ولما ذكر الله قصة عاد أتبعه بقصة ثمود فقال : { وأما ثمود } قال صاحب «الكشاف » قرئ { ثمود } بالرفع والنصب منونا وغير منون والرفع أفصح لوقوعه بعد حرف الابتداء وقرئ بضم الثاء وقوله { فهديناهم } أي دللناهم على طريق الخير والشر { فاستحبوا العمى على الهدى } أي اختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد .
واعلم أن صاحب «الكشاف » ذكر في تفسير الهدى في قوله تعالى : { هدى للمتقين } أن الهدى عبارة عن الدلالة الموصلة إلى البغية ، وهذه الآية تبطل قوله ، لأنها تدل على أن الهدى قد حصل مع أن الإفضاء إلى البغية لم يحصل ، فثبت أن قيد كونه مفضيا إلى البغية غير معتبر في اسم الهدى .
وقد ثبت في هذه الآية سؤال يشعر بذلك إلا أنه لم يذكر جوابا شافيا فتركناه ، قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن الله تعالى قد ينصب الدلائل ويزيح الأعذار والعلل ، إلا أن الإيمان إنما يحصل من العبد لأن قوله { وأما ثمود فهديناهم } يدل على أنه تعالى قد نصب لهم الدلائل وقوله { فاستحبوا العمى على الهدى } يدل على أنهم من عند أنفسهم أتوا بذلك العمى فهذا يدل على أن الكفر والإيمان يحصلان من العبد ، وأقول بل هذه الآية من أدل الدلائل ، على أنهما إنما يحصلان من الله لا من العبد ، وبيانه من وجهين : ( الأول ) أنهم إنما صدر عنهم ذلك العمى ، لأنهم أحبوا تحصيله ، فلما وقع في قلبهم هذه المحبة دون محبة ضده ، فإن حصل ذلك الترجيح لا لمرجح فهو باطل ، وإن كان المرجح هو العبد عاد الطلب ، وإن كان المرجح هو الله فقد حصل المطلوب ( الثاني ) أنه تعالى قال : { فاستحبوا العمى على الهدى } ومن المعلوم بالضرورة أن أحدا لا يحب العمى والجهل مع العلم بكونه عمى وجهلا ، بل ما لم يظن في ذلك العمى والجهل كونه تبصرة وعلما لا يرغب فيه ، فإقدامه على اختيار ذلك الجهل لا بد وأن يكون مسبوقا بجهل آخر ، فإن كان ذلك الجهل الثاني باختياره أيضا لزم التسلسل وهو محال ، فلا بد من انتهاء تلك الجهالات إلى جهل يحصل فيه لا باختياره وهو المطلوب ، ولما وصف الله كفرهم قال : { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } و { صاعقة العذاب } أي داهية العذاب و{ الهون } الهوان ، وصف به العذاب مبالغة أو أبدل منه { بما كانوا يكسبون } يريد من شركهم وتكذيبهم صالحا وعقرهم الناقة ، وشرع صاحب «الكشاف » هاهنا في سفاهة عظيمة . والأولى أن لا يلتفت إليه أنه وإن كان قد سعى سعيا حسنا فيما يتعلق بالألفاظ ، إلا أن المسكين كان بعيدا من المعاني .
{ وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم } قال ابن عباس . وقتادة . والسدي : أي بينا لهم ، وأرادوا بذلك على ما قيل بيان طريقي الضلالة والرشد كما في قوله تعالى : { وهديناه النجدين } [ البلد : 10 ] وهو أنسب بقوله تعالى : { فاستحبوا العمى عَلَى الهدى } أي فاختاروا الضلالة على الهدى فالظاهر في أنه بين لهم الطريقان فاختاروا أحدهما ، وصرح ابن زيد بذلك فقد حكي عنه أنه قال : أي اعلمناهم الهدى من الضلال ، وفسر غير واحد الهداية هنا بالدلالة أي فدللناهم على الحق بنصب الحجج وإرسال الرسل فاختاروا الضلال ولم يفسروها بالدلالة الموصلة لإباء ظاهر { فاستحبوا } الخ عنه .
واستدل المعتزلة بهذه الآية على أن الإيمان باختيار العبد على الاستقلال بناءً على أن قوله تعالى : { هديناهم } دل على نصب الأدلة وإزاحة العلة ، وقوله تعالى : { استحبوا العمى } الخ دل على أنهم بأنفسهم آثروا العمى .
والجواب كما في «الكشف » أن في لفظ الاستحباب ما يشعر بأن قدرة الله تعالى هي المؤثرة وأن لقدرة العبد مدخلاً ما فإن المحبة ليست اختيارية بالاتفاق وإيثار العمى حباً وهو الاستحباب من الاختيارية ، فانظر إلى هذه الدقيقة تر العجب العجاب ، وإلى نحوه أشار الإمام الداعي إلى الله تعالى قدس سره ، ومعنى كون المحبة ليست اختيارية أنها بعد حصول ما تتوقف عليه من أمور اختيارية تكون بجذب الطبيعة من غير اختيار للشخص في ميل قلبه وارتباط هواه بمن يحبه ، فهي نفسها غير اختيارية لكنها باعتبار مقدماتها اختيارية ، ولذلك كلفنا بمحبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم . وفي طوق الحمامة لابن سعيد أن المحبة ميل روحاني طبيعي ، وإليه يشير قوله عز وجل : { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } [ الأعراف : 189 ] أي يميل فجعل علة ميلها كونها منها ، وهو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام : " الأرواح جنود مجندة " وتكون المحبة لأمور أخر كالحسن والإحسان والكمال ، ولها آثار يطلق عليها محبة كالطاعة والتعظيم ، وهذه هي التي يكلف بها لأنها اختيارية فاعرفه . وقرأ ابن وثاب . والأعمش . وبكر بن حبيب { وَأَمَّا ثَمُودُ } بالرفع مصروفاً .
وقد قرأ الأعمش . وابن وثاب بصرفه في جميع القرآن إلا في قوله تعالى : { وآتينا ثمود الناقة } [ الإسراء : 59 ] لأنه في المصحف بغير ألف . وقرأ ابن أبي إسحاق . وابن هرمز بخلاف عنه . والمفضل ، قال ابن عطية : والأعمش وعاصم . وروي عن ابن عباس { ثمودا } بالنصب والتنوين ، وروى المفضل عن عاصم الوجهين والمنع عن الصرف للعلمية والتأنيث على إرادة القبيلة ، ومن صرفه جعله اسم رجل ، والنصب على جعله من باب الإضمار على شريطة التفسير ، ويقدر الفعل الناصب بعده لأن أما لا يليها في الغالب إلا اسم . وقرىء بضم الثاء على أنه جمع ثمد وهو قلة الماء فكأنهم سموا بذلك لأنهم كانوا يسكنون في الرمال بين حضرموت وصنعاء وكانوا قليلي الماء { الهدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعقة العذاب الهون } أي الذي وهو صفة للعذاب أو بدل منه ، ووصفه به مصدراً للمبالغة وكذا إضافة صاعقة إلى العذاب فيفيد ذلك أن عذابهم عين الهون وأن له صاعقة ، والمراد بالصاعقة النار الخارجة من السحاب كما هو المعروف ، وسبب حدوثها العادي مشهور في كتب الفلسفة القديمة وقد تكلم في ذلك أهل الفلسفة الجديدة المتداولة اليوم في بلاد الروم وما قرب منها فقالوا في كيفية انفجار الصاعقة : من المعلوم أن انطلاق الكهربائية التي في السحاب وهي قوة مخصوصة في الأجسام نحو قوة الكهرباء التي بها تجذب التبنة ونحوها إليها إنما يحصل باتحاد كهربائية الأجسام مع بعضها فإذا قرب السحاب من الأجسام الأرضية طلبت الكهربائية السحابية أن تتحد بالكهربائية الأرضية فتتبجس بينهما شرارة كهربائية فتصعق الأجسام الأرضية ، وتتفاوت قوة الصاعقة باختلاف الاستحالة البخارية فليست في جميع البلاد والفصول واحدة ، وأوضحوا ذلك بكلام طويل من أراده فليرجع إليه في كتبهم ، وقيل : المراد بالصاعقة هنا الصيحة كما ورد في آيات أخر ، ولا مانع من الجمع بينهما . وقرأ ابن مقسم { الهوان } بفتح الهاء وألف بعد الواو { بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من اختيار الضلالة على الهدى ، وهذا تصريح بما تشعر به الفاء .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.