصورة الحسن .

وقال الأزهري : كأن التسويب تفعيل من سوال الإنسان وهو أمنيته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره وأصله مهموز ، وقيل : من البسول بفتحتين وهو استرخاء في العصب ونحوه كأن المسول لمزيد حرصه استرخى عصبه ، وفي الكلام حذف على ما في البحر أي لم يأكله الذئب { بَلْ سَوَّلَتْ } الخ ، وعلمه عليه السلام بكذبهم قيل : حصل من سلامة القميص عن التمزيق وهي إحدى ثلاثة آيات في القميص : ثانيتها عود يعقوب بصيراً بالقائه على وجهه ، وثالثتها قده من دبر فانه كان دليلاً على براءة يوسف ، وينضم إلى ذلك وقوفه بالرؤيا الدالة على بلوغه مرتبة علياء تنحط عنها الكواكب ، وقيل : من تناقضهم فانه يروى أنه عليه السلام لما قال : ما تقدم عن قتادة قال بعضهم : بل قتله اللصوص فقال : كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله ؟ا ولعله مع هذا العلم إنما حزن عليه السلام لما خشى عليه من المكروه والشدائد غير الموت ، وقيل : إنما حزن لفراقه وفراق الأحبة مما لا يطاق ، ولذلك قيل :

لولا مفارقة الأحباب ما وجدت *** لها المنايا إلى أرواحنا سبلا

ولا بأس بأن يقال : إنه أحزنه فراقه وخوف أن يناله مكروه { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } أي فأمرى صبر جميل ، أو فصبري صبر جميل كما قال قطرب ، أو فالذي أفعله ذلك كما قال الخليل . أو فهو صبر الخ كما قال الفراء ، وصبر في كل ذلك خبر مبتدأ محذوف . أو فصبر جميل أمثل وأجمل على أنه مبتدأ خبره محذوف ، وهل الحذف في مثل ذلك واجب . أو جائز ؟ فيه خلاف ، وكذا اختلفوا فيما إذا صح في كلام واحد اعتبار حذف المبتدأ وإبقاء الخبر واعتبار العكس هل الاعتبار الأول أولى أم الثاني ؟ .

وقرأ أبي . والأشهب . وعيسى بن عمر فصبراً جميلاً بنصبهما وكذا في مصحف أنس بن مالك ، وروي ذلك عن الكسائي ، وخرج على أن التقدير فاصبر صبراً على أن اصبر مضارع مسند لضمير المتكلم ، وتعقب بأنه لا يحسن النصب في مثل ذلك إلا مع الأمر ، والتزم بعضهم تقديره هنا بأن يكون عليه السلام قد رجع إلى مخاطبة نفسه فقال : صبراً جميلاً على معنى فاصبري يا نفس صبراً جميلاً ، والصبر الجميل على ما روي الحسن عنه صلى الله عليه وسلم ما لا شكوى فيه أي إلى الخلق وإلا فقد قال يعقوب عليه السلام : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله } [ يوسف : 86 ] ، وقيل : إنه عليه السلام سقط حاجباه على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فسئل عن سبب ذلك فقال : طول الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله تعالى إليه أتشكو إلى غيري ، فقال يا رب خطيئة فاغفرها .

وقيل : المراد من قوله : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } أني اتجمل لكم في صبري فلا أعاشركم على كآبة الوجه وعبوس الجبين بل أبقى على ما كنت عليه معكم وهو خلاف الظاهر جداً { والله المستعان } أي المطلوب منه العون وهو إنشاء منه عليه السلام للاستعانة المستمرة { على مَا تَصِفُونَ } متعلق بالمستعان والوصف ذكر الشيء بنعمته وهو قد يكون صدقاً وقد يكون كذباً ، والمراد به هنا الثاني كما في قوله سبحانه : { سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ } [ الصافات : 180 ] بل قيل : إن الصيغة قد غلبت في ذلك ومعنى استعانته عليه السلام بالله تعالى على كذبهم طلبه منه سبحانه إظهار كونه كذباً بسلامة بوسف عليه السلام والاجتماع معه فيكون ذكر الاستعانة هنا نظير { عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } [ يوسف : 83 ] بعد قوله فيما بعد : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } ، وفي بعض الآثار أن عائشة رضي الله عنها قالت يوم الإفك : والله لئن حلفت لا تصدقوني ولئن اعتذرت لا تعذروني فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده والله المستعان على ما تصفون فأنزل الله تعالى في عذرها ما أنزل ، وقيل : المراد إنه تعالى المستعان على احتمال ما تصفونه من هلاك يوسف كأنه عليه السلام بعد أن قال : صبر جميل طلب الإعانة منه تعالى على الصبر وذلك لأن الدواعي النفسانية تدعو إلى إظهار الجزع وهي قوية والدواعي الروحانية الصبر الجميل فكأنه وقعت المحاربة بين الصفتين فما لم تحصل المعونة منه جل وعلا لا تحصل الغلبة ، فقوله : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } يجرى مجرى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } [ الفاتحة : 5 ] { والله المستعان على مَا تَصِفُونَ } * يَجْرِى مجرى { وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ الفاتحة : 5 ] ولعل الأول أسلم من القال والقيل ، وللإمام الرازي عليه الرحمة في هذا المقام بحث ، وهو : أن الصبر على قضاء الله تعالى واجب وأما الصبر على ظلم الظالمين ومكر الماكرين فغير واجب بل الواجب إزالته لاسيما في الضرر العائد إلى الغير فكان اللائق بيعقوب عليه السلام التفتيش والسعى في تخليص يوسف عليه السلام من البلية والشدة إن كان حياً ، وفي إقامة القصاص إن صح أنهم قتلوه بل قد يقال : إن الواجب المتعين عليه السعي في طلبه وتخليصه لأن الظاهر أنه كان عالماً بأنه حي سليم لقوله :

{ وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الاحاديث } [ يوسف : 6 ] فإن الظاهر أنه إنما قاله عن وحي ، وأيضاً إنه عليه السلام كان عظيم القدر جليل الشأن معظماً في النفوس مشهوراً في الآفاق فلو بالغ في الطلب والتفحص لظهر ذلك واشتهر ولزال وجه التلبيس فما السبب في تركه عليه السلام الفحص مع نهاية رغبته في حضور يوسف وغاية محبته له ، وهل الصبر في هذا المقام إلا مذموم عقلاً وشرعاً ؟ ثم قال : والجواب أن نقول : لا جواب عن ذلك إلا أن يقال : إنه سبحانه وتعالى منعه عن الطلب تشديداً للمحنة وتغليظاً للأمر ، وأيضاً لعله عرف بقرائن الأحوال أن أولاده أقوياء وأنهم لا يمكنونه من الطلب والتفحص وأنه لو بالغ في البحث ربما أقدموا على إيذائه وقتله ، وأيضاً لعله عليه السلام علم أن الله تعالى يصون يوسف عن البلاء والمحنة وأن أمره سيعظم بالآخرة ثم لم يرد هتك ستر أولاده وما رضي بإلقائهم في ألسنة الناس ، وذلك لأن أحد الولدين إذا طلم الآخر وقع الأب في العذاب الشديد لأنه إن لم ينتقم يحترق قلبه على الولد المظلوم وإن أنتقم يحترق على الولد الذي ينتقم منه ، ونظير ذلك ما أشار إليه الشاعر بقوله :

قومي هم قتلوا أميم أخي *** فإذا رميت يصيبني سهمي

ولئن عفوت لأعفون جللا *** ولئن سطوت لموهن عظمي

فلما وقع يعقوب عليه السلام في هذه البلية رأى أن الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى لا سيما إن قلنا : إنه عليه السلام كان عالماً بأن ما وقع لا يمكن تلافيه حتى يبلغ الكتاب أجله .

( ومن باب الإشارة ) :{ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } [ يوسف : 18 ] وهو السكون إلى موارد القضاء سراً وعلناً ، وقال يحيى بن معاذ : الصبر الجميل أن يتلقى البلاء بقلب رحيب ووجه مستبشر ، وقال الترمذي : هو أن يلقي العبد عنانه إلى مولاه ويسلم إليه نفسه مع حقيقة المعرفة فإذا جاء حكم من أحكامه ثبت له مسلماً ولا يظهر لوروده جزعاً ولا يرى لذلك مغتماً ، وأنشد الشبلي في حقيقة الصبر :

عبرات خططن في الخد سطرا *** فقراه من لم يكن قط يقرا

صابر الصبر فاستغاث به الصب *** ر فصاح المحب بالصبر صبرا