مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (76)

قوله تعالى : { وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شي وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم }

اعلم أنه تعالى أبطل قول عبدة الأوثان والأصنام بهذا المثل الثاني ، وتقريره : أنه كما تقرر في أوائل العقول أن الأبكم العاجز لا يكون مساويا في الفضل والشرف للناطق القادر الكامل مع استوائهما في البشرية ، فلان يحكم بأن الجماد لا يكون مساويا لرب العالمين في المعبودية كان أولى ، ثم نقول : في الآية مسألتان :

المسألة الأولى : أنه تعالى وصف الرجل الأول بصفات :

الصفة الأولى : الأبكم وفي تفسيره أقوال نقلها الواحدي . الأول : قال أبو زيد رجل أبكم ، وهو الفي المقحم ، وقد بكم بكما وبكامة ، وقال أيضا : الأبكم الأقطع اللسان وهو الذي لا يحسن الكلام . الثاني : روى ثعلب عن ابن الأعرابي : الأبكم الذي لا يعقل . الثالث : قال الزجاح : الأبكم المطبق الذي لا يسمع ولا يبصر .

الصفة الثانية : قوله : { لا يقدر على شيء } وهو إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل .

والصفة الثالثة : قوله : { كل على مولاه } أي هذا الأبكم العاجز كل على مولاه . قال أهل المعاني : أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة . يقال : كل السكين إذا غلظت شفرته فلم يقطع ، وكل لسانه إذا غلظ فلم يقدر على الكلام ، وكل فلان عن الأمر إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه . فقوله : { كل على مولاه } أي غليظ وثقيل على مولاه .

الصفة الرابعة : قوله : { أينما يوجهه لا يأت بخير } أي أينما يرسله ، ومعنى التوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق . يقال : وجهته إلى موضع كذا فتوجه إليه . وقوله : { لا يأت بخير } معناه لأنه عاجز لا يحسن ولا يفهم . ثم قال تعالى : { هل يستوي هو } أي هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع : { ومن يأمر بالعدل } واعلم أن الآمر بالعدل يجب أن يكون موصوفا بالنطق وإلا لم يكن آمرا ، ويجب أن يكون قادرا ، لأن الأمر مشعر بعلو المرتبة ، وذلك لا يحصل إلا مع كونه قادرا ، ويجب أن يكون عالما حتى يمكنه التمييز بين العدل وبين الجور . فثبت أن وصفه بأنه يأمر بالعدل يتضمن وصفه بكونه قادرا عالما ، وكونه آمرا يناقض كون الأول أبكم ، وكونه قادرا يناقض وصف الأول بأنه لا يقدر على شيء وبأنه كل على مولاه ، وكونه عالما يناقض وصف الأول بأنه لا يأت بخير .

ثم قال تعالى : { وهو على صراط مستقيم } معناه كونه عادلا مبرأ عن الجور والعبث .

إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر في بديهة العقل أن الأول والثاني لا يستويان ، فكذا ههنا والله أعلم .

المسألة الثانية : في المراد بهذا المثل أقوال كما في المثل المتقدم .

فالقول الأول : قال مجاهد : كل هذا مثل إله الخلق وما يدعى من دونه من الباطل . وأما الأبكم فمثل الصنم ، لأنه لا ينطق البتة . وكذلك لا يقدر على شيء ، وأيضا كل على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه ، وأيضا إلى أي مهم توجه الصنم لم يأت بخير ، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله سبحانه وتعالى .

والقول الثاني : أن المراد من هذا الأبكم : هو عبد لعثمان بن عفان كان ذلك العبد يكره الإسلام ، وما كان فيه خير ، ومولاه وهو عثمان بن عفان كان يأمر بالعدل ؛ وكان على الدين القويم والصراط المستقيم .

والقول الثالث : أن المقصود منه : كل عبد موصوف بهذه الصفات المذمومة وكل حر موصوف بتلك الصفات الحميدة ، وهذا القول أولى من القول الأول ، لأن وصفه تعالى إياهما بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على الوثن ، وكذلك وبالكل وبالتوجيه في جهات المنافع وكذلك وصف الآخر بأنه على صراط مستقيم يمنع من حمله على الله تعالى ، وأيضا فالمقصود تشبيه صورة بصورة في أمر من الأمور ، وذلك التشبيه لا يتم إلا عند كون إحدى الصورتين مغايرة للأخرى .

وأما القول الثاني : فضعيف أيضا ، لأن المقصود إبانة التفرقة بين رجلين موصوفين بالصفات المذكورة ، وذلك غير مختص بشخص معين ، بل أيما حصل التفاوت في الصفات المذكورة حصل المقصود ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (76)

{ وَضَرَبَ الله مَثَلاً } أي مثلا آخر يدل على ما يدل عليه المثل السابق على وجه أظهر وأوضح ، وأبهم ثم بين بقوله تعالى : { رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَاأبكم } لما تقدم والبكم الخرس المقارن للخلقة ويلزمه الصمم فصاحبه لا يفهم لعدم السمع ولا يفهم غيره لعدم النطق ، والإشارة لا يعتد بها لعدم تفهيمها حق التفهيم لكل أحد فكأنه قيل : أحدهما أخرس أصم لا يفهم ولا يفهم { مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } من الأشياء المتعلقة بنفسه أو غيره بحدس أو فراسة لسوء فهمه وإدراكه { وَهُوَ كَلٌّ } ثقيل وعيال { على مَوْلاهُ } على من يعوله ويلي أمره ، وهذا بيان لعدم قدرته على إقامة مصاله نفسه بعد ذكر عدم قدرته مطلقاً ، وقوله سبحانه :

/ { أَيْنَمَا يُوَجّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } أي حيثما برسله مولاه في أمر لا يأت بنجح وكفاية مهم ، بيان لعدم قدرته على مصالح مولاه . وقرأ عبد الله في رواية { *توجهه } على الخطاب ، وقرأ علقمة . وابن وئاب . ومجاهد . وطلحة وهي رواية أخرى عن عبد الله { *يوجه } بالبناء للفاعل والجزم ، وخرج على أن الفاعل يعود على المولى والمفعول محذوف وهو ضمير الا بكم أي يوجهه ، ويجوز أن يكون ضمير الفاعل عائداً على الا بكم ويكون الفعل لازم وجه بمعنى توجه ، وعلى ذلك جاء قول الاضبط بن قريع السعدي :

أينما أوجه ألق سعدا . . . وعن علقمة . وطلحة . وابن وثاب أيضاً { *يوجه } بالجزم والبناء للمفعول ، وفي رواية أخرى عن علقمة . وطلحة أنهما قرءا { *يوجه } بكسر الجيم وضم الهاء ، قال صاحب اللوامح . فإن صح ذلك فالهاء التي هي لام الفعل محذوفة فراراً من التضعيف أو لم يرد بأينما الشرط ، والمراد أينما هو يوجه وقد حذف منه ضمير المفعول به فيكون حذف الياء من آخر { لَمْ يَأْتِ } للتخفيف ، وتعقبه أبو حيان بأن أين لا تخرج عن الشرط أو الاستفهام . ونقل عن أبي حاتم أن هذه القراءة ضعيفة لأن الجزم لازم ، ثم قال : والذي توجه به هذه القراءة أن { أَيْنَمَا } شرط حملت على إذا بجامع ما اشتركا فيه من الشرط ثم حذفت ياء { يَأْتِ } تخفيفاً أو جزم على توهم أنه جيء بأينما جازمة كقراءة من قرأ { إنه من يتقي ويصبر } [ يوسف : 90 ] في أحد الوجهين ، ويكون معنى يوجه يتوجه كما مر آنفاً { هَلْ يَسْتَوِى هُوَ } أي ذلك الأبكم الموصوف بتلك الصفات المذكورة { وَمَن يَأْمُرُ بالعدل } ومن هو منطيق فهم ذو رأي ورشد يكفي الناس في مهماتهم وينفعهم بحثهم على العدل الجامع لمجامع الفضائل { وَهُوَ } في نفسه مع ما ذكر من نفعه الخاص والعام { على صراط مُّسْتَقِيمٍ } لا يتوجه إلى مطلب إلا ويبلغه بأقرب سعي ، فالجملة حالية مبينة لكماله في نفسه ولما كان ذلك مقدماً على تكميل الغير أتى بها اسمية فإنها تشعر بذلك مع الثبوت إلى مقارنة ذي الحال ، فلا يقال .

الأنسب تقديمها في النظم الكريم ، ومقابلة تلك الصفات الأربع بهذين الوصفين لأنهما كمال ما يقابلها ونهايته فاختير آخر صفات الكامل المستدعية لما ذكر وأزيد حيث جعل هادياً مهدياً ، وتغيير الأسلوب حيث لم يقل : والآخر يأمر بالعدل الآية لمراعاة الملاءمة بينه وبين ما هو المقصود من بيان التباين بين الفريقين ، ويقال هنا كما قيل في المثل السابق : إنه حيث لم يستو الفريقان في الفضل والشرف مع استوائهما في الماهية والصورة فلأن يحكم بأن الصنم الذي لا ينطق ولا يسمع وهو عاجز لا يقدر على شيء كل على عابده يحتاج إلى أن يحمله ويضعه ويمسح عنه الأذى إذا وقع عليه ويخدمه وإن وجهه إلى أي مهم من مهماته لا ينفعه ولا يأت له به لا يساوي رب العالمين وهو هو في استحقاق المعبودية أحرى وأولى ، وقيل : هذا تمثيل للمؤمن والكافر فالأبكم هو الكافر ومن يأمر بالعدل هو المؤمن ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وإياماً كان فليس المراد برجلين رجلان متصفان بما ذكر من الصفات مطلقاف ، وما روي من أن الأبكم أبو جهل والآمر بالعدل عمار أو الأبكم أبي ابن خلف والآمر عثمان بن مظعون فقال أبو حيان : لا يصح إسناده ، وما أخرج ابن جرير . وابن عساكر . وغيرهما عن ابن عباس أنه قال : نزلت هذه الآية { وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ } الخ في عثمان بن عفان ومولى له كافر وهو أسيد بن أبي العيص كان يكره الإسلام وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف فنزلت فيهما فبعد تحقق صحته لا يضرنا في إرادة الموصوفين مطلقاً بحيث يدخل فيهما من ذكر . فقد صرحوا بأن خصوص السبب لا ينافي العمون .

هذا وقد اقتصر شيخ الإسلام على كون الغرض من التمثيلين نفي المساواة بينه جل جلاله وبين ما يشركون ، وهو دليل على أنه مختاره ثم قال : اعلم أن كلا الفعلين ليس المراد بهما حكاية الضرب الماضي بل المراد انشاؤه بما ذكر عقيبه ، ولا يبعد أن يقال : إن الله تعالى ضرب مثلا بخلق الفريقين على ما هما عليه فكان خلقهما كذلك للاستدلال بعدم تساويهما على امتناع التساوي بينه سبحانه وتعالى وبين ما يشركون فيكون كل من الفعلين حكاية للضرب الماضي اه ، ولا يخفى أنه لا كلام في حسن اختياره لكن في النفس من قوله لا يبعد شيء .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ } لا استعداد فيه للنطق وهو مثل المشرك { لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } لعدم استطاعته وقصور قوته للنقص اللازم لاستعداده { وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ } لعجزه بالطبع عن تحصيل حاجة { أَيْنَمَا يُوَجّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } لعدم استعداده وشرارته بالطبع فلا يناسب إلا الشر الذي هو العدم { هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل } وهو الموحد القائم بالله تعالى الفاني عن غيره ، والعدل على ما قيل : ظل الوحدة في عالم الكثرة { وَهُوَ على صراط مُّسْتَقِيمٍ } [ النحل : 76 ] صراط العزيز الحميد الذي عليه خاصته تعالى من أهل البقاء بعد الفناء الممدود على نار الطبيعة لأهل الحقيقة يمرون عليه كالبرق اللامع