مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا} (28)

قوله تعالى :{ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا }

اعلم أن أكابر قريش اجتمعوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الفقراء من عندك ، فإذا حضرنا لم يحضروا ، وتعين لهم وقتا يجتمعون فيه عندك فأنزل الله تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } الآية فبين فيها إنه لا يجوز طردهم بل تجالسهم وتوافقهم وتعظم شأنهم ولا تلتفت إلى أقوال أولئك الكفار ولا تقيم لهم في نظرك وزنا سواء غابوا أو حضروا . وهذه القصة منقطعة عما قبلها وكلام مبتدأ مستقل . ونظير هذه الآية قد سبق في سورة الأنعام وهو قوله : { ولا تطرد الذين يدعون بهم بالغداة والعشي } ففي تلك الآية نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن طردهم وفي هذه الآية أمره بمجالستهم والمصابرة معهم فقوله : { واصبر نفسك } أصل الصبر الحبس ومنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المصبورة وهي البهيمة تحبس فترمى ، أما قوله : { مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى } ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : قرأ ابن عامر بالغدوة بضم الغين والباقون بالغداة وكلاهما لغة .

المسألة الثانية : في قوله : { بالغداة والعشي } وجوه : الأول : المراد كونهم مواظبين على هذا العمل في كل الأوقات كقول القائل : ليس لفلان عمل بالغداة والعشي إلا شتم الناس . الثاني : أن المراد صلاة الفجر والعصر . الثالث : المراد أن الغداة هي الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من النوم إلى اليقظة وهذا الانتقال شبيه بالانتقال من الموت إلى الحياة والعشي هو الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من اليقظة إلى النوم ومن الحياة إلى الموت والإنسان العاقل يكون في هذين الوقتين كثير الذكر لله عظيم الشكر لآلاء الله ونعمائه ، ثم قال : { ولا تعد عيناك عنهم } يقال عداه إذا جاوزه ومنه قولهم عدا طوره وجاء القوم عدا زيدا وإنما عدي بلفظة عن لأنها تفيد المباعدة فكأنه تعالى نهى عن تلك المباعدة وقرى : { ولا تعد عينيك } ولا تعد عينيك من أعداه وعداه نقلا بالهمزة وتثقيل الحشو ومنه قوله شعر :

فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له*** . . .

والمقصود من الآية أنه تعالى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يزدري فقراء المؤمنين وأن تنبو عيناه عنهم لأجل رغبته في مجالسة الأغنياء وحسن صورتهم وقوله : { تريد زينة الحياة الدنيا } نصب في موضع الحال . يعني أنك ( إن ) فعلت ذلك لم يكن إقدامك عليه إلا لرغبتك في زينة الحياة الدنيا ، ولما بالغ في أمره بمجالسة الفقراء من المسلمين بالغ في النهي عن الالتفات إلى أقوال الأغنياء والمتكبرين فقال : { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى هو الذي يخلق الجهل والغفلة في قلوب الجهال لأن قوله : { أغفلنا } يدل على هذا المعنى ، قالت المعتزلة : المراد بقوله تعالى : { أغفلنا قلبه عن ذكرنا } أنا وجدنا قلبه غافلا وليس المراد خلق الغفلة فيه ، والدليل عليه ما روي عن عمرو بن معد يكرب الزبيدي أنه قال لبني سليم : قاتلناكم فما أجبناكم ، وسألناكم فما أبخلناكم ، وهجوناكم فما أفحمناكم ، أي ما وجدناكم جبناء ولا بخلاء ولا مفحمين . ثم نقول : حمل اللفظ على هذا المعنى أولى ويدل عليه وجوه : الأول : أنه لو كان كذلك لما استحقوا الذم . الثاني : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ولو كان تعالى خلق الغفلة في قلبه لما صح ذلك . الثالث : لو كان المراد هو أنه تعالى جعل قلبه غافلا لوجب أن يقال : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه . لأن على هذا التقدير يكون ذلك من أفعال المطاوعة ، وهي إنما تعطف بالفاء لا بالواو ، ويقال : كسرته فانكسر ودفعته فاندفع ولا يقال : وانكسر واندفع . الرابع : قوله تعالى : { واتبع هواه } ولو كان تعالى أغفل في الحقيقة قلبه لم يجز أن يضاف ذلك إلى إتباعه هواه . والجواب : قوله المراد من قوله : { أغفلنا } أي وجدناه غافلا ، وليس المارد تحصيل الغفلة فيه . قلنا : الجواب عنه من وجهين . الأول : أن الاشتراك خلاف الأصل فوجب أن يعتقد أن وزن الأفعال حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر وجعله حقيقة في التكوين مجازا في الوجدان أولى من العكس وبيانه من وجوه : أحدها : أن مجيء بناء الأفعال بمعنى التكوين أكثر من مجيئه بمعنى الوجدان والكثرة دليل الرجحان . وثانيها : أن مبادرة الفهم من هذا البناء إلى التكوين أكثر من مبادرته إلى الوجدان ومبادرة الفهم دليل الرجحان . وثالثها : أنا إن جعلناه حقيقة في التكوين أمكن جعله مجازا في الوجدان لأن العلم بالشيء تابع لحصول المعلوم ، فجعل اللفظ حقيقة في المتبوع ومجازا في التبع موافق للمعقول ، أما لو جعلناه حقيقة في الوجدان مجازا في الإيجاد لزم جعله حقيقة في التبع مجازا في الأصل وأنه عكس المعقول فثبت أن الأصل جعل هذا البناء حقيقة في الإيجاد لا في الوجدان . الوجه الثاني : في الجواب عن السؤال أنا نسلم كون اللفظ مشتركا بالنسبة إلى الإيجاد وإلى الوجدان إلا أنا نقول يجب حمل قوله : { أغفلنا } على إيجاد الغفلة وذلك لأن الدليل العقلي دل على أنه يمتنع كون العبد موجدا للغفلة في نفسه والدليل عليه أنه إذا حاول إيجاد الغفلة ، فأما أن يحاول إيجاد مطلق الغفلة أو يحاول إيجاد الغفلة عن شيء معين والأول باطل ، وإلا لم يكن بأن تحصل له الغفلة عن هذا الشيء أولى بأن تحصل له الغفلة عن شيء آخر ، لأن الطبيعة المشترك فيها بين الأنواع الكثيرة تكون نسبتها إلى كل تلك الأنواع على السوية ، أما الثاني فهو أيضا باطل لأن الغفلة عن كذا عبارة عن غفلة لا تمتاز عن سائر أقسام الغفلات إلا بكونها منتسبة إلى ذلك الشيء المعين بعينه ، فعلى هذا لا يمكنه أن يقصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا إلا إذا تصور أن تلك الغفلة غفلة عن كذا ، ولا يمكنه أن يتصور كون تلك الغفلة غفلة عن كذا إلا إذا تصور كذا لأن العلم بنسبة أمر إلى أمر آخر مشروط بتصور كل واحد من المنتسبين . فثبت أنه لا يمكنه القصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا إلا مع الشعور بكذا لكن الغفلة عن كذا ضد الشعور بكذا ؛ فثبت أن العبد لا يمكنه إيجاد هذه الغفلة إلا عند اجتماع الضدين وذلك محال ، والموقوف على المحال محال ، فثبت أن العبد غير قادر على إيجاد الغفلة ، فوجب أن يكون خالق الغفلات وموجدها في العباد هو الله ، وهذه نكتة قاطعة في إثبات هذا المطلوب ، وعند هذا يظهر أن المراد بقوله تعالى : { ولا تطع من أغفلنا قلبه } هو إيجاد الغفلة لا وجدانها ، أما حديث المدح والذم فقد عارضناه مرارا وأطوارا بالعلم والداعي ، أما قوله تعالى بعد هذه الآية :{ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } فالبحث عنه سيأتي إن شاء الله تعالى ، أما قوله : { ولا تطع من أغفلنا قلبه } لو كان المراد إيجاد الغفلة لوجب ذكر الفاء ، لا ذكر الواو ، فنقول : هذا إنما يلزم لو كان خلق الغفلة في القلب من لوازمه حصول إتباع الهوى كما أن الكسر من لوازمه حصول الانكسار ، وليس الأمر كذلك لأنه لا يلزم من حصول الغفلة عن الله حصول متابعة الهوى لاحتمال أن يصير غافلا عن ذكر الله ، ومع ذلك فلا يتبع الهوى بل يبقى متوقفا لا ينافي مقام الحيرة والدهشة والخوف من الكل فسقط هذا السؤال ، وذكر القفال في تأويل الآية على مذهب المعتزلة وجوها أخرى . فأحدها : أنه تعالى لما صب عليهم الدنيا صبا وأدى ذلك إلى رسوخ الغفلة في قلوبهم صح على هذا التأويل أنه تعالى حصل الغفلة في قلوبهم كما في قوله تعالى : { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } . والوجه الثاني : أن معنى قوله : { أغفلنا } أي تركناه غافلا فلم نسمه بسمة أهل الطهارة والتقوى وهو من قولهم بعير غفل أي لا سمة عليه . وثالثها : أن المراد من قوله أغفلنا قلبه أي خلاه مع الشيطان ولم يمنع الشيطان منه فيقال في : الوجه الأول : إن فتح باب لذات الدنيا عليه هل يؤثر في حصول الغفلة في قلبه أو لا يؤثر ، فإن أثر كان أثر إيصال اللذات إليه سببا لحصول الغفلة في قلبه . وذلك عين القول بأنه تعالى فعل ما يوجب حصول الغفلة في قلبه ، وإن كان لا تأثير له في حصول هذه الغفلة بطل إسناده إليه ، وقد يقال في : الوجه الثاني : إن قوله أغفلنا قلبه بمنزلة قوله سودنا قلبه وبيضنا وجهه ولا يفيد إلا ما ذكرناه ، ويقال في الوجه الثالث إن كان لتلك التخلية أثر في حصول تلك الغفلة فقد صح قولنا ، وإلا بطل استناد تلك الغفلة إلى الله تعالى .

المسألة الثانية : قوله : { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه } يدل على أن شر أحوال الإنسان أن يكون قلبه خاليا عن ذكر الحق ويكون مملوءا من الهوى الداعي إلى الاشتغال بالخلق وتحقيق القول أن ذكر الله نور وذكر غيره ظلمة لأن الوجود طبيعة النور والعدم منبع الظلمة ، والحق تعالى واجب الوجود لذاته فكان النور الحق هو الله ، وما سوى الله فهو ممكن الوجود لذاته . والإمكان طبيعة عدمية فكان منبع الظلمة فالقلب إذا أشرق فيه ذكر الله فقد حصل فيه النور والضوء والإشراق ، وإذا توجه القلب إلى الخلق فقد حصل فيه الظلم والظلمة بل الظلمات ، فلهذا السبب إذا أعرض القلب عن الحق وأقبل على الخلق فهو الظلمة الخالصة التامة ، فالإعراض عن الحق هو المراد بقوله : { أغفلنا قلبه عن ذكرنا } والإقبال على الخلق هو المراد بقوله : { واتبع هواه } .

المسألة الثالثة : قيل : { فرطا } أي مجاوزا للحد من قولهم : فرس فرط ، إذا كان متقدما الخيل ، قال الليث : الفرط الأمر الذي يفرط فيه يقال كل أمر فلان فرط ، وأنشد شعرا :

لقد كلفني شططا*** وأمرا خائبا فرطا

أي مضيعا ، فقوله وكان أمره فرطا معناه أن الأمر الذي يلزمه الحفظ له والاهتمام به وهو أمر دينه يكون مخصوصا بإيقاع التفريط والتقصير فيه ، وهذه الحالة صفة من لا ينظر لدينه وإنما عمله لدنياه . فبين تعالى من حال الغافلين عن ذكر الله التابعين لهواهم أنهم مقصرون في مهماتهم معرضون عما وجب عليهم من التدبر في الآيات والتحفظ بمهمات الدنيا والآخرة ، والحاصل أنه تعالى وصف أولئك الفقراء بالمواظبة على ذكر الله والإعراض عن غير ذكر الله فقال : { مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } ووصف هؤلاء الأغنياء بالإعراض عن ذكر الله تعالى والإقبال على غير الله وهو قوله : { أغفلنا قلبه واتبع هواه } ثم أمر رسوله بمجالسة أولئك والمباعدة عن هؤلاء ، روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كنت جالسا في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستر بعضا من العرى وقارئ يقرأ القرآن فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ماذا كنتم تصنعون ؟ قلنا : يا رسول الله كان واحد يقرأ من كتاب الله ونحن نستمع ، فقال عليه السلام : « الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت إلى أن أصبر نفسي معهم » ثم جلس وسطنا وقال : « أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة ، تدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار خمسين ألف سنة » .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا} (28)

{ واصبر نَفْسَكَ } أي احبسها وثبتها يقال صبرت زيداً أي حبسته ، وفي الحديث النهي عن صبر الحيوان أي حبسه للرمي ، واستعمال ذلك في الثبات على الأمر وتحمله توسع ، ومنه الصبر بمعناه المعروف ، ولم يجعل هذا منه لتعدي هذا ولزومه { مَعَ الذين } أي مصاحبة مع الذين { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى } أي يعبدونه دائماً ، وشاع استعمال مثل هذه العبارة للدوام وهي نظير قولهم : ضرب زيد الظهر والبطن يريدون به ضرب جميع بدنه ، وأبقى غير واحد الغداة والعشي على ظاهرهما ولم يرد عموم الأوقات أي يعبدونه في طرفي النهار ، وخصا بالذكر لأنهما محل الغفلة والاشتغال بالأمور ، والمراد بتلك العبادة قيل ذكر الله تعالى وروى ذلك من طريق مغيرة عن إبراهيم ، وقيل : قراءة القرآن ، وروى ذلك عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي بن الخيار ، وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن جبير أن المراد بها المفاوضة في الحلال والحرام .

وعن ابن عمر . ومجاهد هي شهود الصلوات الخمس ، وعن قتادة شهود صلاة الصبح والعصر ، وفيما تقدم ما يؤيد ثاني الأقوال وفيما بعد ما يؤيد ظاهره أولها فتدبر جداً ، والمراد بالموصول فقراء الصحابة عمار . وصهيب . وسلمان . وابن مسعود . وبلال . وإضرابهم قال كفار قريش كأمية بن خلف . وغيره من صناديد أهل مكة لو أبعدت هؤلاء عن نفسك لجالسناك فإن ريح جبابهم تؤذينا فنزلت الآية ، وأخرج ابن مردويه . وأبو نعيم في الحلية . والبيهقي في شعب الإيمان عن سلمان قال : جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر . والأقرع بن حابس فقالوا : يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم يعنون سلمان . وأبا ذر . وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف جالسناك أو حدثناك وأخذنا عنك فأنزل الله تعالى { واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كتاب رَبّكَ } إلى قوله سبحانه { أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } [ الكهف : 27-29 ] يتهددهم بالنار ، وروى أبو الشيخ عن سلمان أنها لما نزلت قام رسول الله عليه الصلاة والسلام يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى فقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي معكم الحياة والممات .

والآية على هذا مدنية وعلى الأول مكية ، قال أبو حيان : وهو أصح لأن السورة مكية ، وأقول : أكثر الروايات تؤيد الثاني وعليه تكون الآيات مستثناة من حكم السورة وكم مثل ذلك ، وقد أخرج ما يؤيد الأول ابن مردويه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ولعل الآيات بعد تؤيده أيضاً ، والتعبير عن أولئك بالموصول لتعليل الأمر بما في حيز الصلة من الخصلة الداعية إلى إدامة الصحبة .

وقرأ ابن عامر { بالغدوة } وخرج ذلك على ما ذكره سيبويه . والخليل من أن بعض العرب ينكر غدوة فيقول : جاء زيد غدوة بالتنوين ، على أن الرضى قال : إنه يجوز استعمالها نكرة اتفاقاً ، والمشهور أن الأكثر استعمالها علم جنس ممنوعاً من الصرف فلا تدخل عليها أل لأنه لا يجتمع في كلمة تعريفان ، ومتى أريد ادخالها عليها قصد تنكيرها فادخلت كما قصد تنكير العلم الشخصي في قوله :

وقد كان منهم صاحب وابن عمه*** أبو جندل والزيد زيد المعارك

والقراءة المذكورة مخرجة على ذلك ، واختار بعض المحققين التخريج الأول وقال : إنه أحسن دراية ورواية لأن التنكير في العلم الشخصي ظاهر وأما في الجنسي ففيه خفاء لأنه شائع في إفراده قبل تنكيره إنما يتصور بترك حضوره في الذهن الفارق بينه وبين النكرة ، وهو خفي فلذا أنكره الفناري في «حواشيه على التلويح » في تنكير رجب علم الشهر انتهى ، وللبحث فيه محال .

وهذه الآية كما في البحر أبلغ من التي في الأنعام وهي قوله تعالى : { وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي } { يُرِيدُونَ } بذلك الدعاء { وَجْهَهُ } أي رضاه سبحانه وتعالى دون الرياء والسمعة بناء على ما قاله الإمام السهيلي من أن الوجه إذا أضيف إليه تعالى يراد به الرضا والطاعة المرضية مجازاً لأن من رضى على شخص يقبل عليه ومن غضب يعرض عنه ، وقيل : المراد بالوجه الذات والكلام على حذف مضاف .

وقيل : هو بمعنى التوجه ، والمعنى يريدون التوجه إليه تعالى والزلفي لديه سبحانه ، والأول أولى ، والجملة في موضع الحال من فاعل { يَدَّعُونَ } أي يدعون مريدين ذلك .

{ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } أي لا تصرف عيناك النظر عنهم إلى أبناء الدنيا ، والمراد النهي عن احتقارهم وصرف النظر عنهم لرثاثة حالهم إلى غيرهم فعدا بمعنى صرف المتعدي إلى مفعول بنفسه وإلى آخر بعن ، قال في «القاموس » يقال : عداه عن الأمر عدواً وعدواناً صرفه ، واختار هذا أبو حيان وهو الذي قدر المفعول كما سمعت وقد تتعدى عدا إلى مفعول واحد بعن كما تتعدى إليه بنفسها فتكون بمعنى جاوز وترك ، قال في «القاموس » يقال عدا الأمر وعنه جاوزه وتركه ، وجوز أن يكون معنى الآية على ذلك كأنه قيل لا تتركهم عيناك ، وقيل : إن عدا حقيقة معناه تجاوز كما صرح به الراغب والتجاوز لا يتعدى بعن إلا إذا كان بمعنى العفو كما صرحوا به أيضاً وهو هنا غير مراد فلا بد من تضمين عدا معنى نبا وعلا في قولك : نبت عنه عينه وعلت عنه عينه إذا اقتحمته ولم تعلق به ، وهو الذي ذهب إليه الزمخشري ثم قال : لم يقل ولا تعدهم عيناك أو ولا تعل عيناك عنهم وارتكب التضمين ليعطي الكلام مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك : ولا تقحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم ، وتعقبه أبو حيان بأن التضمين لا ينقاس عند البصريين وإنما يذهب إليه عند الضرورة ، أما إذا أمكن إجراء اللفظ على مدلوله الوضعي فإنه يكون أولى ، واعترض أيضاً ما قيل : بأنه لا يلزم من اتحاد الفعلين في المعنى اتحادهما في التعدية فلا يلزم من كون عدا بمعنى تجاوز أن يتعدى كما يتعدى ليقال : إن التجاوز لا يتعدى بعن إلا إذا كان بمعنى العفو وهو غير مراد ، فلا بد من تضمين عدا معنى فعل متعد بعن ، ويكفي كلام القاموس مستنداً لمن خالف الزمخشري فتدبر ولا تغفل .

وقرأ الحسن { وَلاَ تَعْدُ عَيْنَيْكَ } بضم التاء وسكون العين وكسر الدال المخففة من أعداه ونصب العينين ، وعنه وعن عيسى . والأعمشى أنهم قرؤا { وَلاَ تَعْدُ عَيْنَيْكَ } بضم التاء وفتح العين وتشديد الدال المكسورة من عداه يعديه ونصب العينين أيضاً ، وجعل الزمخشري ، و«صاحب اللوامح » الهمزة والتضعيف للتعدية .

وتعقب ذلك في «البحر » بأنه ليس بجيد بل الهمزة والتضعيف في هذه الكلمة لموافقة أفعل وفعل للفعل المجرد وذلك لأنه قد أقر الزمخشري بأنها قبل ذينك الأمرين متعدية بنفسها إلى واحد وعديت بعن للتضمين فمتى كان الأمران للتعدية لزم أن تتعدى إلى اثنين مع أنها لم تتعدى في القراءتين المذكورتين إليهما .

{ تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا } أي تطلب مجالسة من لم يكن مثلهم من الأغنياء وأصحاب الدنيا والجملة على القراءة المتواترة حال من كاف { عَيْنَاكَ } وجازت الحال منه لأنه جزء المضاف إليه ، والعامل على ما قيل معنى الإضافة وليس بشيء .

وقال في «الكشف » : العامل الفعل السابق كما تقرر في قوله تعالى : { بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا } [ البقرة : 135 ] ولك أن تقول : ههنا خاصة العين مقحمة للتأكيد ولا يبعد أن يجعل حالاً من الفاعل ، وتوحيد الضمير إما لاتحاد الإحساس أو للتنبيه على مكان الإقحام أو للاكتفاء بأحدهما عن الآخر أو لأنهما عضو واحد في الحقيقة ، واستبشاع إسناد الإرادة إلى العين مندفع بأن إرادتها كناية عن إرادة صاحبها ألا ترى إلى ما شاع من نحو قولهم : يستلذه العين أو السمع وإنما المستلذ الشخص على أن الإرادة يمكن جعلها مجازاً عن النظر للهو لا للعبر اه .

ولا يخفي أن فيه عدولاً عن الظاهر من غير داع ، وقول بعضهم : إنه لا يجوز مجيء الحال من المضاف إليه في مثل هذا الموضع لاختلاف العامل في الحال وذيها لا يصلح داعياً لظهور ضعفه ، ثم الظاهر أنه لا فرق في جواز كون الجملة حالاً من المضاف إليه أو المضاف على تقدير أن يفسر { تَعْدُ } بتجاوز وتقدير أن تفسر بتصرف .

وخص بعضهم كونها حالاً من المضاف إليه على التقدير الأول وكونها حالاً من المضاف على التقدير الثاني ولعله أمر استحساني ، وذلك لأن في أول الكلام على التقدير الثاني إسناد ما هو من الأفعال الاختيارية ليس إلا وهو الرف إلى العين فناسب إسناد الإرادة إليها في آخره ليكون أول الكلام وآخره على طرز واحد مع رعاية ما هو الأكثر في أحوال الأحوال من مجيئها من المضاف دون المضاف إليه ، وتضمن ذلك عدم مواجهة الحبيب صلى الله عليه وسلم بإسناد إرادة الحياة الدنيا إليه صريحاً وإن كانت مصب النهي ، وليس في أول الكلام ذلك على التقدير الأول إذ الظاهر أن التجاوز ليس من الأفعال الاختيارية لا غير بل يتصف به المختار وغيره ، مع أن في جعل الجملة حالاً من الفاعل على هذا القتدير مع قول بعض المحققين إن المتجاوز في الحقيقة هو النظر احتياجاً إلى اعتبار الشيء وتركه في كلام واحد ، وليس لك أن تجعله استخداماً بأن تريد من العينين أولاً النظر مجازاً وتريد عند عود ضمير { تُرِيدُ } منهما الحقيقة لأن التثنية تأبى ذلك ، وإن اعتبر ذلك أولاً وآخراً ولم يترك احتيج إلى مؤن لا تخفي على المتأمل فتأمل وتدبر ، وهي على القراءتين الشاذتين حال من فاعل الفعل المستتر أي لا تعد أو لا تعد عينيك عنهم مريداً ذلك { وَلاَ تُطِعِ } في تنحية الفقراء عن مجلسك { مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } أي جعلنا قلبه غافلاً { عَن ذِكْرِنَا } لبطلان استعداده للذكر بالمرة كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراء فإنهم غافلون عن ذكرنا على خلاف ما عليه أولئك الفقراء من الدعاء في الغداة والعشي ، وفيه تنبيه على أن الباعث لهم إلى استدعاء الطرد غفلة قلوبهم عن جناب الله تعالى شأنه وملاحظة المعقولات وانهماكه( {[590]} ) في الحسيات حتى خفي عليه أن الشرف بحلية النفس لا بزينة الجسد .

ومعنى الذكر ظاهر وفسره المفضل بالقرآن .

والآية ظاهرة في مذهب أهل النسة ، وأولها المعتزلة فقيل المراد أغفلنا قلبه بالخذلان وهذا هو التأويل المشهور عندهم في أمثال ذلك وحاله معلوم عندك ، وقيل : المراد صادفناه غافلاً كما في قولهم : سألناكم فما أفحمناكم وقاتلناكم فما أجبناكم . وتعقب بأنه لا ينبغي أن يتجرأ على تفسير فعل أسنده الله تعالى إليه بالمصادفة التي تفهم وجدان الشيء بغتة عن جهل سابق وعدم علم ، وقيل : المراد نسبناه إلى الغفلة كما في قول الكميت :

وطائفة قد أكفروني بحبكم*** وطائفة قالوا مسيء ومذنب

وهو كما ترى ، وقال الرماني( {[591]} ) : المراد لم نسم قلبه بالذكر ولم نجعله من القلوب التي كتبنا فيها الإيمان كقلوب المؤمنين من قولهم : أغفل فلان إبله إذا تركها غفلاً من غير سمة وعلامة بكي ونحوه ، ومنه إغفال الخط لعدم إعجامه فالإغفال المذكور استعارة لجعل ذكر الله تعالى الدال على الإيمان به كالسمة لأنه علامة للسعادة كما جعل ثبوت الإيمان في القلب بمنزلة الكتابة ، وهو تأويل رقيق الحاشية لطيف المعنى وإن كان خلاف الظاهر فهو مما لا بأس به لمن لم يكن غرضه منه الهرب من مذهب أهل السنة ، واحتج بعضهم على أنه ليس الراد ظاهر الآية بقوله سبحانه : { واتبع } في طلب الشهوات حيث أسند اتباع الهوى إلى العبد فيدل على أنه فعله لا فعل الله تعالى ولو كان ذلك فعل الله سبحانه والإسناد مجازي لقيل فاتبع بالفاء السببية لتفرعه عليه .

وأجيب بأن فعل العبد لكونه بكسبه وقدرته ، وخلق لله تعالى يجوز إسناده إليه بالاعتبار الأول وإلى الله تعالى بالثاني ، والتنصيص على التفريع ليس بلازم فقد يترك لنكتة كالقصد إلى الأخبار به استقلالاً لأنه أدخل في الذم وتفويضاً إلى السامع في فهمه ولا حاجة إلى تقدير فقيل واتبع هواه .

وقرأ عمر بن فائد . وموسى الأسواري . وعمرو بن عبيد { مَنْ أَغْفَلْنَا } بفتح الفاء واللام { قَلْبَهُ } بالرفع على أنه فاعل أغفلنا ، وهو على هذه القراءة من أغفله إذا وجده غافلاً ، والمراد ظننا وحسبنا غافلين عن ذكرنا له ولصنيعه بالمؤاخذة بجعل ذكر الله تعالى له كناية عن مجازاته سبحانه ، واستشكل النهي عن إطاعة أولئك الغافلين في طرد أولئك المؤمنين بأنه ورد أنهم أرادوا طردهم ليؤمنوا فكان ينبغي تحصيل إيمانهم بذلك ، وغاية ما يلزم ترتب نفع كثير وهو إيمان أولئك الكفرة على ضرر قليل وهو سقوط حرمة أولئك البررة وفي عدم طردهم لزم ترتب ضرر عظيم وهو بقاء أولئك الكفرة على كفرهم على نفع قليل .

ومن قواعد الشرع المقررة تدفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى . وأجيب بأنه سبحانه علم أن أولئك الكفرة لا يؤمنون إيماناً حقيقياً بل إن يؤمنوا يؤمنوا إيماناً ظاهرياً ومثله لا يرتكب له إسقاط حرمة أولئك الفقراء الأبرار فلذا جاء النهي عن الإطاعة .

وقد يقال : يحتمل أن يكون الله تعالى قد علم أن طرد أولئك الفقراء السابقين إلى الإيمان المنقطعين لعبادة الرحمن وكسر قلوبهم وإسقاط حرمتهم لجلب الأغنياء وتطييب خواطرهم يوجب نفرة القلوب وإساءة الظن برسوله صلى الله عليه وسلم فربما يرتد من هو قريب عهد بإسلام ويقل الداخلون في دينه بعد ذلك عليه الصلاة والسلام ، وذلك ضرر عظيم فوق ضرر بقاء شرذمة من الكفار على الكفر فلذا نهى جل وعلا عن إطاعة من أغفل قلبه واتبع هواه { وَكَانَ أَمْرُهُ } في اتباع الهوى وترك الإيمان { فُرُطًا } أي ضياعاً وهلا كان قاله مجاهد أو متقدماً على الحق والصواب نابذاً له وراء ظهره من قولهم : فرس فرط أي متقدم للخيل وهو في معنى ما قاله ابن زيد مخالفاً للحق ، وقال ابن عطية : يحتمل أن يكون الفرط بمعنى التفريط والتضييع أي كان أمره الذي يجب أن يلزم ويهتم به من الدين تفريطاً ، ويحتمل أن يكون بمعنى الافراط والإسراف أي كان أمره وهواه الذي هو سبيله إفراطاً وإسرافاً ، وبالإسراف فسره مقاتل ، والتعبير عن صناديد قريش المستدعين طرد فقراء المؤمنين بالموصول للإيذان بعلية ما في حيز الصلة للنهي عن الإطاعة .

ومن باب الإشارة : في الآيات : { واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشى } [ الكهف : 28 ] أمر بصحبة الفقراء الذين انقطعوا لخدمة مولاهم ، وفائدتها منه عليه الصلاة والسلام تعود عليهم وذلك لأنهم عشاق الحضرة وهو صلى الله عليه وسلم مرآتها وعرش تجليها ومعدن أسرارها ومشرق أنوارها فمتى رأوه صلى الله عليه وسلم عاشوا ومتى غاب عنهم كئبوا وطاشوا ، وأما صحبة الفقراء بالنسبة إلى غيره صلى الله عليه وسلم ففائدتها تعود إلى من صحبهم فيهم القوم لا يشقى بهم جليسهم ، وقال عمرو المكي : صحبة الصالحين والفقراء الصادقين عيش أهل الجنة يتقلب معهم جليسيهم من الرضا إلى اليقين ومن اليقين إلى الرضا . ولأبي مدين من قصيدته المشهورة التي خمسها الشيخ محيى الدين قدس سره :

ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا*** هم السلاطين والسادات والأمرا

فأصحبهم وتأدب في مجالسهم*** وخل حظك مهما قدموك ورا

واستغنم الوقت واحضر دائماً معهم*** واعلم بأن الرضا يختص من حضرا

ولازم الصمت إلا إن سئلت فقل*** لا علم عندي وكن بالجهل مستترا

إلى أن قال :

وإن بدا منك عيب فاعترف وأقم*** وجه اعتذارك عما فيك منك جرا

وقل عبيدكم أولى بصفحكم*** فسامحوا وخذوا بالرفق يا فقرا

هم بالتفضل أولى وهو شيمتهم*** فلا تخف دركاً منهم ولا ضرر

وعنى بهؤلاء السادة الصوفية وقد شاع إطلاق الفقراء عليهم لأن الغالب عليهم الفقر بالمعنى المعروف وفقرهم مقارن للصلاح وبذلك يمدح الفقر ، وأما إذا اقترن بالفساد فالعياذ بالله تعالى منه فمتى سمعت الترغيب في مجالسة الفقير فاعلم أن المراد منه الفقير الصالح ، والآثار متظافرة في الترغيب في ذلك فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما موقوفاً تواضعوا وجالسوا المساكين تكونوا من كبار عبيد الله تعالى وتخرجوا من الكبر ، وفي «الجامع » الجلوس مع الفقراء من التواضع وهو من أفضل الجهاد ، وفي رواية أحبوا الفقراء وجالسوهم ، ومن فوائد مجالستهم إن العبد يرى نعمة الله تعالى عليه ويقنع باليسير من الدنيا ويأمن في مجالستهم من المداهنة والتملق وتحمل المن وغير ذلك ، نع إن مجالستهم خلاف ما جبلت عليه النفس ولذا عظم فضلها ، وقيل : إن في قوله تعالى : { واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين } الخ دون ودم مع الذين الخ إشارة إلى ذلك ولكن ذلك بالنسبة إلى غيره صلى الله عليه وسلم فإن نفسه الشريعة فطرت على أحسن فطرة وطبعت على أحسن طبيعة .

وقال بعض أهل الأسرار : إنما قيل : واصبر نفسك دون واصبر قلبك لأن قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم كان مع الحق فأمر صلى الله عليه وسلم بصحبة الفقراء جهراً بجهر واستخلص سبحانه قلبه له سراً بسر { تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا } أي تطلب مجالسة الأشراف والأغنياء وأصحاب الدنيا وهي مذمومة مع الميل إليهم والتواضع لغناهم ، وقد جاء في الحديث «من تذلل لغني لأجل غناه ذهب ثلثا دينه فيتق الله تعالى في الثلث الآخر » ومضار مجالستهم كثيرة ، ولا تخفي على من علم فوائد مجالسة الفقراء ، وأدناها ضرراً تحمل منهم فإنه قلما يسلم الغني من المن على جليسه الفقير ولو بمجرد المجالسة وهو حمل لا يطاق ، ومن نوابغ الزمخشري طعم الآلاء أحلى من المن وهي أمر من الآلاء عند المن ، وقال بعض الشعراء :

لنا صاحب ما زال يتبع بره*** بمن وبذل المن بالبر لا يسوي

تركناه لا بغضاً ولا عن ملالة*** ولكن لأجل المن يستعمل السلوى

{ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتبع هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } [ الكهف : 28 ] نهى عن إطاعة المحجوبين الغافلين وكانوا في القصة يريدون طرد الفقراء وعدم مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم لهم لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فلا يطاع عند أهل الإشارة الغافل المحجوب في كل شيء فيه هوى النفس ، وعدوا من إطاعته التواضع له فإنه يطلبه حالاً وإن لم يفصح به مقالاً


[590]:- قوله وانهماكه إلى قوله حتى خفي كذا بافراد الضمير في خط المؤلف وفي أبي السعود ضمير انهماكه راجع إلى قوله الباعث له فغير المصنف له بلهم فحصل ما حصل.
[591]:- وقد كان معتزليا فليحفظ اهـ منه.