قوله تعالى { ولا تقف ما ليس به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا } .
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما شرح الأوامر الثلاثة ، عاد بعده إلى ذكر النواهي فنهى عن ثلاثة أشياء : أولها : قوله : { ولا تقف ما ليس لك به علم } وقوله : { تقف } مأخوذ من قولهم : قفوت أثر فلان أقفو قفوا وقفوا إذا اتبعت أثره ، وسميت قافية الشعر قافية لأنها تقفو البيت ، وسميت القبيلة المشهورة بالقافة ، لأنهم يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوال الإنسان ، وقال تعالى : { ثم قفينا على آثارهم برسلنا } وسمي القفا قفا لأنه مؤخر بدن الإنسان كأنه شيء يتبعه ويقفوه فقوله : { ولا تقف } أي ولا تتبع ولا تقتف ما لا علم لك به من قول أو فعل ، وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوما ، وهذه قضية كلية يندرج تحتها أنواع كثيرة ، وكل واحد من المفسرين حمله على واحد من تلك الأنواع وفيه وجوه :
الوجه الأول : المراد نهي المشركين عن المذاهب التي كانوا يعتقدونها في الإلهيات والنبوات بسبب تقليد أسلافهم ، لأنه تعالى نسبهم في تلك العقائد إلى اتباع الهوى فقال : { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس } وقال في إنكارهم البعث : { بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون } وحكي عنهم أنهم قالوا : { إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين } وقال : { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } وقال : { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } الآية وقال : { هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن } .
والقول الثاني : نقل عن محمد بن الحنفية أن المراد منه شهادة الزور ، وقال ابن عباس : لا تشهد إلا بما رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك .
والقول الثالث : المراد منه : النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب ، وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه .
القول الرابع : المراد منه النهي عن الكذب . قال قتادة : لا تقل سمعت ولم تسمع ورأيت ولم تر وعلمت ولم تعلم .
والقول الخامس : أن القفو هو البهت وأصله من القفا ، كأنه قول يقال خلفه وهو في معنى الغيبة وهو ذكر الرجل في غيبته بما يسوءه . وفي بعض الأخبار من قفا مسلما بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال ، واعلم أن اللفظ عام يتناول الكل فلا معنى للتقليد ، والله أعلم .
المسألة الثانية : احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : القياس لا يفيد إلا الظن والظن مغاير للعلم ، فالحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم ، فوجب أن لا يجوز لقوله تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } .
أجيب عنه من وجوه : الأول : أن الحكم في الدين بمجرد الظن جائز بإجماع الأمة في صور كثيرة : أحدها : أن العمل بالفتوى عمل بالظن وهو جائز . وثانيها : العمل بالشهادة عمل بالظن وأنه جائز . وثالثها : الاجتهاد في طلب القبلة لا يفيد إلا الظن وأنه جائز . ورابعها : قيم المتلفات وأروش الجنايات لا سبيل إليها إلا بالظن وأنه جائز . وخامسها : الفصد والحجامة وسائر المعالجات بناء على الظن وأنه جائز . وسادسها : كون هذه الذبيحة ذبيحة للمسلم مظنون لا معلوم ، وبناء الحكم عليه جائز . وسابعها : قال تعالى : { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها } وحصول ذلك الشقاق مظنون لا معلوم . وثامنها : الحكم على الشخص المعين بكونه مؤمنا مظنون ثم نبني على هذا الظن أحكاما كثيرة مثل حصول التوراة ومثل الدفن في مقابر المسلمين وغيرهما . وتاسعها : جميع الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار ، وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المخصوصة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة وبناء الأمر على تلك الظنون جائز . وعاشرها : قال عليه السلام : « نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر » وذلك تصريح بأن الظن معتبر في هذه الأنواع العشرة فبطل قول من يقول : إنه لا يجوز بناء الأمر على الظن .
والجواب الثاني : أن الظن قد يسمى بالعلم . والدليل عليه قوله تعالى : { إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار } ومن المعلوم أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن ، وذلك لا يفيد إلا الظن ، فههنا الله تعالى سمى الظن علما .
والجواب الثالث : أن الدليل القاطع لما دل على وجوب العمل بالقياس ، وكان ذلك الدليل دليلا على أنه متى حصل ظن أن حكم الله في هذه السورة يساوي حكمه في محل النص ، فأنتم مكلفون بالعمل على وفق ذلك الظن ، فههنا الظن وقع في طريق الحكم ، فأما ذلك الحكم فهو معلوم متيقن .
أجاب نفاة القياس عن السؤال الأول فقالوا : قوله تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } عام دخله التخصيص في الصور العشرة المذكورة ، فيبقى هذا العموم فيما وراء هذه الصور حجة ، ثم نقول : الفرق بين هذه الصور العشر وبين محل النزاع أن هذه الصور العشرة مشتركة في أن تلك الأحكام أحكام مختصة بأشخاص معينين في أوقات معينة ، فإن الواقعة التي يرجع فيها الإنسان المعين إلى المعنى المعين واقعة متعلقة بذلك الشخص المعين ، وكذلك القول في الشهادة وفي طلب القبلة وفي سائر الصور . والتنصيص على وقائع الأشخاص المعينين في الأوقات المعينة يجري مجرى التنصيص على ما لا نهاية له ، وذلك متعذر ، فلهذه الضرورة اكتفينا بالظن . أما الأحكام المثبتة بالأقيسة فهي أحكام كلية معتبرة في وقائع كلية وهي مضبوطة قليلة ، والتنصيص عليها ممكن ولذلك فإن الفقهاء الذين استخرجوا تلك الأحكام بطريق القياس ضبطوها وذكروها في كتبهم .
إذا عرفت هذا فنقول : التنصيص على الأحكام في الصور العشر التي ذكرتموها غير ممكن فلا جرم اكتفى الشارع فيها بالظن ، أما المسائل المثبتة بالطرق القياسية فالتنصيص عليها ممكن فلم يجز الاكتفاء فيها بالظن فظهر الفرق .
وأما الجواب الثاني : وهو قولهم الظن قد يسمى علما فنقول : هذا باطل فإنه يصح أن يقال هذا مظنون وغير معلوم ، وهذا معلوم وغير مظنون ، وذلك يدل على حصول المغايرة ، ثم الذي يدل عليه قوله تعالى : { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن } نفي العلم ، وإثبات للظن ، وذلك يدل على حصول المغايرة ، وأما قوله تعالى : { فإن علمتموهن مؤمنات } فالمؤمن هو المقر ، وذلك الإقرار هو العلم .
وأما الجواب الثالث : فهو أيضا ضعيف ، لأن ذلك الكلام إنما يتم لو ثبت أن القياس حجة بدليل قاطع وذلك باطل لأن تلك الحجة إما أن تكون عقلية أو نقلية ، والأول باطل لأن القياس الذي يفيد الظن لا يجب عقلا أن يكون حجة ، والدليل عليه أنه لا نزاع أن يصح من الشرع أن يقول : نهيتكم عن الرجوع إلى القياس ولو كان كونه حجة أمرا عقليا محضا لامتنع ذلك . والثاني : أيضا باطل ، لأن الدليل النقلي في كون القياس حجة إنما يكون قطعيا لو كان منقولا نقلا متواترا وكانت دلالته على ثبوت هذا المطلوب دلالة قطعية غير محتملة النقيض ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولعرفه الكل ولارتفع الخلاف ، وحيث لم يكن كذلك علمنا أنه لم يحصل في هذه المسألة دليل سمعي قاطع ، فثبت أنه لم يوجد في إثبات كون القياس حجة دليل قاطع البتة ، فبطل قولكم كون الحكم المثبت بالقياس حجة معلوم لا مظنون ، فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل . وأحسن ما يمكن أن يقال في الجواب عنه إن التمسك بهذه الآية التي عولتم عليها تمسك بعام مخصوص ، والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن ، فلو دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لدلت على أن التمسك بهذه الآية غير جائز ، فالقول بكون هذه الآية حجة يفضي ثبوته إلى نفيه فكان تناقضا فسقط الاستدلال به ، والله أعلم . وللمجيب أن يجيب فيقول : نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن التمسك بآيات القرآن حجة في الشريعة ويمكن أن يجاب عن هذا الجواب بأن كون العام المخصوص حجة غير معلوم بالتواتر ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : قوله : { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا } فيه بحثان :
البحث الأول : أن العلوم إما مستفادة من الحواس ، أو من العقول . أما القسم الأول : فإليه الإشارة بذكر السمع والبصر ، فإن الإنسان إذا سمع شيئا ورآه فإنه يرويه ويخبر عنه ، وأما القسم الثاني : فهو العلوم المستفادة من العقل وهي قسمان : البديهية والكسبية ، وإلى العلوم العقلية الإشارة بذكر الفؤاد .
البحث الثاني : ظاهر الآية يدل على أن هذه الجوارح مسؤلة وفيه وجوه :
الوجه الأول : أن المراد أن صاحب السمع والبصر والفؤاد هو المسؤل لأن السؤال لا يصح إلا ممن كان عاقلا ، وهذه الجوارح ليست كذلك ، بل العاقل الفاهم هو الإنسان ، فهو كقوله تعالى : { واسأل القرية } والمراد أهلها يقال له لم سمعت ما لا يحل لك سماعه ، ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه ، ولم عزمت على ما لا يحل لك العزم عليه .
والوجه الثاني : أن تقرير الآية أن أولئك الأقوام كلهم مسؤولون عن السمع والبصر والفؤاد فيقال لهم فبماذا ، استعملتم السمع ، أفي الطاعة أو في المعصية ؟ وكذلك القول في بقية الأعضاء ، وذلك لأن هذه الحواس آلات النفس ، والنفس كالأمير لها والمستعمل لها في مصالحها فإن استعملتها النفس في الخيرات استوجبت الثواب ، وإن استعملتها في المعاصي استحقت العقاب .
والوجه الثالث : أنه ثبت بالقرآن أنه تعالى يخلق الحياة في الأعضاء ثم إنها تشهد على الإنسان والدليل عليه قوله تعالى : { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } ولذلك لا يبعد أن يخلق الحياة والعقل والنطق في هذه الأعضاء . ثم إنه تعالى يوجه السؤال عليها .
ولا تقفُ ما ليس لك به علم : لا تتدخل بما لا يعنيك .
ثم ينص على أمر هام لا يزال إلى الآن موجودا في مجتمعنا ، وهو الفضول ، والتدخل في أمر الغير ، والكلام على الناس ، والغيبة ، ونقل الكلام بدون تثبت ، فيقول : { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } ولا تتبع أيها المرء ما لا علم لك به ، فلا تكن فضوليا تتدخل في شئون غيرك ، ولا تنقل خبرا ما لم تتأكد منه وتتثبت من صحته من قول يقال ، أو رواية تروى ، ومن حكم شرعي أو قضية اعتقادية ، ولا تشهد إلا بما رأت عيناك ، وسمعته أذناك ، ووعاه قلبك ، ففي الحديث الشريف :
( إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ) وفي سنن أبي داود : ( بئس مطية الرجُلِ زعموا ) إن الله يسأل الإنسان عما فعلت جوارحه ، وستسأل الجوارح نفسها عما اجترمت { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [ الشعراء : 89-90 ] .
وإنها لقواعد أخلاقية عظيمة ، تؤمن سلامة المجتمع ، وتجعل الناس يعيشون بأمن وسلام . وهذا هو الإسلام ، وهذا هو القرآن الكريم { إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } .
{ وَلاَ تَقْفُ } ولا تتبع ، وأصل معنى قفا اتبع قفاه ثم استعمل في مطلق الاتباع وصار حقيقة فيه . وقرىء { وَلاَ } بإثبات حرف العلة مع الجازم وهو شاذ ، وقرىء أيضاً { تَأْوِيلاً وَلاَ تَقْفُ } بضم القاف وسكون الفاء كتقل على أنه أجوف مجزوم بالسكون وماضيه قاف يقال قاف أثره يقوفه إذا قصده واتبعه ومنه القيافة وأصلها ما يعلم من الإقدام وأثرها ، وعن أبي عبيدة أن قاف مقلوب قفا كجذب وجبذ . وتعقب بأن الصحيح خلافه .
{ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } أي لا تتبع ما لا علم لك به من قول أو فعل ، وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوماً ويندرج في ذلك أمور . وكل من المفسرين اقتصر على شيء فقيل المراد نهي المشركين عن القول في الإلهيات والنبوات تقليداً للإسلاف واتباعاً للهوى ، وأخرج ابن جرير . وابن المنذر . عن محمد بن الحنفية أن المراد النهي عن شهادة الزور ، وقيل : المراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات ، ومن ذلك قول الكميت :
ولا أرمي البري بغير ذنب . . . ولا اقفوا لحواصن أن رمينا
وروى البيهقي في شعب الإيمان . وأبو نعيم في الحلية من حديث معاذ بن أنس «من قفا مؤمناً بما ليس فيه يريد شينه به حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال » وقيل : المراد النهي عن الكذب ، أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه قال في الآية : لا تقل سمعت ولم تسمع ورأيت ولم تر ، واختار الإمام العموم قال : إن اللفظ عام يتناول الكل فلا معنى للتقييد ، واحتج بالآية نفاة القياس لأنه قفو للظن وحكم به . وأجيب بانهم أجمعوا على الحكم بالظن والعمل به في صور كثيرة فمن ذلك الثلاة على الميت ودفنه في مقابر المسلمين وتوريث المسلم منه بناء على أنه مسلم وهو مظنون والتوجه إلى القبلة في الصلاة وهو مبني على الاجتهاد بإمارات لا تفيد إلا الظن وأكل الذبيحة بناء على أنها دبيحة مسلم وهو مظمنون والشهادة فإنها ظنية وقيم المتلفات واروش الجنايات فإنها لا سبيل إليها الا الظن ، ومن نظر ولو بمؤخر العين رأى أن جميع الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجل المخصوصة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة وقد قال صلى الله عليه وسلم : «نحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر » فالنهي عن اتباع ما ليس بعلم قطعي مخصوص بالعقائد وبأن الظن قد يسمى علماً كما في قوله تعالى : { إِذَا جَاءكُمُ المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أَعْلَمُ بإيمانهن فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار }
[ الممتحنة : 10 ] فإن العلم بإيمانهن إنما يكون بإقرارهن وهو لا يفيد إلا الظن ، وبأن الدليل القاطع لما دل على وجوب العمل بالقياس كان ذلك الدليل دليلاً على أنه متى حصل ظن أن حكم الله تعالى في هذه الصورة يساوي حكمه في محل النص فانتم مكلفون بالعلم على وفق ذلك الظن فههنا الظن واقع في طريق الحكم وأما ذلك الحكم فهو معلوم متيقن . وأجاب النفاة عن الأول بأن قوله تعالى : { ولا * تَقْفُ } الآية عام دخله التخصيص فيما يذكرون فيه العمل بالظن فيبقى العموم فيما وراءه على أن بين ما يذكرونه من الصور وبين محل النزاع فرقاً لأن الأحكام المتعلقة بالأول مختصة باشخاص معينين في أوقات معينة فالتنصيص على ذلك متعذر فاكتفى بالظن للضرورة بخلاف الثاني فإن الأحكام المثبتة بالأقيسة كلية معتبرة في وقائع كلية وهي مضبوطة والتنصيص عليها ممكن فلم يجز الاكتفاء فيها بالظن ، وعن الثاني بأن المغايرة بين العلم والظن مما لا شبهة فيه ويدل عليها قوله تعالى : { هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } [ الأنعام : 148 ] والمؤمن هو المقر وذلك الإقرار هو العلم فليس في الآية تسمية الظن علماً ، وعن الثالث بأنه إنما يتم لو ثبت حجية القياس بدليل قاطع وليس فليس ، واحسن ما يمكن أن يقال في الجواب على ما قال الإمام أن التمسك بالآية تمسك بعام مخصوص وهو لا يفيد إلا الظن فلو دلت على أن التمسك بالظن غير جائز لدلت على أن التمسك بها غير جائز فالقول بحجيتها يفضي إلى نفيه وهو باطل ، وللمجيب أن يقول : نعلم بالتواتر الظاهر من دين النبي صلى الله عليه وسلم أن التمسك بآيات القرآن حجة في الشريعة ، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن كون العام المخصوص حجة غير معلوم بالتواتر فتأمل { إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك } أي كل هذه الأعضاء وأشير إليها باولئك على القول بأنها مختصة بالعقلاء تنزيلاً لها منزلتهم لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على أصحابها .
وقال بعضهم : إنها غالبة في العقلاء وجاءت لغيرهم من حيث أنها اسم جمع لذا وهو يعم القبيلين ومن ذلك قول جرير على ما رواه غير واحد :
ذم المنازل بعد منزلة اللوى . . . والعيش بعد أولئك الأيام
وعلى هذا لا حاجة إلى التنزيل وارتكاب الاستعارة فيما تقدم { كَانَ عَنْهُ * مَّسْئُولاً } كل الضمائر { كُلٌّ } أي كان كل من ذلك مسؤولاً عن نفسه فيقال له : هل استعملك صاحبك فيما خلقت له أم لا ؟ وذلك بعد جعله أهلا للخطاب والسؤال . وجوز أن يكون ضمير { عَنْهُ } لكل وما عداه للقافي فهناك التفات إذ الظاهر كنت عنه مسؤولاً .
وقال الزمخشري : { عَنْهُ } نائب فاعل { مَسْؤُولاً } فهو مسند إليه ولا ضمير فيه نحو دغير المغضوب عليهم } .
ورده أبو البقاء وغيره بأن القائم مقام الفاعل حكمه حكمه في أنه لا يجوز تقدمه على عامله كأصله . وذكر أنه حكى ابن النحاس الإجماع على عدم جواز تقديم القائم مقام الفاعل إذا كان جاراً ومجروراً فليس ذلك نظير { غير المغضوب عليهم } [ الفاتحة : 7 ] ورده أبو البقاء وغيره بأن القائم مقام الفاعل حكمه حكمه في أنه لا يجوز تقدمه على عامله كأصله . وذكر أنه حكى ابن النحاس الإجماع على عدم جواز تقديم القائم مقام الفاعل إذا كان جاراً ومجروراً فليس ذلك نظير { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ } وليس لقائل أن يقول : إنه على رأي الكوفيين في تجويزهم تقديم الفاعل إلا أن ينازع في صحة الحكاية ، ونقل عن صاحب التقريب أنه إنما جاز تقديم { عَنْهُ } مع أنه فاعل لمحا لاصالة ظرفيته لا لعروض فاعليته ولأن الفاعل لا يتقدم لالتباسه بالمبتدأ والا التباس ههنا ولأنه ليس بفاعل حقيقة اه . والانصاف أنه مع هذا لا يقال لما ذهب إليه شيخ العربية إنه غلط .
وذكر في شرح نحو المفتاح أنه مرتفع بمضمر يفسره الظاهر ، وجوز إخلاء المفسر عن الفاعل إذا لم يكن فعلا معللا باصالة الفعل في رفع الفاعل فلا يجوز خلوه عنه بخلاف اسمي الفاعل والمفعول تشبيهاً بالجوامد .
وتعقبه في الكشف بأن فيه نظراً نقلاً وقياسا ؛ أما الأول فلتفرده به ، وأما الثاني فلأن الاحتياج إليه من حيث أنه إذا جرى على شيء لا بد من عائد إليه ليرتبط به ويكون هو الذات القائم هو بها إن كان فاعلا أو لابساً لتلك الذات وليس كالجوامد في ارتباطها بالسوابق بنفس الحمل لأنها لا تدل على معنى متعلق بذات فالوجه أن يقال حذف الجار واستتر الضمير بعده في الصفة ، وقد سمعت عن قرب أن هذا من باب الحذف والإيصال وأنه شائع ، وجوز أن يكون مرفوع { مَسْؤُولاً } المصدر وهو السؤال و { عَنْهُ } في محل النصب . وسأل ابن جنى أبا علي عن قولهم : فيك يرغب وقال لا يرتفع بما بعده فأين المرفوع ؟ فقال : المصدر أي فيك يرغب الرغب بمعنى تفعل الرغبة كما في قولهم : يعطي ، يمنع أي يفعل الإعطاء والمنع ، وجوز أن يكون اسم كان أو فاعله ضمير { كُلٌّ } محذوف المضاف أي كان صاحبه عنه مسؤولاً أو كان عنه مسؤولاً صاحبه فيقال له لم استعملت السمع فيما لا يحل ولم صرفت البصر إلى كذا والفؤاد إلى كذا ؟ وقرأ الجراح العقيلي { *والفواد } بفتح الفاء وإبدال الهمزة واواً ، وتوجيهها أنه أبدلت الهمزة واواً لوقوعها مع ضمة في المشهور ثم فتحت الفاء تخفيفاً وهي لغة في ذلك ، ولا عبرة بإنكار أبي حاتم لها ، واستدل بالآية على أن العبد يؤاخذ بفعل القلب كالتصميم على المعصية والأدواء القلبية كالحقد والحسد والعجب وغير ذلك نعم صرحوا بأن الهم بالمعصية من غير تصميم لا يؤاخذ به للخبر الصحيح في ذلك ثم إن اتباع الظن يكون كبيرة ويكون صغيرة حسب أنواعه وأصنافها ومنه ما هو أكبر الكبائر كما لا يخفى نسأل الله تعالى أن يعصمنا عن جميع ذلك .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [ الإسراء : 36 ] الآية فيه إشارة إلى بعض ما يلزم السالك من التثبت والاحتياط والكف عن الدعاوي العاطلة