قوله تعالى : { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا منها ومن يرد ثواب الآخرة منها وسنجزي الشاكرين } .
المسألة الأولى : في كيفية تعلق هذه الآية بما قبله وجوه : الأول : أن المنافقين أرجفوا أن محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل ، فالله تعالى يقول : إنه لا تموت نفس إلا بإذن الله وقضائه وقدره ، فكان قتله مثل موته في أنه لا يحصل إلا في الوقت المقدر المعين ، فكما أنه لو مات في داره لم يدل ذلك على فساد دينه ، فكذا إذا قتل وجب أن لا يؤثر ذلك في فساد دينه ، والمقصود منه إبطال قول المنافقين لضعفة المسلمين أنه لما قتل محمد فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الأديان . الثاني : أن يكون المراد تحريض المسلمين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يدفع القدر ، وأن أحدا لا يموت قبل الأجل وإذا جاء الأجل لا يندفع الموت بشيء ، فلا فائدة في الجبن والخوف . والثالث : أن يكون المراد حفظ الله للرسول صلى الله عليه وسلم وتخليصه من تلك المعركة المخوفة ، فإن تلك الواقعة ما بقي سبب من أسباب الهلاك إلا وقد حصل فيها ، ولكن لما كان الله تعالى حافظا وناصرا ما ضره شيء من ذلك وفيه تنبيه على أن أصحابه قصروا في الذب عنه . والرابع : وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ، فليس في إرجاف من أرجف بموت النبي صلى الله عليه وسلم ما يحقق ذلك فيه أو يعين في تقوية الكفر ، بل يبقيه الله إلى أن يظهر على الدين كله . الخامس : أن المقصود منه الجواب عما قاله المنافقون ، فإن الصحابة لما رجعوا وقد قتل منهم من قتل قالوا : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فأخبر الله تعالى أن الموت والقتل كلاهما لا يكونان إلا بإذن الله وحضور الأجل والله أعلم بالصواب .
المسألة الثانية : اختلفوا في تفسير الإذن على أقوال : الأول : أن يكون الإذن هو الأمر وهو قول أبي مسلم ، والمعنى أن الله تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الأمر الثاني ، أن المراد من هذا الإذن ما هو المراد بقوله : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } والمراد من هذا الأمر إنما هو التكوين والتخليق والإيجاد ، لأنه لا يقدر على الموت والحياة أحد إلا الله تعالى ، فإذن المراد : أن نفسا لن تموت إلا بما أماتها الله تعالى . الثالث : أن يكون الإذن هو التخلية والإطلاق وترك المنع بالقهر والإجبار ، وبه فسر قوله تعالى : { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } أي بتخليته فإنه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر ، فيكون المعنى : ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله بتخلي الله بين القاتل والمقتول ، ولكنه تعالى يحفظ نبيه ويجعل من بين يديه ومن خلفه رصدا ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به ، ولا يخلي بين أحد وبين قتله حتى ينتهي إلى الأجل الذي كتبه الله له ، فلا تنكسروا بعد ذلك في غزواتكم بأن يرجف مرجف أن محمدا قد قتل .
الرابع : أن يكون الإذن بمعنى العلم ومعناه أن نفسا لن تموت إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه ، وإذا جاء ذلك الوقت لزم الموت ، كما قال { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } الخامس : قال ابن عباس : الإذن هو قضاء الله وقدره ، فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئته وإرادته فيجعل ذلك على سبيل التمثيل ، كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الله .
المسألة الثالثة : قال الأخفش والزجاج : اللام في { وما كان لنفس } معناها النفي ، والتقدير وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله .
المسألة الرابعة : دلت الآية على أن المقتول ميت بأجله ، وأن تغيير الآجال ممتنع .
وقوله تعالى : { كتابا مؤجلا } فيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { كتابا مؤجلا } منصوب بفعل دل عليه ما قبله فإن قوله : { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } قام مقام أن يقال : كتب الله ، فالتقدير كتب الله كتابا مؤجلا ونظيره قوله : { كتاب الله عليكم } لأن في قوله { حرمت عليكم أمهاتكم } دلالة على أنه كتب هذا التحريم عليكم ومثله : { صنع الله } و { وعد الله } و { فطرة الله } ، و { صبغة الله } .
المسألة الثانية : المراد بالكتاب المؤجل الكتاب المشتمل على الآجال ، ويقال : إنه هو اللوح المحفوظ ، كما ورد في الأحاديث أنه تعالى قال للقلم «أكتب فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة » .
واعلم أن جميع الحوادث لا بد أن تكون معلومة لله تعالى ، وجميع حوادث هذا العالم من الخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة لا بد وأن تكون مكتوبة في اللوح المحفوظ ، فلو وقعت بخلاف علم الله لانقلب علمه جهلا ، ولانقلب ذلك الكتاب كذبا ، وكل ذلك محال ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن الكل بقضاء الله وقدره . وقد ذكر بعض العلماء هذا المعنى في تفسير هذه الآية وأكده بحديث الصادق المصدوق ، وبالحديث المشهور من قوله عليه السلام «فحج آدم موسى » قال القاضي : أما الأجل والرزق فهما مضافان إلى الله ، وأما الكفر والفسق والإيمان والطاعة فكل ذلك مضاف إلى العبد ، فإذا كتب تعالى ذلك فإنما يكتب بعلمه من اختيار العبد ، وذلك لا يخرج العبد من أن يكون هو المذموم أو الممدوح .
واعلم أنه ما كان من حق القاضي أن يتغافل عن موضع الإشكال ، وذلك لأنا نقول : إذا علم الله من العبد الكفر وكتب في اللوح المحفوظ منه الكفر ، فلو أتى بالإيمان لكان ذلك جمعا بين المتناقضين ، لأن العلم بالكفر والخبر الصدق عن الكفر مع عدم الكفر جمع بين النقيضين وهو محال ، وإذا كان موضع الإلزام هو هذا فأنى ينفعه الفرار من ذلك إلى الكلمات الأجنبية عن هذا الإلزام .
وأما قوله تعالى : { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين } .
فاعلم أن الذين حضروا يوم أحد كانوا فريقين ، منهم من يريد الدنيا ، ومنهم من يريد الآخرة كما ذكره الله تعالى فيما بعد من هذه السورة ، فالذين حضروا القتال للدنيا ، هم الذين حضروا لطلب الغنائم والذكر والثناء ، وهؤلاء لا بد وأن ينهزموا ، والذين حضروا للدين ، فلا بد وأن لا ينهزموا ثم أخبر الله تعالى في هذه الآية أن من طلب الدنيا لا بد وأن يصل إلى بعض مقصوده ومن طلب الآخرة فكذلك ، وتقريره قوله عليه السلام : «إنما الأعمال بالنيات » إلى آخر الحديث .
واعلم أن هذه الآية وأن وردت في الجهاد خاصة ، لكنها عامة في جميع الأعمال ، وذلك لأن المؤثر في جلب الثواب ، والعقاب المقصود والدواعي لا ظواهر الأعمال ، فإن من وضع الجبهة على الأرض في صلاة الظهر والشمس قدامه ، فإن قصد بذلك السجود عبادة الله تعالى كان ذلك من أعظم دعائم الإسلام ، وإن قصد به عبادة الشمس كان ذلك من أعظم دعائم الكفر . وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أن الله تعالى يقول يوم القيامة لمقاتل في سبيل الله «في ماذا قتلت فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول تعالى : كذبت بل أردت أن يقال فلان محارب وقد قيل ذلك » ثم إن الله تعالى يأمر به إلى النار .
{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } استئناف سيق للحض على الجهاد واللوم على تركه خشية القتل مع قطع عذر المنهزمين خشية ذلك بالكلية . ويجوز أن يكون تسلية عما لحق الناس بموت النبي صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى أنه عليه السلام كغيره لا يموت إلا بإذن الله تعالى فلا عذر لأحد بترك دينه بعد موته . والمراد بالنفس الجنس وتخصيصها بالنبي عليه الصلاة والسلام كما روي عن ابن إسحق ليس بشيء ، والموت هنا أعم من الموت حتف الأنف والموت بالقتل ، كما سنحققه ، وكان ناقصة اسمها أن تموت ولنفس متعلق بمحذوف وقع خبراً لها ، والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب . وذهب أبو البقاء إلى أن ( بإذن الله ) خبر كان ولنفس متعلق بها واللام للتبيين ، ونقل عن بعضهم أن الجار متعلق بمحذوف تقديره الموت لنفس ، و { أَنْ تَمُوتَ } تبيين للمحذوف ، وحكي عن الزجاج وبعض عن الأخفش أن التقدير وما كان نفس لتموت ثم قدمت اللام وكل هذه الأقوال أوهن من الوهن لا سيما الأخير ، والمعنى ما كان الموت حاصلاً لنفس من النفوس مطلقاً بسبب من الأسباب إلا بمشيئة الله تعالى وتيسيره .
و الإذن مجاز عن ذلك لكونه من لوازمه ، وظاهر التركيب يدل على أن الموت من الأفعال التي قدم عليها اختياراً فقد شاع استعمال ما كان لزيد أن يفعل كذا فيما إذا كان ذلك الفعل اختيارياً لكن الظاهر هنا متروك بأن يجعل ذلك من باب التمثيل ؛ بأن صور الموت بالنسبة إلى النفوس بصورة الفعل الاختياري الذي لا يقدم عليه إلا بالإذن . والمراد عدم القدرة عليه ، أو بتنزيل إقدام النفوس على مباديه كالقتال مثلاً منزلة الإقدام عليه نفسه للمبالغة أو تحقيق المرام فإن موتها لما استحال وقوعه عند إقدامها عليه أو على مباديه وسعيها في إيقاعه فلأن يستحيل عند عدم ذلك أولى وأظهر ، ويجوز على هذا أن يبقى الإذن على حقيقته ومفعوله مقدر للعلم به ، والمراد بإذنه تعالى إذنه لملك الموت فإنه الذي يقبض روح كل ذي روح بشراً كان أولا ، شهيداً كان أو غير شهيد ، براً أو بحراً حتى قيل : إنه يقبض روح نفسه ، واستثنى بعضهم أرواح شهداء البحر فإن الله تعالى هو الذي يقبضها بلا واسطة واستدل بحديث جويبر وهو ضعيف جداً وفيه من طريق الضحاك انقطاع ، وذهب المعتزلة إلى أن ملك الموت إنما يقبض أرواح الثقلين دون غيرهم ، وقال بعض المبتدعة : إنه يقبض الجميع سوى أرواح البهائم فإن أعوانه هم الذين يقبضونها ولا تعارض بين { الله يَتَوَفَّى الانفس حِينَ مِوْتِهَا } [ الزمر : 42 ] و { يتوفاكم مَّلَكُ الموت }
[ السجدة : 11 ] و { تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } [ الأنعام : 61 ] لأن إسناد ذلك له تعالى بطريق الخلق والإيجاد الحقيقي ، وإلى الملك لأنه المباشر له ، وإلى الرسل لأنهم أعوانه المعالجون للنزع من العصب والعظم واللحم والعروق .
{ كتابا } مصدر مؤكد لعامله المستفاد من الجملة السابقة والمعنى كتب ذلك الموت المأذون فيه كتاباً { مُّؤَجَّلاً } أي موقتاً بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر ، وقيل : حكماً لازماً مبرماً وهو صفة كتاباً ولا يضر التوصيف بكون المصدر مؤكداً بناءاً على أنه معلوم مما سبق وليس كل وصف يخرج عن التأكيد ، ولك لما في ذلك من الخفاء أن تجعل المصدر لوصفه مبيناً للنوع وهو أولى من جعله مؤكداً ، وجعل { مُّؤَجَّلاً } حالاً من الموت لا صفة له لبعد ذلك غاية البعد فتدبر . وقرىء { موجلاً } بالواو بدل الهمزة على قياس التخفيف .
وظاهر الآية يؤيد مذهب أهل السنة القائلين أن المقتول ميت بأجله أي بوقته المقدر له وأنه لو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت من غير قطع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل إذ على تقدير عدم القتل لا قطع بوجود الأجل وعدمه فلا قطع بالموت ولا بالحياة ، وخالف في ذلك المعتزلة فذهب الكعبي منهم إلى أن المقتول ليس بميت لأن القتل فعل العبد والموت فعل الله سبحانه أي مفعوله وأثر صفته ، وأن للمقتول أجلين : أحدهما : القتل والآخر : الموت وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجله الذي هو الموت ، وذهب أبو الهذيل إلى أن المقتول لو لم يقتل لمات ألبتة في ذلك الوقت . وذهب الجمهور منهم إلى أن القاتل قد قطع على المقتول أجله وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أمد هو أجله الذي علم الله تعالى موته فيه لولا القتل ، وليس النزاع بين الأصحاب والجمهور لفظياً كما رآه الأستاذ وكثير من المحققين ؛ حيث قالوا : إنه إذا كان الأجل زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكان المقتول ميتاً بأجله بلا خلاف من المعتزلة في ذلك ؛ إذ هم لا ينكرون كون المقتول ميتاً بالأجل الذي علمه الله تعالى وهو الأجل بسبب القتل ، وإن قيد بطلان الحياة بأن لا يترتب على فعل من العبد لم يكن كذلك بلا خلاف من الأصحاب فيه إذ هم يقولون بعدم كون المقتول ميتاً بالأجل غير المرتب على فعل العبد لأنا نقول حاصل النزاع أن المراد بأجل المقتول المضاف إليه زمان بطلان حياته بحيث لا محيص عنه ولا تقدم ولا تأخر على ما يشير إليه قوله تعالى : { أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [ الأعراف : 34 ] ويرجع الخلاف إلى أنه هل تحقق ذلك في حق المقتول ، أم المعلوم في حقه أنه إن قتل مات وإن لم يقتل يعش ، كذا في «شرح المقاصد » ، ولعله جواب باختيار الشق الأول ، وهو أن المراد زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكنه لا مطلقاً بل على ما علمه تعالى وقدره بطريق القطع وحينئذٍ يصلح محلاً للخلاف لأنه لا يلزم من عدم تحقق ذلك في المقتول كما يقوله المعتزلة تخلف العلم عن المعلوم لجواز أن يعلم تقدم موته بالقتل مع تأخر الأجل الذي لا يمكن تخلفه عنه ، وقد يقال : إنه يمكن أن يكون جواباً باختيار شق ثالث وهو المقدر بطريق القطع إذ لا تعرض في تقرير الجواب للعلم والمقدر أخص من الأجل المعلوم مطلقاً والفرق بينه وبين كونه جواباً باختيار الأول لكن لا مطلقاً اعتبار قيد العلم في الأجل الذي هو محل النزاع على تقدير اختيار الأول وعدم اعتباره فيه ، على اختيار الثالث ، وإن كان معلوماً في الواقع أيضاً فافهم ، ثم إن أبا الحسين ومن تابعه يدعون الضرورة في هذه المسألة وكذا الجمهور في رأي البعض ، وعند البعض الآخر هي عندهم استدلالية .
واحتجوا على مذهبهم بالأحاديث الواردة في أن بعض الطاعات تزيد في العمر وبأنه لو كان المقتول ميتاً بأجله لم يستحق القاتل ذماً ولا عقاباً ولم يتوجه عليه قصاص ولا غرم دية ولا قيمة في ذبح شاة الغير ؛ لأنه لم يقطع أجلاً ولم يحدث بفعله موتاً ، وبأنه ربما يقتل في الملحمة والحرب ألوف تقضي العادة بامتناع اتفاق موتهم في ذلك الوقت بآجالهم ، وتمسك أبو الهذيل بأنه لو لم يمت المقتول لكان القاتل قاطعاً لأجل قدره الله تعالى ومغيراً لأمر علمه وهو محال ، والكعبي بقوله تعالى : { أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } [ آل عمران : 144 ] حيث جعل القتل قسيماً للموت بناءاً على أن المراد بالقتل المقتولية وأنها نفس بطلان الحياة وأن الموت خاص بما لا يكون على وجه القتل ومتى كان الموت غير القتل كان للمقتول أجلان : أحدهما : القتل ، والآخر : الموت .
وأجيب عن متمسك الأولين : الأول : بأن تلك الأحاديث أخبار آحاد فلا تعارض الآيات القطعية كقوله تعالى : { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [ الأعراف : 34 ] أو بأن المراد من أن الطاعة تزيد في العمر أنها تزيد فيما هو المقصود الأهم منه وهو اكتساب الكمالات والخيرات والبركات التي بها تستكمل النفوس الإنسانية وتفوز بالسعادة الأبدية ، أو بأن العمر غير الأجل ؛ لأنه لغة ، الوقت ، وأجل الشيء يقال لجميع مدته ولآخرها كما يقال أجل الدين شهران أو آخر شهر كذا ، ثم شاع استعماله في آخر مدة الحياة ، ومن هنا يفسر بالوقت الذي علم الله تعالى بطلان حياة الحيوان عنده على ما قررناه . والعمر لغة مدة الحياة كعمر زيد كذا ومدة البقاء كعمر الدنيا وكثيراً ما يتجوز به عن مدة بقاء ذكر الناس الشخص للخير بعد موته ، ومنه قولهم : ذكر الفتى عمره الثاني ؛ ومن هنا يقال لمن مات وأعقب ذكراً حسناً وأثراً جميلاً : ما مات ، فلعله أراد صلى الله عليه وسلم أن تلك الطاعات تزيد في هذا العمر لما أنها تكون سبباً للذكر الجميل ، وأكثر ما ورد ذلك في الصدقة وصلة الرحم ، وكونهما مما يترتب عليهما ثناء الناس مما لا شبهة فيه قيل : ولهذا لم يقل صلى الله عليه وسلم في ذلك إنه يزيد في الأجل ، أو بأن الله تعالى كان يعلم أن هذا المطيع لو لم يفعل هذه الطاعة لكان عمره أربعين مثلاً لكنه علم أنه يفعلها ويكون عمره سبعين سنة فنسبة هذه الزيادة إلى تلك الطاعة بناءاً على علم الله تعالى أنه لولاها لما كانت هذه الزيادة .
ومحصل هذا أنه سبحانه قدر عمره سبعين بحيث لا يتصور التقدم والتأخر عنه لعلمه بأن طاعته تصير سبباً لثلاثين فتصير مع أربعين من غير الطاعة سبعين ، وليس محصل ذلك أنه تعالى قدره سبعين على تقدير وأربعين على تقدير حتى يلزم تعدد الأجل ، والأصحاب لا يقولون به . والثاني : بأن استحقاق الذم والعقاب وتوجه القصاص أو غرم الدية مثلاً على القاتل ، ليس بما يثبت في المحل من الموت بل هو بما اكتسبه وارتكبه من الإقدام على الفعل المنهي عنه الذي يخلق الله تعالى به الموت كما في سائر الأسباب والمسببات لا سيما عند ظهور أمارات البقاء وعدم ما يظن معه حضور الأجل حتى لو علم موت شاة بإخبار صادق معصوم ، أو ظهرت الإمارات المفيدة لليقين لم يضمن عند بعض الفقهاء ، والثالث : بأن العادة منقوضة أيضاً بحصول موت ألوف في وقت واحد من غير قتال ولا محاربة كما في أيام الوباء مثلاً على أن التمسك بمثل هذا الدليل في مثل هذا المطلب في غاية السقوط .
وأجيب عن متمسك أبي الهذيل بأن عدم القتل إنما يتصور على تقدير علم الله تعالى بأنه لا يقتل وحينئذٍ لا نسلم لزوم المحال وبأنه لا استحالة في قطع الأجل المقدر الثابت لولا القتل لأنه تقرير للمعلوم لا تغيير له ، وعن متمسك الكعبي المخالف للمعتزلة والأشاعرة في إثبات الأجلين ؛ بأن القتل قائم بالقاتل وحال له لا للمقتول وإنما حاله الموت وانزهاق الروح الذي هو بإيجاد الله تعالى وإذنه ومشيئته وإرادة المقتولية المتولدة عن قتل القاتل بالقتل وهي حال المقتول إذ هي بطلان الحياة والتخصيص بما لا يكون على وجه القتل على ما يشعر به { أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } [ آل عمران : 144 ] خلاف مذهبه من إنكار القضاء والقدر في أفعال العباد إذ بطلان الحياة المتولد من قتل القاتل أجل قدره الله تعالى وعينه وحدده ، ومعنى الآية كما أشرنا إليه ، أفئن مات حتف أنفه بلا سبب ، أو مات بسبب القتل ، فتدل على أن مجرد بطلان الحياة موت ومن هنا قيل : إن في المقتول معنيين : قتلاً هو من فعل الفاعل ، وموتاً هو من الله تعالى وحده .
وذهبت الفلاسفة إلى مثل ما ذهب إليه الكعبي من تعدد الأجل فقالوا : إن للحيوان أجلاً طبيعياً بتحلل رطوبته وانطفاء حرارته الغريزيتين وآجالاً اخترامية تتعدد بتعدد أسباب لا تحصى من الأمراض والآفات ، وبيانه ، أن الجواهر التي غلبت عليها الأجزاء الرطبة ركبت مع الحرارة الغريزية فصارت لها بمنزلة الدهن للفتيلة المشعلة وكلما انتقصت تلك الرطوبات تبعتها الحرارة الغريزية في ذلك حتى إذا انتهت في الانتقاص وتزايد الجفاف انطفأت الحرارة كانطفاء السراج عند نفاد دهنه فحصل الموت الطبيعي وهو مختلف بحسب اختلاف الأمزجة وهو في الإنسان في الأغلب تمام مائة وعشرين سنة . وقد يعرض من الآفات مثل البرد المجمد والحرب المذوب وأنواع السموم وأنواع تفرق الاتصال وسوء المزاج ما يفسد البدن ويخرجه عن صلاحه لقبول الحياة إذ شرطها اعتدال المزاج فيهلك بسببه وهذا هو الأجل الاحترامي ، ويرد ذلك أنه مبني على قواعدهم من تأثير الطبيعة والمزاج وهو باطل عندنا ؛ إذ لا تأثير إلا له سبحانه وتلك الأمور عندنا أسباب عادية لا عقلية كما زعموا .
وادعى بعض المحققين أن النزاع بيننا وبين الفلاسفة كالنزاع بيننا وبين المعتزلة على رأي الأستاذ لفظي ؛ إذ هم لا ينكرون القضاء والقدر فالوقت الذي علم الله تعالى بطلان الحياة فيه بأي سبب كان ، واحد عندهم أيضاً ، وما ذكروه من الأجل الطبيعي نحن لا ننكره أيضاً لكنهم يجعلون اعتدال المزاج واستقامة الحرارة والرطوبة ونحو ذلك شروطاً حقيقة عقلية لبقاء الحياة ونحن نجعلها أسباباً عادية وذلك بحث آخر وسيأتي تتمة الكلام على هذه المسألة ؛ إذ الأمور مرهونة لأوقاتها ولكل أجل كتاب .
{ وَمَن يُرِدِ } أي بعمله كالجهاد { ثَوَابَ الدنيا } كالغنيمة { نُؤْتِهِ } بنون العظمة على طريق الالتفات { مِنْهَا } أي شيئاً من ثوابها إن شئنا فهو على حدّ قوله تعالى : { مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فيها مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } [ الإسراء : 18 ] وهذا تعريض بمن شغلتهم الغنائم يوم أحد عن مصلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم تفصيل ذلك . { وَمَن يُرِدِ } أي بعمله كالجهاد أيضاً والذبّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . { ثَوَابَ الاخرة } مما أعدّ الله تعالى لعباده فيها من النعيم { نُؤْتِهِ مِنْهَا } أي من ثوابها ما نشاء حسبما جرى به قلم الوعد الكريم ، وهذا إشارة إلى مدح الثابتين يومئذٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والآية وإن نزلت في الجهاد خاصة ، لكنها عامة في جميع الأعمال .
{ وَسَنَجْزِى * الشاكرين } يحتمل أنه أريد بهم المريدون للآخرة ، ويحتمل أنه أريد بهم جنس الشاكرين وهم داخلون فيه دخولاً أولياً .
والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ووعد بالمزيد عليه وفي تصديرها بالسين وإبهام الجزاء من التأكيد والدلالة على فخامة شأن الجزاء وكونه بحيث يضيق عنه نطاق البيان ما لا يخفى ، وبذلك جبر اتحاد العبادتين في شأن الفريقين واتضح الفرق لذي عينين ، وقرئت الأفعال الثلاثة بالياء .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ } هذا الموت المعلوم ، أو الموت عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } ومشيئته ، أو جذبه باشراق نوره { وَمَن يُرِدِ } بمقتضى استعداده { ثَوَابَ الدنيا } جزاءاً لعمله { نُؤْتِهِ مِنْهَا } حسبما تقتضيه الحكمة { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة } جزاءاً لعمله { نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشاكرين } [ آل عمران : 145 ] ولعلهم الذين لم يريدوا الثوابين ولم يكن لهم غرض سوى العبودية ، وأبهم جزاءهم ؛ للإشارة إلى أنه أمر وراء العبارة ولعله تجلى الحق لهم وهذا غاية متمني المحبين ونهاية مطلب السالكين ، نسأل الله تعالى رضاه وتوفيقه .