مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (87)

القصة الثامنة : قصة يونس عليه السلام

قوله تعالى :{ وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين }

اعلم أن ههنا مسائل :

المسألة الأولى : أنه لا خلاف في أن ذا النون هو يونس عليه السلام لأن النون هو السمكة ، وقد ذكرنا أن الاسم إذا دار بين أن يكون لقبا محضا وبين أن يكون مفيدا ، فحمله على المفيد أولى ، خصوصا إذا علمت الفائدة التي يصلح لها ذلك الوصف .

المسألة الثانية : اختلفوا في أن وقوعه عليه السلام في بطن السمكة كان قبل اشتغاله بأداء رسالة الله تعالى أو بعده . أما القول الأول : فقال ابن عباس رضي الله عنه : كان يونس عليه السلام وقومه يسكنون فلسطين ، فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفا ، وبقي سبطان ونصف . فأوحى الله تعالى إلى شعيب النبي عليه السلام أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له حتى يوجه نبيا قويا أمينا فإني ألقى في قلوب أولئك أن يرسلوا معه بني إسرائيل . فقال له الملك : فمن ترى وكان في مملكته خمسة من الأنبياء ، فقال يونس بن متى : فإنه قوي أمين فدعا الملك بيونس وأمره أن يخرج فقال يونس : هل أمرك الله بإخراجي ؟ قال : لا ، قال فهل سماني لك ؟ قال : لا قال فههنا أنبياء غيري ، فألحوا عليه فخرج مغاضبا للملك ولقومه فأتى بحر الروم فوجد قوما هيئوا سفينة فركب معهم فلما تلججت السفينة تكفأت بهم وكادوا أن يغرقوا ، فقال الملاحون : ههنا رجل عاص أو عبد آبق لأن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح إلا وفيها رجل عاص ، ومن رسمنا أنا إذا ابتلينا بمثل هذا البلاء أن نقترع فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر ، ولأن يغرق [ و ] أحد خير من أن تغرق السفينة ، فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة فيها كلها على يونس عليه السلام ، فقال : أنا الرجل العاصي والعبد الآبق ، وألقى نفسه في البحر فجاء حوت فابتلعه ، فأوحى الله تعالى إلى الحوت لا تؤذ منه شعرة . فإني جعلت بطنك سجنا له ولم أجعله طعاما لك ، ثم لما نجاه الله تعالى من بطن الحوت نبذه بالعراء كالفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا جلد ، فأنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد ، فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس عليه السلام فقيل له : أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون ، حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب راحتهم . ثم أوحى الله إليه وأمره أن يذهب إليهم فتوجه يونس عليه السلام نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فأتاهم يونس عليه السلام ، وقال لملكهم إن الله تعالى أرسلني إليك لترسل معي بني إسرائيل ، فقالوا : ما نعرف ما تقول ، ولو علمنا أنك صادق لفعلنا ، ولقد أتيناكم في دياركم وسبيناكم فلو كان كما تقول لمنعنا الله عنكم ، فطاف ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله تعالى إليه : قل لهم إن لم تؤمنوا جاءكم العذاب فأبلغهم فأبوا ، فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه ، ثم ذكروا أمرهم وأمر يونس للعلماء الذين كانوا في دينهم ، فقالوا انظروا واطلبوه في المدينة فإن كان فيها فليس مما ذكر من نزول العذاب شيء ، وإن كان قد خرج فهو كما قال : فطلبوه فقيل لهم إنه خرج العشي فلما آيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم ولا غنمهم وعزلوا الوالدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات ، ثم قاموا ينتظرون الصبح . فلما انشق الصبح رأوا العذاب ينزل من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها ، وصاح الصبيان وثغت الأغنام والبقر ، فرفع الله تعالى عنهم العذاب ، فبعثوا إلى يونس عليه السلام فآمنوا به ، وبعثوا معه بني إسرائيل . فعلى هذا القول كانت رسالة يونس عليه السلام بعد ما نبذه الحوت ، ودليل هذا القول قوله تعالى في سورة الصافات :{ فنبذناه بالعراء وهو سقيم * وأنبتنا عليه شجرة من يقطين * وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } وفي هذا القول رواية أخرى وهي أن جبريل عليه السلام قال ليونس عليه السلام : انطلق إلى أهل نينوى وأنذرهم أن العذاب قد حضرهم ، فقال يونس عليه السلام : التمس دابة فقال الأمر أعجل من ذلك فغضب وانطلق إلى السفينة ، وباقي الحكاية كما مرت إلى أن التقمه الحوت فانطلق إلى أن وصل إلى نينوى فألقاه هناك . أما القول الثاني : وهو أن قصة الحوت كانت بعد دعائه أهل نينوى وتبليغه رسالة الله إليهم قالوا إنهم لما لم يؤمنوا وعدهم بالعذاب ، فلما كشف العذاب عنهم بعد ما توعدهم به خرج منهم مغاضبا ، ثم ذكروا في سبب الخروج والغضب أمورا . أحدها : أنه استحى أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الكذب . وثانيها : أنه كان من عادتهم قتل الكاذب . وثالثها : أنه دخلته الأنفة . ورابعها : لما لم ينزل العذاب بأولئك ، وأكثر العلماء على القول بأن قصة الحوت وذهاب يونس عليه السلام مغاضبا بعد أن أرسله الله تعالى إليهم ، وبعد رفع العذاب عنهم .

المسألة الثالثة : احتج القائلون بجواز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه . أحدها : أن أكثر المفسرين على أنه ذهب يونس مغاضبا لربه ويقال ، هذا قول ابن مسعود وابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير ووهب واختيار ابن قتيبة ومحمد بن جرير فإذا كان كذلك فيلزم أن مغاضبته لله تعالى من أعظم الذنوب ، ثم على تقدير أن هذه المغاضبة لم تكن مع الله تعالى بل كانت مع ذلك الملك أو مع القوم فهو أيضا كان محظورا لأن الله تعالى قال :{ فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت } وذلك يقتضي أن ذلك الفعل من يونس كان محظورا . وثانيها : قوله تعالى : { فظن أن لن نقدر عليه } وذلك يقتضي كونه شاكا في قدرة الله تعالى . وثالثها : قوله : { إني كنت من الظالمين } والظلم من أسماء الذم لقوله تعالى : { ألا لعنة الله على الظالمين } . ورابعها : أنه لو لم يصدر منه الذنب ، فلم عاقبه الله بأن ألقاه في بطن الحوت . وخامسها : قوله تعالى في آية أخرى : { فالتقمه الحوت وهو مليم } والمليم هو ذو الملامة ، ومن كان كذلك فهو مذنب . وسادسها : قوله : { ولا تكن كصاحب الحوت } فإن لم يكن صاحب الحوت مذنبا لم يجز النهي عن التشبه به وإن كان مذنبا فقد حصل الغرض . وسابعها : أنه قال : { ولا تكن كصاحب الحوت } وقال : { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } فلزم أن لا يكون يونس من أولي العزم وكان موسى من أولي العزم ، ثم قال : « في حقه لو كان ابن عمران حيا ما وسعه إلا إتباعي ، » وقال في يونس : « لا تفضلوني على يونس بن متى » وهذا خارج عن تفسير الآية . والجواب عن الأول أنه ليس في الآية من غاضبه ، لكنا نقطع على أنه لا يجوز على نبي الله أن يغاضب ربه ؛ لأن ذلك صفة من يجهل كون الله مالكا للأمر والنهي والجاهل بالله لا يكون مؤمنا فضلا عن أن يكون نبيا ، وأما ما روي أنه خرج مغاضبا لأمر يرجع إلى الاستعداد ، وتناول النفل فمما يرتفع حال الأنبياء عليهم السلام عنه ، لأن الله تعالى إذا أمرهم بشيء فلا يجوز أن يخالفوه لقوله تعالى : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } وقوله : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } إلى قوله : { ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت } فإذا كان في الاستعداد مخالفة لم يجز أن يقع ذلك منهم ، وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى الله تعالى ، وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضبا لغير الله ، والغالب أنه إنما يغاضب من يعصيه فيما يأمره به فيحتمل قومه أو الملك أو هما جميعا ، ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العذاب عليهم عندها ، وقرأ أبو شرف مغضبا .

أما قوله مغاضبة القوم أيضا كانت محظورة لقوله تعالى : { ولا تكن كصاحب الحوت } قلنا لا نسلم أنها كانت محظورة ، فإن الله تعالى أمره بتبليغ تلك الرسالة إليهم ، وما أمره بأن يبقى معهم أبدا فظاهر الأمر لا يقتضي التكرار ، فلم يكن خروجه من بينهم معصية ، وأما الغضب فلا نسلم أنه معصية وذلك لأنه لما لم يكن منهيا عنه قبل ذلك فظن أن ذلك جائز ، من حيث إنه لم يفعله إلا غضبا لله تعالى وأنفة لدينه وبغضا للكفر وأهله ، بل كان الأولى له أن يصابر وينتظر الإذن من الله تعالى في المهاجرة عنهم ، ولهذا قال تعالى : { ولا تكن كصاحب الحوت } كأن الله تعالى أراد لمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل المنازل وأعلاها .

والجواب عن الشبهة الثانية : وهي التمسك بقوله تعالى : { فظن أن لن نقدر عليه } أن نقول من ظن عجز الله تعالى فهو كافر ، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين ، فكيف إلى الأنبياء عليهم السلام فإذن لا بد فيه من التأويل وفيه وجوه : أحدها : { فظن أن لن نقدر عليه } لن نضيق عليه وهو كقوله تعالى : { الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر } أي يضيق : { ومن قدر عليه رزقه } أي ضيق : { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه } أي ضيق ومعناه أن لن نضيق عليه ، واعلم أن على هذا التأويل تصير الآية حجة لنا ، وذلك لأن يونس عليه السلام ظن أنه مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج ، وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره ، وكان في المعلوم أن الصلاح في تأخر خروجه ، وهذا من الله تعالى بيان لما يجري مجرى العذر له من حيث خرج ، لا على تعمد المعصية لكن لظنه أن الأمر في خروجه موسع يجوز أن يقدم ويؤخر ، وكان الصلاح خلاف ذلك . وثانيها : أن يكون هذا من باب التمثيل بمعنى فكانت حالته ممثلة بحالة من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه من قومه من غير انتظار لأمر الله تعالى . وثالثها : أن تفسر القدرة بالقضاء فالمعنى فظن أن لن نقضي عليه بشدة ، وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي ، ورواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهم واختيار الفراء والزجاج ، قال الزجاج : نقدر بمعنى نقدر . يقال : قدر الله الشيء قدرا وقدره تقديرا ، فالقدر بمعنى التقدير وقرأ عمر بن عبد العزيز والزهري : { فظن أن لن نقدر عليه } بضم النون والتشديد من التقدير ، وقرأ عبيد بن عمر بالتشديد على المجهول وقرأ يعقوب : ( يقدر عليه ) بالتخفيف على المجهول ، وروي أنه دخل ابن عباس رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه ، فقال معاوية : لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فعرفت فيها فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك فقال : وما هي ؟ قال : يظن نبي الله أن لن يقدر الله عليه ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما هذا من القدر لا من القدرة . ورابعها : فظن أن لن نقدر : أي فظن أن لن نفعل لأن بين القدرة والفعل مناسبة فلا يبعد جعل أحدهما مجازا عن الآخر . وخامسها : أنه استفهام بمعنى التوبيخ معناه أفظن أن لن نقدر عليه عن ابن زيد . وسادسها : أن على قول من يقول هذه الواقعة كانت قبل رسالة يونس عليه السلام كان هذا الظن حاصلا قبل الرسالة ، ولا يبعد في حق غير الأنبياء والرسل أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان . ثم إنه يرده بالحجة والبرهان . والجواب عن الثالث : وهو التمسك بقوله : { إني كنت من الظالمين } فهو أن نقول إنا لو حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام ، ولو حملناه على ما بعدها فهي واجبة التأويل لأنا لو أجريناها على ظاهرها ، لوجب القول بكون النبي مستحقا للعن ، وهذا لا يقوله مسلم ، وإذا وجب التأويل فنقول لا شك أنه كان تاركا للأفضل مع القدرة على تحصيل الأفضل فكان ذلك ظلما . والجواب عن الرابع : أنا لا نسلم أن ذلك كان عقوبة إذ الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا ، بل المراد به المحنة ، لكن كثير من المفسرين يذكرون في كل مضرة تفعل لأجل ذنب أنها عقوبة . والجواب عن الخامس : أن الملامة كانت بسبب ترك الأفضل .

المسألة الرابعة : قال صاحب «الكشاف » في الظلمات أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله تعالى : { ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات } وقوله : { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } ومنهم من اعتبر أنواعا مختلفة من الظلمات فإن كان النداء في الليل فهناك ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت ، وإن كان في النهار أضيف إليه ظلمة أمعاء الحوت ، أو أن حوتا ابتلع الحوت الذي هو في بطنه ، أو لأن الحوت إذا عظم غوصه في قعر البحر كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة ، أما قول من قال : إن الحوت الذي ابتلعه غاص في الأرض السابعة فإن ثبت ذلك بخبر فلا كلام ، وإن قيل بذلك لكي يقع نداؤه في الظلمات فما قدمناه يغني عن ذلك .

أما قوله : { أن لا إله إلا أنت } فالمعنى بأنه لا إله إلا أنت ، أو بمعنى أي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له " وعن الحسن : ما نجاه الله تعالى إلا بإقراره عن نفسه بالظلم .

أما قوله سبحانك فهو تنزيه عن كل النقائص ومنها العجز ، وهذا يدل على أنه ما كان مراده من قوله : { فظن أن لن نقدر عليه } أنه ظن العجز ، وإنما قال : { سبحانك } لأن تقديره سبحانك أن تفعل ذلك جورا أو شهوة للانتقام ، أو عجزا عن تخليصي عن هذا الحبس ، بل فعلته بحق الإلهية وبمقتضى الحكمة .

أما قوله : { إني كنت من الظالمين } فالمعنى ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير إذنك ، كأنه قال : كنت من الظالمين ، وأنا الآن من التائبين النادمين ، فاكشف عني المحنة ،

يدل عليه قوله : { فاستجبنا له } .

وفيه وجه آخر وهو أنه عليه السلام وصفه بقوله : { لا إله إلا أنت } بكمال الربوبية ووصف نفسه بقوله : { إني كنت من الظالمين } بضعف البشرية والقصور في أداء حق الربوبية ، وهذا القدر يكفي في السؤال على ما قال المتنبي :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة*** سكوتي كلام عندها وخطاب

وروى عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لما أراد الله حبس يونس عليه السلام ، أوحى إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ، ولا تكسر له عظما " فأخذه وهوى به إلى أسفل البحر ، فسمع يونس عليه السلام حسا ، فقال في نفسه : ما هذا ؟ فأوحى الله إليه هذا تسبيح دواب البحر ، قال فسبح ، فسمعت الملائكة تسبيحه ، فقالوا مثله .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (87)

ذو النون : النبي يونس بن متّى . والنون : الحوت .

مغاضِبا : غضبان من قومه .

الظلمات : جمع ظلمة ، المكان المظلم .

واذكر أيها الرسول ، يونسَ ، صاحبَ الحوت ، حين بعثه الله إلى أهل ( نينوى ) في العراق ، فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته فأبَوا عليه وتمادوا في كفرهم ، فغضب منهم وتركهم . وركب مع قوم في سفينة ، فهاج البحر وكان لا بد من إلقاء أحدٍ ممن في السفينة ، فوقعت القرعة على يونس ، كما جاء في قوله تعالى : { فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المدحضين } [ الصافات : 141 ] ، فألقى نفسه في البحر فالتقمه الحوت . فدعا ربه وهو في الظلمات ، واعترف بأنه من الظالمين .

قراءات :

قرأ يعقوب : { فظن أن لن يُقدَر عليه } بضم الياء وفتح الدال ، والباقون : { نقدر } بفتح النون وكسر الدال .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (87)

{ وَذَا النون } أي واذكر صاحب الحوت يونس عليه السلام ابن متى وهو اسم أبيه على ما في «صحيح البخاري » وغيره وصححه ابن حجر قال : ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه ، وقد قيل إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس ، وقال ابن الأثير كغيره إنه اسم أمه ولم ينسب أحد من الأنبياء إلى أمه غيره وغير عيسى عليهما السلام .

واليهود قالوا بما تقدم إلا أنهم سموه يونه بن إميتاي ، وبعضهم يقول يونان بن أماثي ، والنون الحوت كما أشرنا إليه ويجمع على نينان كما في «البحر » وأنوان أيضاً كما في «القاموس » .

{ إِذ ذَّهَبَ مغاضبا } أي غضبان على قومه لشدة شكيمتهم وتمادي إصرارهم مع طول دعوته إياهم ، وكان ذهابه هذا هجرة عنهم لكنه لم يؤمر به . وقيل : غضبان على الملك حزقيل ، فقد روى عن ابن عباس أنه قال : كان يونس وقومه يسكنون فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً فأوحي الله تعالى إلى شعياء النبي أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له يوجه خمسة من الأنبياء لقتال هذا الملك فقال : أوجه يونس ابن متى فإنه قومي أمين فدعاه الملك وأمره أن يخرج فقال يونس : هل أمرك الله تعالى بإخراجي ؟ قال : لا قال : هل سماني لك ، قال : لا فقال يونس : فههنا أنبياء غيري فألحوا عليه فخرج مغاضباً فأتى بحر الروم فوجد قوماً هيئوا سفينة فركب معهم فلما وصلوا اللجنة تكفأت بهم السفينة وأشرفت على الغرق فقال الملاحون : معنا رجل عاص أو عبد آبق ومن رسمنا إذا ابتلينا بذلك أن نقترع فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر ولأن يغرق أحدنا خير من أن تغرق السفينة فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة فيها كلها على يونس عليه السلام فقال : أنا الرجل العاصي والعبد الآبق فألقى نفسه في البحر فجاءت فحوت فابتلعته فأوحى الله تعالى إليها أن لا تؤذيه بشعرة فإني جعلت بطنك سجناً له ولم أجعله طعاماً ثم نجاه الله تعالى من بطنها ونبذه بالعراء وقد رق جلده فأنبت عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس عليه السلام فقيل له : أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب راحتهم ؟ فأوحى الله تعالى إليه وأمره أن يذهب إليهم فتوجه نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فأتاهم وقال لملكهم : إن الله تعالى أرسلني إليك فأرسل معي بني إسرائيل قالوا : ما نعرف ما تقول ولو علمنا علمنا أنك صادق لفعلنا وقد آتيناكم في دياركم وسبيناكم فلو كان الأمر كما تقول لمنعنا الله تعالى عنكم فطاف فيهم ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله تعالى إليه قل لهم إن لم يؤمنوا جاءهم العذاب فأبلغهم فأبو فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه ثم ذكروا أمرهم وأمر يونس عليه السلام للعلماء الذين عندهم فقالوا : انظروا واطلبوه في المدينة فإن كان فيها فليس كما ذكر من نزول العذاب وإن كان قد خرج فهو كما قال فطلبوه فقيل لهم : إنه خرج العشية فلما أيسوا غلقوا باب مدينتهم ولم يدخلوا فيها دوابهم ولا غيرها وعزلوا كل واحدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات ثم قاموا ينتظرون الصبح فلما انشق الصبح نزل العذاب من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها وصاحت الصبيان والدواب فرفع الله تعالى العذاب عنهم فبعثوا إلى يونس حتى لقوه فآمنوا به وبعثوا معه بني إسرائيل ، وقيل مغاضباً لربه عز وجل ، وحكى في هذه المغاضبة كيفيات ؛ وتعقب ذلك في البحر بأنه يجب اطراح هذا القول إذ لا يناسب ذلك منصب النبوة وينبغي أن يتأول لمن قال ذلك من العلماء كالحسن .

والشعبي . وابن جبير . وغيرهم من التابعين . وابن مسعود من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأن يكون معنى قولهم لربه لأجل ربه تعالى وحمية لدينه ، فاللام لام العلة لا اللام الموصلة للمفعول به انتهى .

وكون المراد مغاضباً لربه عز وجل مقتضى زعم اليهود فإنهم زعموا أن الله تعالى أمره أن يذهب إلى نينوى وينذر أهلها فهرب إلى ترسيس من ذلك وانحدر إلى يافا ونزل في السفينة فعظمت الأمواج وأشرفت السفينة على الغرق فاقترع أهلها فوقعت القرعة عليه فرمى بنفسه إلى البحر فالتقمه الحوت ثم ألقاه وذهب إلى نينوى فكان ما كان ، ولا يخفى أن مثل هذا الهرب مما يجل عنه الأنبياء عليهم السلام واليهود قوم بهت .

ونصب { مغاضبا } على الحال وهو من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكاً نحو عاقبت اللص وسافرت ، وكأنه استعمل ذلك هنا للمبالغة ؛ وقيل المفاعلة على ظاهرها فإنه عليه السلام غضب على قومه لكفرهم وهم غضبوا عليه بالذهاب لخوفهم لحوق العذاب . وقرأ أبو سرف { مغاضبا } اسم مفعول { فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } أي أنه أي الشأن لن نقدر ونقضي عليه بعقوبة ونحوها أو لن نضيق عليه في أمره بحبس ونحوه ، ويؤيد الأول قراءة عمر بن عبد العزيز . والزهري { نَّقْدِرَ } بالنون مضمومة وفتح القاف وكسر الدال مشددة ، وقراءة على كرم الله تعالى وجهه . واليماني { يُقَدّرُ } بضم الياء وفتح القاف والدال مشددة فإن الفعل فيهما من التقدير بمعنى القضاء والحكم كما هو المشهور ، ويجوز أن يكون بمعنى التضيق فإنه ورد بهذا المعنى أيضاً كما ذكره الراغب ، وظن معاوية رضي الله تعالى عنه أنه من القدرة فاستشكل ذلك إذ لا يظن أحد فضلاً عن النبي عليه السلام عدم قدرة الله تعالى عليه وفزع إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأجابه بما ذكرناه أولاً ؛ وجوز أن يكون من القدرة وتكون مجازاً عن أعمالها أي فظن أن لن نعمل قدرتنا فيه أو يكون الكلام من باب التمثيل أي فعل فعل من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمرنا ، وقيل : يجوز أن يسبق ذلك إلى وهمه عليه السلام بوسوسة الشيطان ثم يردعه ويرد بالبرهان كما يفعل المؤمن المحقق بنزغات الشيطان وما يوسوس إليه في كل وقت ، ومنه { وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا } [ الأحزاب : 10 ] والخطاب للمؤمنين . وتعقبه «صاحب الفرائد » بأن مثله عن المؤمن نعيد فضلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم المعصوم لأنه كفر ، وقوله تعالى : { تظنون } الخ ليس من هذا القبيل على أن شامل للخلص وغيرهم ، وبأن ما هجس ولم يستقر لا يسمى ظناً ، وبأن الخواطر لا عتب عليها ، وبأنه لو كان حامله على الخروج لم يكن من قبيل الوسوسة . وأجيب بأن الظن بمعنى الهجس في الخاطر من غير ترجيح مجاز مستعمل والعتب على ذهابه مغاضباً ولا وجه لجعله حاملاً على الخروج ؛ ومع هذا هو وجه لا وجاهة له . وقرأ ابن أبي ليلى . وأبو سرف . والكلبي . وحميد بن قيس . ويعقوب { والله يُقَدّرُ } بضم الياء وفتح الدال مخففاً ، وعيسى . والحسن بالياء مفتوحة وكسر الدال .

{ فنادى } الفاء فصيحة أي فكان ما كان من المساهمة والتقام الحوت فنادى { فِي الظلمات } أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت جعلت الظلمة لشدتها كأنها ظلمات ، وأنشد السيرافي

: وليل تقول الناس في ظلماته *** سواء صحيحات العيون وعورها

أو الجمع على ظاهره والمراد ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل ، وقيل : ابتلع حوته حوت أكبر منه فحصل في ظلمتي بطني الحوتين وظلمتي البحر والليل { أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ } أي بأنه لا إله إلا أنت على أن أن مخففة من الثقيلة والجار مقدر وضمير الشأن محذوف أو أي لا إله إلا أنت على أنها مفسرة { سبحانك } أي أنزهك تنزيهاً لائقاً بك من أن يعجزك شيء أو أن يكون ابتلائي بهذا من غير سبب من جهتي { إِنّي كُنتُ مِنَ الظالمين } لأنفسهم بتعريضهم للهلكة حيث بادرت إلى المهاجرة من غير أمر على خلاف معتاد الأنبياء عليهم السلام ، وهذا اعتراف منه عليه السلام بذنبه وإظهار لتوبته ليفرج عنه كربته .