قوله تعالى { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } .
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما عصوا سلط عليهم أقواما قصدوهم بالقتل والنهب والسبي ، ولما تابوا أزال عنهم تلك المحنة وأعاد عليهم الدولة ، فعند ذلك ظهر أنهم إن أطاعوا فقد أحسنوا إلى أنفسهم ، وإن أصروا على المعصية فقد أساؤوا إلى أنفسهم ، وقد تقرر في العقول أن الإحسان إلى النفس حسن مطلوب ، وأن الإساءة إليها قبيحة ، فلهذا المعنى قال تعالى : { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها } .
المسألة الثانية : قال الواحدي : لا بد ههنا من إضمار ، والتقدير : وقلنا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ، والمعنى : إن أحسنتم بفعل الطاعات فقد أحسنتم إلى أنفسكم من حيث إن ببركة تلك الطاعات يفتح الله عليكم أبواب الخيرات والبركات ، وإن أسأتم بفعل المحرمات أسأتم إلى أنفسكم من حيث أن بشؤم تلك المعاصي يفتح الله عليكم أبواب العقوبات .
المسألة الثالثة : قال النحويون : إنما قال : { وإن أسأتم فلها } للتقابل والمعنى : فإليها أو فعليها مع أن حروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعض ، كقوله تعالى : { يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها } أي إليها .
المسألة الرابعة : قال أهل الإشارات هذه الآية تدل على أن رحمة الله تعالى غالبة على غضبه بدليل أنه لما حكى عنهم الإحسان أعاده مرتين فقال : { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } ولما حكى عنهم الإساءة اقتصر على ذكرها مرة واحدة فقال : { وإن أسأتم فلها } ولولا أن جانب الرحمة غالب وإلا لما كان كذلك .
ثم قال تعالى : { فإذا جاء وعد الآخرة } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال المفسرون : معناه وعد المرة الأخيرة ، وهذه المرة الأخيرة هي إقدامهم على قتل زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام . قال الواحدي : فبعث الله تعالى عليهم بختنصر البابلي المجوسي أبغض خلقه إليه فسبى بني إسرائيل وقتل وخرب بيت المقدس أقول : التواريخ تشهد بأن بختنصر كان قبل وقت عيسى عليه الصلاة والسلام ويحيى وزكريا عليهما الصلاة والسلام بسنين متطاولة ، ومعلوم أن الملك الذي انتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له : قسطنطين الملك ، والله أعلم بأحوالهم ، ولا يتعلق غرض من أغراض تفسير القرآن بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام .
المسألة الثانية : جواب قوله : { فإذا جاء } محذوف تقديره : فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوؤوا وجوهكم وإنما حسن هذا الحذف لدلالة ما تقدم عليه من قوله : { بعثنا عليكم عبادا لنا } ثم قال : { ليسوؤوا وجوهكم } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : يقال : ساءه يسوءه أي أحزنه ، وإنما عزا الإساءة إلى الوجوه ، لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه ، فإن حصل الفرح في القلب ظهرت النضرة والإشراق والإسفار في الوجه . وإن حصل الحزن والخوف في القلب ظهر الكلوح والغبرة والسواد في الوجه ، فلهذا السبب عزيت الإساءة إلى الوجوه في هذه الآية ، ونظير هذا المعنى كثير في القرآن .
المسألة الثانية : قرأ العامة : ليسوؤا على صيغة المغايبة ، قال الواحدي : وهي موافقة للمعنى وللفظ . أما المعنى فهو أن المبعوثين هم الذين يسوؤنهم في الحقيقة ، لأنهم هم الذين يقتلون ويأسرون وأما اللفظ فلأنه يوافق قوله : { وليدخلوا المسجد } وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة : { ليسوء } على إسناد الفعل إلى الواحد ، وذلك الواحد يحتمل أن يكون أحد أشياء ثلاثة : إما اسم الله سبحانه لأن الذي تقدم هو قوله : ثم ردنا وأمددنا ، وكل ذلك ضمير عائد إلى الله تعالى ، وإما أن يكون ذلك الواحد هو البعث ودل عليه قوله : { بعثنا } والفعل المتقدم يدل على المصدر كقوله تعالى : { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم }وقال الزجاج : ليسوء الوعد وجوهكم ، وقرأ الكسائي بالنون وهذا على إسناد الفعل إلى الله تعالى كقوله : بعثنا عليكم وأمددنا .
ثم قال تعالى : { وليتبروا ما علوا تتبيرا } يقال : تبر الشيء تبرا إذا هلك وتبره أهلكه . قال الزجاج : كل شيء جعلته مكسرا ومفتتا فقد تبرته ، ومنه قيل : تبر الزجاج وتبر الذهب لمكسره ، ومنه قوله تعالى : { إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون } وقوله : { ولا تزد الظالمين إلا تبارا } وقوله : { ما علوا } يحتمل ما غلبوا عليه وظفروا به ، ويحتمل ويتبروا ما داموا غالبين ، أي ما دام سلطانهم جاريا على بني إسرائيل ، وقوله : { تتبيرا } ذكر للمصدر على معنى تحقيق الخبر وإزالة الشك في صدقه كقوله : { وكلم الله موسى تكليما } أي حقا ، والمعنى : وليدمروا ويخربوا ما غلبوا عليه .
وليتبروا ما علوا تتبيرا : وليهلكوا ويدمروا ما استولوا عليه من بلادكم تدميرا .
قرأ حمزة وأبو بكر وابن عامر : «ليسوء » بالإفراد ، وقرأ الكسائي : «لنسوء » بالنون .
رددنا لكم الكرة : أعطيناكم الغلبة .
فإذا اعتبرنا هذه الفترة كلها هي الأولى ، تكون هي المقصودة بقوله تعالى : { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }
وتكون هذه الفترة فترة استقرار . ثم جاء عهد اليونان حيث لاقوا أسوأ الحالات في عهد الملك السلوقي انطيوخس الرابع وذلك سنة 175- 164 قبل الميلاد ، إذ دمر الهيكل ونهب خزائنه وأجبر اليهود على نبذ اليهودية واعتناق الوثنية اليونانية . وبقي الصراع بين اليهود يشتد حتى اندلعت ثورة المكابيين ودام عصرهم نحو قرن وربع ، إلى أن جاء الرومان ، وعين الملك هيرودس الأدومي فسمح لليهود بإعادة بناء الهيكل سنة 39 قبل الميلاد . وفي سنة 66 م قامت ثورة عارمة شاملة من اليهود على الحكم الروماني ، بعد سلسلة من المعارك سيطر تيطس الروماني على الموقف وتمكن من القضاء على اليهود سنة 70 . وأوقع فهيم مذبحة مريعة وخرب المدينة ، وأحرق الهيكل ودمره نهائيا فأُزيل من الوجود بحيث لم يعد يهتدي الناس إلى موضعه ، وسيق الأحياء عبيدا .
ويقول المسعودي إن عدد القتلى من اليهود والمسيحيين بلغ ثلاثة ملايين ، فيكون هذا معنى قوله تعالى :
{ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوا تَتْبِيراً } .
هذا محصل تاريخ اليهود في فلسطين والله أعلم .
فإذا تأملنا في الآيات الكريمة نجد النصَّ الصريحَ على أن بني إسرائيل إذا حكموا وسيطروا طغوا وبغوا وأفسدوا في الأرض وعلَوا علّوا كبيرا ، وإذا لم يحكموا أفسدوا وسيطروا على المال ، وهذا ما نراه اليوم من طغيانهم وبغيهم وتسلطهم في فلسطين . وهم في بقية أنحاء العالم أيضا مفسِدون مسيطرون ، يسيِّرون الحكام والزعماء على أهوائهم وحسب ما يريدون ، وينشرون الفساد في كل أرجاء العالم ، وسيظلون على هذا الحال ولا يمكن أن يغيروا من طباعهم وتعاليم دينهم المحرَّف .
{ إِنْ أَحْسَنتُمْ } أعمالكم سواء كانت لازمة لأنفسكم أو متعدية للغير أي عملتموها على الوجه المستحسن اللائق أو فعلتم الإحسان { أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ } أي لنفعها بما يترتب على ذلك من الثواب { وَإِنْ أَسَأْتُمْ } أعمالكم لازمة كانت أو متعدية بأن عملتموها على غير الوجه اللائق أو فعلتم الإساءة { فَلَهَا } أي فالإساءة عليها لما يترتب على ذلك من العقاب فاللام بمعنى على كما في قوله :
فخر صريعاً لليدين وللفم . . . وعبر بها لمشاكلة ما قبلها
وقال الطبري : هي بمعنى إلى على معنى فاساءتها راجعة إليها ، وقيل : إنها للاستحقاق كما في قوله تعالى : { لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ البقرة : 10 ] .
وفي «الكشاف » أنها للاختصاص . وتعقب بأنه مخالف لما في الآثار من تعدي ضرر الإساءة إلى غير المذنب اللهم إلا أن يقال : إن ضرر هؤلاء القوم من بني إسرائيل لم يتعدهم ، وفيه أنه تكلف لا يحتاج إليه لأن الثواب والعقاب الأخرويين لا يتعديان وهما المراد هنا ، وقيل : اللام للنفع كالأولى لكن على سبيل التهكم ، وتعميم الإحسام ومقابله بحيث يشملان المتعدي واللازم الذي استظهره بعض المحققين وفسر الإحسان بفعل ما يستحسن له ولغيره والإساءة بضد ذلك وقال : إنه أنسب وأتم وذا قيل إن تكرير الإحسان في النظم الكريم دون الإساءة إشارة إلى أن جانب الإحسان أغلب وأنه إذا فعل ينبغي تكراره بخلاف ضده ، وجاء عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلا الآية ، ووجه مناسبتها لما قبلها على ما قال القطب أنه لما عصوا سلط الله تعالى عليهم من قصدهم بالنهب والأسر ثم لما تابوا وأطاعوا حسنت حالهم فظهر إن إحسان الأعمال وإساءتها مختص بهم ، والآية تضمنت ذلك وفيها من الترغيب بالإحسان والترهيب من الإساءة ما لا يخفى فتأمل .
{ فَإِذَا جَاء وَعْدُ } المرة { الاخرة } من مرتى إفسادكم { لِيَسُوءواْ } متعلق بفعل حذف لدلالة ما سبق عليه وهو جواب إذا أي بعثناهم ليسوؤا { فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ } أي ليجعل العباد المبعوثون آثار المساءة والكآبة بادية في وجوهكم فإن الأعراض النفسانية تظهر فيها فيظهر بالفرح النضارة والإشراق وبالحزن والخوف الكلوح والسواد فالوجوه على حقيقتها ، قيل ويحتمل أن يعبر بالوجه عن الجملة فإنهم ساؤهم بالقتل والنهب والسبي فحصلت الإساءة للذوات كلها ويؤيده قوله تعالى : { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } ويحتمل أن يراد بالوجوه ساداتهم وكبراؤهم اه وهو كما ترى .
واختير هذا على ليسوؤكم مع أنه أخصر وأظهر إشارة إلى أنه جمع عليه ألم النفس والبدن المدلول عليه بقوله تعالى : { وَلِيُتَبّرُواْ } الخ ، وقيل : { فَإِذَا جَاء } هنا مع كونه من تفصيل المجمل في قوله سبحانه :
{ لَتُفْسِدُنَّ فِى الآرض مَرَّتَيْنِ } [ الإسراء : 4 ] فالظاهر فإذا جغاء وإذا جاء للدلالة على أن مجيء وعد عقاب المرة الآخرة لم يتراخ عن كثرتهم واجتماعهم دلالة عل شدة شكيمتهم في كفران النعم وإنهم كلما ازدادوا عدة وعدة زادوا عدواناً وعزة إلى أن تكاملت أسباب الثروة والكثرة فاجأهم الله عز وجل على الغرة نعوذ بالله سبحانه من مباغتة عذابه .
وقرأ أبو بكر . وابن عامر . وحمزة { *ليسؤ } على التوحيد والضمير لله تعالى أو للوعد أو للبعث المدلول عليه بالجزاء المحذوف ، والإسناد مجازي على الأخيرين وحقيقي على الأول ، ويؤيده قراءة علي كرم الله تعالى وجهه . وزيد بن علي . والكسائي { *لنسوء } بنون العظمة فإن الضمير لله تعالى لا يحتمل غير ذلك ، وقرأ أبي { *لنسؤن } بلام الأمر ونون العظمة أوله ونون التوكيد الخفيفة آخره ودخلت لام الأمر على فعل المتكلم كما في قوله تعالى : { وَلْنَحْمِلْ خطاياكم } [ العنكبوت : 12 ] وجواب إذا على هذه القراءة هو الجملة الإنشائية على تقدير الفاء لأنها لا تقع جواباً بدونها ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أيضاً { *لنسوءن } و { ليسوءن } بالنون والياء أولاً ونون التوكيد الشديدة آخراً ، واللام في ذلك لام القسم والجملة جواب القسم سادة مسد جواب إذا ؛ واللام في قوله تعالى : { لِيَسُوءواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ المسجد } لام كي والجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور قبله وهو متعلق ببعثنا المحذوف غيره فيكون العطف من عطف جملة على أخرى ، وعلى القراءة بلام الأمر أو لام القسم فيما تقدم يجوز أن تكون اللام لام الأمر وأن تكون لام كي ، والمراد بالمسجد بيت المقدس وهو مفعول يدخلوا ، وفي «الصحاح » أن الصحيح في نحو دخلت البيت إنك تريد دخلت إلى البيت فحذف حرف الجر فانتصب البيت انتصاب المفعول به ، وتحقيقه في محله { كَمَا دَخَلُوهُ } أي دخولاً كائناً كدخولهم إياه { أَوَّلَ مَرَّةٍ } فهو في موضع النعت لمصدر محذوف ، وجوز أن يكون حالاً أي كائنين كما دخلوه ، و { أَوَّلُ } منصوب على الظرفية الزمانية ، والمراد من التشبيه على ما في «البحر » أنهم يدخلونه بالسيف والقهر والغلبة والإذلال ، وفيه أيضاً أن هذا يبعد قول من ذهب إلى أن أولى المرتين لم يكن فيها قتال ولا قتل ولا نهب { وَلِيُتَبّرُواْ } أي يهلكوا ، وقال قطرب : يهدموا وأنشد قول الشاعر :
وما الناس إلا عاملان فعامل . . . يتبر ما يبني وآخر رافع
وقال بعضهم : الهدم إهلاك أيضاً ، وأخرج ابن المنذر . وغيره عن سعيد بن جبير أن التتبير كلمة نبطية .
{ مَا عَلَوْاْ } أي الذي غلبوه واستولوا عليه فما اسم موصول والعائد محذوف وهو إما مفعول أو مجرور على ما قيل ، وجوز أن تكون ما مصدرية ظرفية أي ليتبروا مدة دوامهم غالبين قاهرين { تَتْبِيرًا } فظيعاً لا يوصف .
واختلف في تعيين هؤلاء العباد المبعوثين بعد أن ذكروا قتل يحيى عليه السلام في الإفساد الأخير فقال غير واحد : إنهم بختنصر وجنوده ، وتعقبه السهيلي بأنه لا يصح لأن قتل يحيى بعد رفع عيسى عليهما السلام وبختنصر كان قبل عيسى عليه السلام بزمن طويل ، وقيل الإسكندر وجنوده ، وتعقبه أيضاً بأن بين الإسكندر وعيسى عليه السلام نحواً من ثلثمائة سنة( {[553]} ) ثم قال لكنه إذا قيل : إن إفسادهم في المرة الأخيرة بقتل شعيا جاز أن يكون المبعوث عليهم بختنصر ومن معه لأنه كان حينئذ حياً ، وروى عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أن الذي غزاهم ملك خردوش وتولى قتلهم على دم يحيى عليه السلام قائد له فسكن .
وفي بعض الآثار أن صاحب الجيش دخل مذبح قرابينهم فوجد فيه دماً يغلي فسألهم عنه فقالوا دم قربان لم يقبل منا فقال : ما صدقتموني فقتل عليه ألوفاً منهم فلم يهدأ الدم ثم قال : إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحداً فقالوا : إنه دم يحيى عليه السلام فقال : بمثل هذا ينتقم ربكم منكم ثم قال : إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحداً فقالوا : إنه دم يحيى عليه السلام فقال : بمثل هذا ينتقم ربكم منكم ثم قال : يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن الله تعالى قبل أن لا أبقى أحداً منهم فهدأ ، واختار في «الكشف » وقال هو الحق إن المبعوث عليهم في المرة الثانية بيردوس من ملوك الطوائف وكأنه هو خردوش الذي مر آنفاً فقد ذكر أنه ملك بابل من ملوك الطوائف .
وقيل : اسمه جوزور وهؤلاء الملوك ظهروا بعد قتل الإسكندر دارا واستيلائه على ملك الفرس ، وكان ذلك بصنع الإسكندر متبعاً فيه رأي معلمه أرسطو ، وعدتهم تزيد على سبعين ملكاً ، ومدة ملكهم على مافي بعض التواريخ خمسمائة واثنتا عشرة سنة ، وحصل اجتماع الفرس بعد هذه المدة على أردشير بن بابك طوعاً وكرها وكان أحد ملوك الطوائف على اصطخر ، وعلى هذا يكون الملك المبعوث لفساد بني إسرائيل بقتل يحيى عليه السلام من أواخر ملوك الطوائف كما لا يخفى ، ويكون بين هذا البعث والبعث الأول على القول بأن المبعوث بختنصر وأتباعه مدة متطاولة ، وففي بعض التواريخ أن قتل الإسكندر دارا بعد بختنصر بأربعمائة وخمس وثلاثين سنة وبعد مضي نحو من ثلثمائة سنة من غلبة الإسكندر ولد المسيح عليه السلام ، ولا شك أن قتل يحيى عليه الصلاة والسلام بعد الولادة بزمان والبعث بعد القتل كذلك فيكون بين البعثين ما يزيد على سبعمائة وخمس وثلاثين سنة ، والذي ذهب إليه اليهود أن المبعوث أولاً بختنصر وكان في زمن أرميا عليه السلام وقد أنذرهم مجيئه صريحاً بعد أن نهاهم عن الفساد وعبادة الأصنام كما نطق به كتابه فحبسوه في بئر وجرحوه وكان تخريبه لبيت المقدس في السنة التاسعة عشر من حكمه وبين ذلك وهبوط آدم ثلاثة آلاف وثلثمائة وثماني وثلاثين سنة وبقي خراباً سبعين سنة ، ثم أن أسبيانوس قيصر الروم وجه وزيره طوطوز إلى خرابه فخربه سنة ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانية وعشرين فيكون بين البعثين عندهم أربعمائة وتسعون سنة ، وتفصيل الكلام في ذلك في كتبهم والله تعالى أعلم بحقيقة الحال .
ونعم ما قيل إن معرفة الأقوام المبعوثين بأعيانهم وتاريخ البعث ونحوه مما لا يتعلق به كبير غرض إذ المقصود أنه لماكثرت معاصيهم سلط الله تعالى عليهم من ينتقم منهم مرة بعد أخرى .
وظاهر الآية يقتضي اتحاد المبعوثين أولاً وثانياً ، ومن لا يقول بذلك يجعل رجوع الضمائر للعباد على حد رجوع الضمير للدرهم في قولك : عندي درهم ونصفه فافهم .