قوله تعالى : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم }
واعلم أن المقصود من هذه الآية تعليم حكم آخر من أحكام الغزو والجهاد في حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أبو عمر { وتكون } بالتاء والباقون بالياء ، أما قراءة أبي عمرو بالتاء فعلى لفظ الأسرى ، لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير للرجال فهو مؤنث اللفظ ، وأما القراءة بالياء فلأن الفعل متقدم ، والأسرى مذكرون في المعنى ، وقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل وكل واحد من هذه الثلاثة إذا انفرد أوجب تذكير الفعل كقولك جاء الرجال وحضر قبيلتك وحضر القاضي امرأة . فإذا اجتمعت هذه الأشياء كان التذكير أولى . وقال صاحب «الكشاف » : قرئ للنبي صلى الله عليه وسلم على التعريف و{ أسارى } و{ يثخن } بالتشديد .
المسألة الثانية : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسبعين أسيرا ، فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب فاستشار أبا بكر فيهم فقال : قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك ، فقام عمر وقال : كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم . فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء . فمكن عليا من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان ينسب له فنضرب أعناقهم . فقال عليه الصلاة والسلام : " إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } ومثل عيسى في قوله : { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ومثلك يا عمر مثل نوح { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } ومثل موسى حيث قال : { ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم } " ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قول أبي بكر . روي أنه قال لعمر يا أبا حفص وذلك أول ما كناه ، تأمرني أن أقتل العباس ، فجعل عمر يقول : ويل لعمر ثكلته أمه ، وروي أن عبد الله بن رواحة أشار بأن تضرم عليهم نار كثيرة الحطب فقال له العباس قطعت رحمك . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا تخرجوا أحدا منهم إلا بفداء أو بضرب العنق " فقال ابن مسعود : إلا سهيل بن بيضاء ، فإني سمعته يذكر الإسلام . فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد خوفي . ثم قال من بعد : «إلا سهيل بن بيضاء » وعن عبيدة السلماني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقوم : إن شئتم قتلتموهم ، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم "
فقالوا : بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد . وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس أربعين أوقية ، وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهما أو ستة دنانير . وروي أنهم أخذوا الفداء نزلت هذه الآية فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال : يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت ، فقال أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة -لشجرة قريبة منه- ولو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ . هذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية .
المسألة الثالثة : تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه :
الوجه الأول : أن قوله تعالى : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } صريح في أن هذا المعنى منهي عنه ، وممنوع من قبل الله تعالى . ثم إن هذا المعنى قد حصل ، ويدل عليه وجهان : الأول : قوله تعالى بعد هذه الآية : { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى } الثاني : أن الرواية التي ذكرناها قد دلت على أنه عليه الصلاة والسلام ما قتل أولئك الكفار ، بل أسرهم ، فكان الذنب لازما من هذا الوجه .
الوجه الثاني : أنه تعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام وجميع قومه يوم بدر بقتل الكفار وهو قوله : { فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } وظاهر الأمر للوجوب ، فلما لم يقتلوا بل أسروا كان الأسر معصية .
الوجه الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ الفداء ، وكان أخذ الفداء معصية ، ويدل عليه وجهان : الأول : قوله تعالى : { تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة } وأجمع المفسرون على أن المراد من عرض الدنيا ههنا هو أخذ الفداء . والثاني : قوله تعالى : { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } وأجمعوا على أن المراد بقوله : { أخذتم } ذلك الفداء .
الوجه الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بكيا ، وصرح الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء ، وذلك يدل على أنه مذنب .
الوجه الخامس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إن العذاب قرب نزوله ولو نزل لما نجا منه إلا عمر » وذلك يدل على الذنب ، فهذه جملة وجوه تمسك القوم بهذه الآية .
والجواب عن الوجه الذي ذكروه أولا : أن قوله : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } يدل على أنه كان الأسر مشروعا ، ولكن بشرط سبق الإثخان في الأرض ، والمراد بالإثخان هو القتل والتخويف الشديد ، ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقا عظيما ، وليس من شرط الإثخان في الأرض قتل جميع الناس . ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا جماعة ، والآية تدل على أن بعد الإثخان يجوز الأسر فصارت هذه الآية دالة دلالة بينة على أن ذلك الأسر كان جائزا بحكم هذه الآية ، فكيف يمكن التمسك بهذه الآية في أن ذلك الأسر كان ذنبا ومعصية ؟ ويتأكد هذا الكلام بقوله تعالى : { حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء } .
فإن قالوا : فعلى ما شرحتموه دلت الآية على أن ذلك الأسر كان جائزا والإتيان بالجائز المشروع لا يليق ترتيب العقاب عليه ، فلم ذكر الله بعده ما يدل على العقاب ؟ فنقول : الوجه فيه أن الإثخان في الأرض ليس مضبوطا بضابط معلوم معين ، بل المقصود منه إكثار القتل بحيث يوجب وقوع الرعب في قلوب الكافرين ، وأن لا يجترئوا على محاربة المؤمنين ، وبلوغ القتل إلى هذا الحد المعين لا شك أنه يكون مفوضا إلى الاجتهاد ، فلعله غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أن ذلك القدر من القتل الذي تقدم كفى في حصول هذا المقصود ، مع أنه ما كان الأمر كذلك فكان هذا خطأ واقعا في الاجتهاد في صورة ليس فيها نص ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين . فحسن ترتيب العقاب على ذكر هذا الكلام لهذا السبب ، مع أن ذلك لا يكون البتة ذنبا ولا معصية .
والجواب عن الوجه الذي ذكروه ثانيا أن نقول : إن ظاهر قوله تعالى : { فاضربوا فوق الأعناق } أن هذا الخطاب إنما كان مع الصحابة لإجماع المسلمين على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان مأمورا أن يباشر قتل الكفار بنفسه ، وإذا كان هذا الخطاب مختصا بالصحابة ، فهم لما تركوا القتل وأقدموا على الأسر ، كان الذنب صادرا منهم لا من الرسول صلى الله عليه وسلم . ونقل أن الصحابة لما هزموا الكفار وقتلوا منهم جمعا عظيما والكفار فروا ذهب الصحابة خلفهم وتباعدوا عن الرسول وأسروا أولئك الأقوام ، ولم يعلم الرسول بإقدامهم على الأسر إلا بعد رجوع الصحابة إلى حضرته ، وهو عليه السلام ما أسر وما أمر بالأسر ، فزال هذا السؤال .
فإن قالوا : هب أن الأمر كذلك ، لكنهم لما حملوا الأسارى إلى حضرته فلم لم يأمر بقتلهم امتثالا لقوله تعالى : { فاضربوا فوق الأعناق } .
قلنا : إن قوله : { فاضربوا } تكليف مختص بحالة الحرب عند اشتغال الكفار بالحرب ، فأما بعد انقضاء الحرب فهذا التكليف ما كان متناولا له . والدليل القاطع عليه أنه عليه الصلاة والسلام استشار الصحابة في أنه بماذا يعاملهم ؟ ولو كان ذلك النص متناولا لتلك الحالة ، لكان مع قيام النص القاطع تاركا لحكمه وطالبا ذلك الحكم من مشاورة الصحابة ، وذلك محال ، وأيضا فقوله : { فاضربوا فوق الأعناق } أمر ، والأمر لا يفيد إلا المرة الواحدة ، وثبت بالإجماع أن هذا المعنى كان واجبا حال المحاربة فوجب أن يبقى عديم الدلالة على ما وراء وقت المحاربة ، وهذا الجواب شاف .
والجواب عما ذكروه ثالثا ، وهو قولهم : إنه عليه الصلاة والسلام حكم بأخذ الفداء ، وأخذ الفداء محرم . فنقول : لا نسلم أن أخذ الفداء محرم .
وأما قوله : { تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة } فنقول هذا لا يدل على قولكم ، وبيانه من وجهين : الأول : أن المراد من هذه الآية حصول العتاب على الأسر لغرض أخذ الفداء ، وذلك لا يدل على أن أخذ الفداء محرم مطلقا . الثاني : أن أبا بكر رضي الله عنه قال الأولى : أن نأخذ الفداء لتقوى العسكر به على الجهاد ، وذلك يدل على أنهم إنما طلبوا ذلك الفداء للتقوي به على الدين ، وهذه الآية تدل على ذم من طلب الفداء لمحض عرض الدنيا ولا تعلق لأحد البابين بالثاني . وهذان الجوابان بعينهما هما الجوابان عن تمسكهم بقوله تعالى : { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } .
والجواب عما ذكروه رابعا : أن بكاء الرسول عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون لأجل أن بعض الصحابة لما خالف أمر الله في القتل ، واشتغل بالأسر استوجب العذاب ، فبكى الرسول عليه الصلاة والسلام خوفا من نزول العذاب عليهم ، ويحتمل أيضا ما ذكرناه أنه عليه الصلاة والسلام اجتهد في أن القتل الذي حصل هل بلغ مبلغ الإثخان الذي أمره الله به في قوله : { حتى يثخن في الأرض } ووقع الخطأ في ذلك الاجتهاد ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فأقدم على البكاء لأجل هذا المعنى .
والجواب عما ذكروه خامسا : أن ذلك العذاب إنما نزل بسبب أن أولئك الأقوام خالفوا أمر الله بالقتل ، وأقدموا على الأسر حال ما وجب عليهم الاشتغال بالقتل ، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة . والله أعلم .
المسألة الرابعة : في شرح الألفاظ المشكلة في هذه الآية .
أما قوله : { ما كان لنبي أن تكون له أسرى } فلقائل أن يقول : كيف حسن إدخال لفظة كان على لفظة تكون في هذه الآية .
والجواب : قوله { ما كان } معناه النفي والتنزيه ، أي ما يجب وما ينبغي أن يكون له المعنى المذكور ونظيره ما كان لله أن يتخذ من ولد قال أبو عبيدة . يقول : لم يكن لنبي ذلك ، فلا يكون لك ، وأما من قرأ { ما كان للنبي } فمعناه : أن هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي ، وهو محمد عليه الصلاة والسلام . قال الزجاج : { أسرى } جمع ، و{ أسارى } جمع الجمع . قال ولا أعلم أحدا قرأ { أسارى } وهي جائزة كما نقلنا عن صاحب «الكشاف » : أنه نقل أن بعضهم قرأ به وقوله : { حتى يثخن في الأرض } فيه بحثان :
البحث الأول : قال الواحدي : الإثخان في كل شيء عبارة عن قوته وشدته ، يقال : قد أثخنه المرض إذا اشتد قوة المرض عليه ، وكذلك أثخنه الجراح ، والثخانة الغلظة فكل شيء غليظ ، فهو ثخين . فقوله : { حتى يثخن في الأرض } معناه حتى يقوى ويشتد ويغلب ويبالغ ويقهر ، ثم إن كثيرا من المفسرين . قالوا المراد منه : أن يبالغ في قتل أعدائه . قالوا وإنما حملنا اللفظ عليه لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل . قال الشاعر :
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى *** حتى يراق على جوانبه الدم
ولأن كثرة القتل توجب قوة الرعب وشدة المهابة ، وذلك يمنع من الجراءة ، ومن الإقدام على ما لا ينبغي ، فلهذا السبب أمر الله تعالى بذلك .
البحث الثاني : أن كلمة { حتى } لانتهاء الغاية . فقوله : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } يدل على أن بعد حصول الإثخان في الأرض له أن يقدم على الأسر .
أما قوله : { تريدون عرض الدنيا } فالمراد الفداء ، وإنما سمى منافع الدنيا ومتاعها عرضا ، لأنه لا ثبات له ولا دوام ، فكأنه يعرض ثم يزول ، ولذلك سمى المتكلمون الأعراض أعراضا ، لأنه لا ثبات لها كثبات الأجسام لأنها تطرأ على الأجسام ، وتزول عنها مع كون الأجسام باقية ، ثم قال : { والله يريد الآخرة } يعني أنه تعالى لا يريد ما يفضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول وإنما يريد ما يفضي إلى السعادات الأخروية الباقية الدائمة المصونة عن التبديل والزوال . واحتج الجبائي والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول : لا كائن من العبد إلا والله يريده لأن هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه ، ونص الله على أنه لا يريده بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة دون ما يكون فيه عصيان .
وأجاب أهل السنة عنه بأن قالوا : إنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأسر منهم طاعة ، وعملا جائزا مأذونا . ولا يلزم من نفي إرادة كون هذا الأسر طاعة ، نفي كونه مراد الوجود ، وأما الحكماء فإنهم يقولون الشيء مراد بالعرض مكروه بالذات .
ثم قال : { والله عزيز حكيم } والمراد أنكم إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب حكيم في تدبير مصالح العالم . قال ابن عباس : هذا الحكم إنما كان يوم بدر ، لأن المسلمين كانوا قليلين ، فلما كثروا وقوي سلطانهم أنزل الله بعد ذلك في الأسارى { حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها } وأقول إن هذا الكلام يوهم أن قوله : { فإما منا بعد وإما فداء } يزيد على حكم الآية التي نحن في تفسيرها ، وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين متوافقتان ، فإن كلتاهما يدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان ، ثم بعده أخذ الفداء .
{ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ } قرأ أبو الدرداء . وأبو حيوة { لِلنَّبِىّ } بالتعريف والمراد به نبينا / صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام المراد أيضاً على قراءة الجمهور عند البعض ، وإنما عبر بذلك تلطفاً به صلى الله عليه وسلم حتى لا يوجه بالعتاب ، ولذا قيل : إن ذاك على تقدير مضاف أي لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى الآتي : { تُرِيدُونَ } ولو قصد بخصوصه عليه الصلاة والسلام لقيل : تريد ، ولأن الأمور الواقعة في القصة صدرت منهم لا منه صلى الله عليه وسلم وفيه نظر ظاهر ، والظاهر أن المراد على قراءة الجمهور العموم ولا يبعد اعتباره على القراءة الأخرى أيضاً وهو أبلغ لما فيه من بيان أن ما يذكر سنة مطردة فيما بين الأنبياء عليهم السلام ، أي ما صح وما استقام لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أي ما صح وما استقام لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام { أَن يَكُونَ لَهُ أسرى } .
قرأ أبو عمرو . ويعقوب { تَكُونُ } بالتاء الفوقية اعتباراً لتأنيث الجمع ، وعن أبي جعفر أنه قرأ أيضاً { أسارى } قال أبو علي : وقراءة الجماعة أقيس لأن أسيرا فعيل بمعنى مفعول ، والمطرد فيه جمعه على فعلى كجريح وجرحى وقتيل وقتلى ، ولذا قالوا في جمعه على أسارى : إنه على تشبيه فعيل بفعلان ككسلان وكسالى ، وهذا كما قالوا كسلى تشبيهاً لفعلان بفعيل ونسب ذلك إلى الخليل ، وقال الأزهري : إنه جمع أسرى فيكون جمع الجمع ، واختار ذلك الزجاج وقال : إن فعلى جمع لكل من أصيب في بدنه أو في عقله كمريض ومرضى وأحمق وحمقى { حتى يُثْخِنَ فِي الارض } أي يبالغ في القتل ويكثر منه حتى يذل الكفر ويقل حزبه ويعز الإسلام ويستولي أهله ، وأصل معنى الثخانة الغلظ والكثافة في الأجسام ثم استعير للمبالغة في القتل والجراحة لأنها لمنعها من الحركة صيرته كالثخين الذي لا يسيل ، وقيل : إن الاستعارة مبنية على تشبيه المبالغة المذكورة بالثخانة في أن في كل منهما شدة في الجملة ، وذكر في الأرض للتعميم ، وقرىء { يُثْخِنَ } بالتشديد للمبالغة في المبالغة { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا } استئناف مسوق للعتاب ، والعرض ما لا ثبات له ولو جسماً . وفي الحديث «الدنيا عرض حاضر » أي لا ثبات لها ، ومنه استعاروا العرض المقابل للجوهر ، أي تريدون حطام الدنيا بأخذكم الفدية ، وقرىء { يُرِيدُونَ } بالياء ، والظاهر أن ضمير الجمع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم { والله يُرِيدُ الاخرة } أي يريد لكم ثواب الآخرة أو سبب نيل الآخرة من الطاعة بإعزاز دينه وقمع أعدائه ، فالكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وذكر نيل في الاحتمال الثاني قيل : للتوضيح لا لتقدير مضافين ، والإرادة هنا بمعنى الرضا ، وعبر بذلك للمشاكلة فلا حجة في الآية على عدم وقوع مراد الله تعالى كما يزعمه المعتزلة ، وزيادة لكم لأنه المراد ، وقرأ سليمان بن جماز المدني { الاخرة } بالجر وخرجت على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على جره ، وقدره أبو البقاء عرض الآخرة وهو من باب المشاكلة وإلا فلا يحسن لأن أمور الآخرة مستمرة ، ولو قيل : إن المضاف المحذوف على القراءة الأولى ذلك لذلك أيضاً لم يبعد ، وقدر بعضهم هنا كما قدرنا هناك من الثواب أو السبب ، ونظير ما ذكر قوله :
أكل امرىء تحسبين أمرأ *** ونار توقد في الليل ناراً
في رواية من جرنار الأولى ، وأبو الحسن يحمله على العطف على معمولي عاملين مختلفين { والله عَزِيزٌ } يغلب أولياءه على أعدائه { حَكِيمٌ } يعلم ما يليق بكل حال ويخصه بها كما أمر بالإثخان ونهى عن أخذ الفدية حيث كان الإسلام غضاً وشوكة أعدائه قوية ، وخير بينه وبين المن بقوله تعالى : { فإمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } [ محمد : 4 ] لما تحولت الحال واستغلظ زرع الإسلام واستقام على سوقه .
/ أخرج أحمد . والترمذي وحسنه . والطبراني . والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : «لما كان يوم بدر جىء بالأسارى وفيهم العباس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ترون في هؤلاء الأسارى ؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم لعل الله تعالى أن يتوب عليهم ، وقال عمر رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله كذبوك وأخرجوك وقاتلوك قدمهم فاضرب أعناقهم ، وقال عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب فاضرمه عليهم ناراً . فقال العباس وهو يسمع ما يقول : قطعت رحمك ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئاً ، فقال أناس : يأخذ بقول أبي بكر ، وقال أناس : يأخذ بقول عمر ، وقال أناس : يأخذ بقول عبد الله بن رواحة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إن الله تعالى ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ، وإن الله سبحانه ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة ، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال : { فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ إبراهيم : 63 ] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام قال : { إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } [ المائدة : 811 ] ومثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام إذا قال : { رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ } [ يونس : 88 ] { فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم } [ يونس : 88 ] ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال : { رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الارض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } [ نوح : 62 ] أنتم عالة فلا يفلتن أحد إلا بفداء أو ضرب عنق ، فقال عبد الله رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع على الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلا سهيل بن بيضاء " .
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : «قال عمر رضي الله تعالى عنه : فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر قاعدان يبكيان قلت : يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت لبكائكما ؟ فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام : " أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه صلى الله عليه وسلم " . واستدل بالآية على أن الأنبياء عليهم السلام قد يجتهدون وأنه قد يكون الوحي على خلافه ولا يقرون على الخطأ ، وتعقب بأنها إنما تدل على ذلك لو لم يقدر في { مَا كَانَ لِنَبِىٍّ } لأصحاب نبي ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر مع أن الإذن لهم فيما اجتهدوا فيه اجتهاد منه عليه الصلاة والسلام إذ لا يمكن أن يكون تقليداً لأنه لا يجوز له التقليد ، وأما أنها إنما تدل على اجتهاد منه عليه الصلاة والسلام إذ لا يمكن أن يكون تقليداً لأنه لا يجوز له التقليد ، وأما إنها إنما تدل على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم لا اجتهاد غيره من الأنبياء عليهم السلام فغير وارد لأنه إذا جاز له عليه الصلاة والسلام جاز لغيره بالطريق الأولى ، وتمام البحث في كتب الأصول ، لكن بقي ههنا شيء وهو أنه قد جاء من اجتهد وأخطأ فله أجر ومن اجتهد وأصاب فله أجران إلى عشرة أجور فهل بين ما يقتضيه الخبر من ثبوت الأجر الواحد للمجتهد المخطىء وبين عتابه على ما يقع منه منافاة أم لا ؟ لم أر من تعرض لتحقيق ذلك ، وإذا قيل : بالأول لا يتم الاستدلال بالآية كما لا يخفى .