فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (76)

{ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( 76 ) } .

ثم ذكر سبحانه مثلا ثانيا ضربه لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية ، وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع ، فقال : { وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً } آخر أوضح مما قبله وأظهر منه ، { رَّجُلَيْنِ } ، بدل من مثل ، وتفسير له ، { أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ } ، أي : العيي المفحم ، وقيل : هو : الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام ، وقيل : هو : الذي ولد أخرس ، فكل أبكم أخرس ، وليس كل أخرس أبكم ، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي : أنه الذي لا يسمع ولا يبصر .

ثم وصف الأبكم فقال : { لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ } ، من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره ؛ لعدم فهمه ، وعدم قدرته على النطق ، وهو إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل ، { وَهُوَ كَلٌّ } ، أي : ثقيل ، { عَلَى مَوْلاهُ } ، أي : على وليه وقرابته ، وعيال على من يلي أمره ويعوله ، ووبال على إخوانه ، وقد يسمى اليتيم كلا ؛ لثقله على من يكفله ، وفي هذا بيان لعدم قدرته على إقامة مصالح نفسه ، بعد ذكر عدم قدرته على شيء مطلقا .

ثم وصفه بصفة رابعة فقال : { أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ } ، أي : يرسله ويصرفه في طلب الحاجة ، أو كفاية المهم ، { لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } ، قط ؛ لأنه عاجز أخرس ، لا يفهم ولا يعقل ما يقال له ولا يمكنه أن يقول ، { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ } ، في نفسه مع هذه الأوصاف التي اتصف بها { وَمَن يَأْمُرُ } الناس { بِالْعَدْلِ } ، مع كونه في نفسه ينطق بما يريد النطق به ، ويفهم ويقدر على التصرف في الأشياء ، وهو سليم الحواس ، نفاع ذو كفاية ورشد وديانة ، { وَهُوَ } ، في نفسه { عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ، أي : على دين قويم وسيرة صالحة ، ليس فيه ميل إلى أحد جانبي الإفراط والتفريط .

وإنما قابل الأوصاف الأول بهذين الوصفين المذكورين للآخر ؛ لأن حاصل أوصاف الأول عدم استحقاقه لشيء ، وحاصل وصفي هذا أنه مستحق أكمل استحقاق ، والمقصود : الاستدلال بعدم تساوي هذين الأمرين على امتناع التساوي بينه سبحانه وبين ما يجعلونه شريكا له ، قال ابن عباس : يعني بالأبكم : الكافر ، وبالآمر بالعدل : المؤمن .

وهذا المثل في الأعمال ، وعلى هذا تكون الآية على العموم في كل مؤمن وكافر ، وقيل : هي على الخصوص ، والذي يأمر بالعدل : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والأبكم : هو أبو جهل ، وقيل : الأبكم : أبي بن خلف ، والآمر بالعدل : حمزة وعثمان بن مظعون .

وقال ابن عباس : هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان ومولى له كافر ، وهو أسيد بن أبي العيص ، كان يكره الإسلام ، وكان عثمان ينفق عليه ويكلفه ويكفيه المؤونة ، وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف ، فنزلت فيهما .