فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (67)

{ ما كان } أي ما صح وما استقام { لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } هذا حكم آخر من أحكام الجهاد ، والأسرى جمع أسير مثل قتلى وقتيل وجرحى وجريح ، ويقال في جمع أسير أسارى وهو مأخوذ من الإسار وهو القيد لأنهم كانوا يشدون به الأسير فسمي كل أخيذ وإن لم يشد بالقيد أسيرا .

وقال أبو عمرو بن العلاء الأسرى هم غير الموثقين عندما يأخذون ، والأسارى هم الموثقون ربطا ، والإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه تقول العرب أثخن فلان في هذا الأمر أي بالغ فيه فالمعنى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يبالغ في قتل الكافرين ويتكثر من ذلك ، وقيل معنى الإثخان التمكن وقيل هو القوة ، وقيل الثخانة هي الغلظة والصلابة فاستعمل هنا في لازم المعنى الأصلي وهو القوة اللازمة وأثخن في الأرض إثخانا سار إلى العدو وأوسعهم قتلا وأثخنته أوهنته بالجراحة وأضعفته .

وعن ابن عباس : حتى يثخن حتى يظهر على الأرض ، وعن مجاهد قال : الاثخان هو القتل أخبر الله سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم وفدائهم ثم لما كثر المسلمون رخص الله في ذلك فقال فإما منا بعد وإما فداء كما يأتي في سورة القتال .

قال الرازي : إن هذا الكلام يوهم أن قوله فإما منا بعد وإما فداء يزيل حكم الآية التي نحن في تفسيرها ، وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين متوافقتان ، وكلتاهما تدلان على أنه لابد من تقديم الإثخان ثم بعده أخذ الفداء انتهى .

وقال غيره : لا تظهر دعوى النسخ من أصلها إذ النهي الضمني كما هنا مقيد بالإثخان أي كثرة القتال اللازمة لها قوة الإسلام وعزته ، وما في سورة القتال من التخيير محله بعد ظهور شوكة الإسلام بكثرة القتال ، فلا تعارض بين الآيتين إذ ما هناك بيان للغاية التي هنا .

{ تريدون عرض الدنيا } الخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد بعرض الدنيا نفعها ومتاعها بما قبضوا من الفداء ، وسمي عرضا لأنه سريع الزوال كما تزول الأعراض التي هي مقابلة الجواهر ، قال قتادة : أراد أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر الفداء ففادوهم بأربعة آلاف درهم ، وقيل كان الفداء لكل أسير أربعين أوقية والأوقية أربعون درهما فيكون مجموع ذلك ألفا وستمائة درهم ، وعن عكرمة قال عرض الدنيا الخراج .

{ والله يريد } لكم الدار { الآخرة } بما يحصل لكم من الثواب في الإثخان بالقتل ، والمراد بالإرادة هنا الرضاء وعبر بها للمشاكلة فلا يرد أن الآية تدل على عدم وقوع مراد الله وهو خلاف مذهب أهل السنة ، قاله الشهاب : { والله عزيز } لا يغالب { حكيم } في أفعاله ، وقد استدل بهذه الآية من يقدح في عصمة الأنبياء واشتغل المفسرون برده وجوابه وما أقل فائدة ذلك{[857]} .


[857]:- سبق لنا تعليق في هذا الموضوع ص 361 ج.