مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ} (2)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } .

{ لا تقدموا } نهي عن فعل ينبئ عن كونهم جاعلين لأنفسهم عند الله ورسوله بالنسبة إليهما وزنا ومقدارا ومدخلا في أمر من أوامرهما ونواهيهما ، وقوله { لا ترفعوا } نهي عن قول ينبئ عن ذلك الأمر ، لأن من يرفع صوته عند غيره يجعل لنفسه اعتبارا وعظمة وفيه مباحث :

البحث الأول : ما الفائدة في إعادة النداء ، وما هذا النمط من الكلامين على قول القائل { يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدي الله } ، و { لا ترفعوا أصواتكم } ؟ نقول في إعادة النداء فوائد خمسة : منها أن يكون في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد كما في قول لقمان لابنه { يا بني لا تشرك بالله } { يا بني إنها إن تك مثقال حبة } ، { يا بني أقم الصلاة } لأن النداء لتنبيه المنادى ليقبل على استماع الكلام ويجعل باله منه ، فإعادته تفيد ذلك ، ومنها أن لا يتوهم متوهم أن المخاطب ثانيا غير المخاطب أولا : فإن من الجائز أن يقول القائل يا زيد افعل كذا وقل كذا يا عمرو ، فإذا أعاده مرة أخرى ، وقال يا زيد قل كذا ، يعلم من أول الكلام أنه هو المخاطب ثانيا أيضا ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود ، وليس الثاني تأكيدا للأول كما تقول يا زيد لا تنطق ولا تتكلم إلا بالحق فإنه لا يحسن أن يقال يا زيد لا تنطق يا زيد لا تتكلم كما يحسن عند اختلاف المطلوبين ، وقوله تعالى : { لا ترفعوا أصواتكم } يحتمل وجوها : ( أحدها ) أن يكون المراد حقيقته ، وذلك لأن رفع الصوت دليل قلة الاحتشام وترك الاحترام ، وهذا من مسألة حكمية وهي أن الصوت بالمخارج ومن خشي قلبه ارتجف وتضعف حركته الدافعة فلا يخرج منه الصوت بقوة ، ومن لم يخف ثبت قلبه وقوي ، فرفع الهواء دليل عدم الخشية ( ثانيها ) أن يكون المراد المنع من كثر الكلام لأن من يكثر الكلام يكون متكلما عن سكوت الغير فيكون في وقت سكوت الغير لصوته ارتفاع وإن كان خائفا إذا نظرت إلى حال غيره فلا ينبغي أن يكون لأحد عند النبي صلى الله عليه وسلم كلام كثير بالنسبة إلى كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي عليه الصلاة والسلام مبلغ ، فالمتكلم عنده إن أراد الإخبار لا يجوز ، وإن استخبر النبي عليه السلام عما وجب عليه البيان ، فهو لا يسكت عما يسأل وإن لم يسأل ، وربما يكون في السؤال حقيدة برد جواب لا يسهل على المكلف الإتيان به فيبقى في ورطة العقاب ( ثالثها ) أن يكون المراد رفع الكلام بالتعظيم أي لا تجعلوا لكلامكم ارتفاعا على كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الخطاب كما يقول القائل لغيره أمرتك مرارا بكذا عندما يقول له صاحبه مرني بأمر مثله ، فيكون أحد الكلامين أعلى وأرفع من الآخر ، والأول أصح والكل يدخل في حكم المراد ، لأن المنع من رفع الصوت لا يكون إلا للاحترام وإظهار الاحتشام ، ومن بلغ احترامه إلى حيث تنخفض الأصوات عنده من هيبته وعلو مرتبته لا يكثر عنده الكلام ، ولا يرجع المتكلم معه في الخطاب ، وقوله تعالى : { ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض } فيه فوائد :

( إحداها ) أن بالأول حصل المنع من أن يجعل الإنسان كلامه أو صوته أعلى من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وصوته ، ولقائل أن يقول فما منعت من المساواة فقال تعالى : { ولا تجهروا له } كما تجهرون لأقرانكم ونظرائكم بل اجعلوا كلمته عليا .

والثانية : أن هذا أفاد أنه لا ينبغي أن يتكلم المؤمن عند النبي عليه السلام كما يتكلم العبد عند سيده ، لأن العبد داخل تحت قوله { كجهر بعضكم لبعض } لأنه للعموم فلا ينبغي أن يجهر المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم كما يجهر العبد للسيد وإلا لكان قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض ، لا يقال المفهوم من هذا النمط أن لا تجعلوه كما يتفق بينكم ، بل تميزوه بأن لا تجهروا عنده أبدا وفيما بينكم لا تحافظون على الاحترام ، لأنا نقول ما ذكرنا أقرب إلى الحقيقة ، وفيه ما ذكرتم من المعنى وزيادة ، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى : { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه حتى لو كانا في مخمصة ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيده ، ويجب البذل للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولو علم العبد أن بموته ينجو سيده لا يلزمه أن يلقى نفسه في التهلكة لإنجاء سيده ، ويجب لإنجاء النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد ذكرنا حقيقته عند تفسير الآية ، وأن الحكمة تقتضي ذلك كما أن العضو الرئيس أولى بالرعاية من غيره ، لأن عند خلل القلب مثلا لا يبقى لليدين والرجلين استقامة فلو حفظ الإنسان نفسه وترك النبي عليه الصلاة والسلام لهلك هو أيضا بخلاف العبد والسيد .

الفائدة الثانية : أن قوله تعالى : { لا ترفعوا أصواتكم } لما كان من جنس { لا تجهروا } لم يستأنف النداء ، ولما كان هو يخالف التقدم لكون أحدهما فعلا والآخر قولا استأنف كما في قول لقمان { يا بني لا تشرك } وقوله { يا بني أقم الصلاة } لكون الأول من عمل القلب والثاني من عمل الجوارح ، وقوله { يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر } من غير استئناف النداء لأن الكل من عمل الجوارح .

واعلم أنا إن قلنا المراد من قوله { لا ترفعوا أصواتكم } أي لا تكثروا الكلام فقوله { ولا تجهروا } يكون مجازا عن الإتيان بالكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ما يؤتى به عند غيره ، أي لا تكثروا وقللوا غاية التقليل ، وكذلك إن قلنا المراد بالرفع الخطاب فالمراد بقوله { لا تجهروا } أي لا تخاطبوه كما تخاطبون غيره وقوله تعالى : { أن تحبط أعمالكم } فيه وجهان مشهوران : ( أحدهما ) لئلا تحبط ( والثاني ) كراهة أن تحبط ، وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى : { يبين الله لكم أن تضلوا } وأمثاله ، ويحتمل هاهنا وجها آخر وهو أن يقال معناه : واتقوا الله واجتنبوا أن تحبط أعمالكم ، والدليل على هذا أن الإضمار لما لم يكن منه بد فما دل عليه الكلام الذي هو فيه أولى أن يضمر والأمر بالتقوى قد سبق في قوله تعالى : { واتقوا } وأما المعنى فنقول قوله { أن تحبط } إشارة إلى أنكم إن رفعتم أصواتكم وتقدمتكم تتمكن منكم هذه الرذائل وتؤدي إلى الاستحقار ، وإنه يفضي إلى الانفراد والارتداد المحبط وقوله تعالى : { وأنتم لا تشعرون } إشارة إلى أن الردة تتمكن من النفس بحيث لا يشعر الإنسان ، فإن من ارتكب ذنبا لم يرتكبه في عمره تراه نادما غاية الندامة خائفا غاية الخوف فإذا ارتكبه مرارا يقل الخوف والندامة ويصير عادة من حيث لا يعلم أنه لا يتمكن ، وهذا التمكن كان في المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو غيرها ، وهذا كما أن من بلغه خبر فإنه لا يقطع بقول المخبر في المرة الأولى ، فإذا تكرر عليه ذلك وبلغ حد التواتر يحصل له اليقين ويتمكن الاعتقاد ، ولا يدري متى كان ذلك ، وعند أي خبر حصل هذا اليقين ، فقوله { وأنتم لا تشعرون } تأكيد للمنع أي لا تقولوا بأن المرة الواحدة تعفي ولا توجب رده ، لأن الأمر غير معلوم فاحسموا الباب ، وفيه بيان آخر وهو أن المكلف إذا لم يحترم النبي صلى الله عليه وسلم ويجعل نفسه مثله فيما يأتي به بناء على أمره يكون كما يأتي به بناء على أمر نفسه ، لكن ما تأمر به النفس لا يوجب الثواب وهو محبط حابط ، كذلك ما يأتي به بغير أمر النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ حابط محبط ، والله أعلم .

واعلم أن الله تعالى لما أمر المؤمنين باحترام النبي صلى الله عليه وسلم وإكرامه وتقديمه على أنفسهم وعلى كل من خلقه الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بالرأفة والرحمة ، وأن يكون أرأف بهم من الوالد ، كما قال : { واخفض جناحك للمؤمنين } وقال تعالى : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } وقال : { ولا تكن كصاحب الحوت } إلى غير ذلك لئلا تكون خدمته خدمة الجبارين الذين يستعبدون الأحرار بالقهر فيكون انقيادهم لوجه الله .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ} (2)

لا ترفعوا أصواتكم : غضّوها وتكلموا بهدوء ولين .

ثم أدّبهم في الآية الثانية في الحديث والخطاب مع رسول الله ، وأن يوقّروه ،

فلا يرفعوا أصواتَهم فوق صوت النبي إذا تكلم ، بل يخفَضوها ولا يتكلّموا معه كما يتكلم بعضهم مع بعض . وأن يتأدبوا في مخاطبته فلا تقولوا : يا محمد ، بل قولوا : يا نبيّ الله ، أو يا رسول الله ، وبكل إجلال وتعظيم ، حتى لا تبطُل أعمالكم وأنتم لا تشعرون .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ} (2)

{ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبي } شروع في النهي عن التجاوز في كيفية القول عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد النهي عن التجاوز في نفس القول والفعل ، وإعادة النداء مع قرب العهد به للمبالغة في الايقاظ والتنبيه والإشعار باستقلال كل من الكلامين باستدعاء الاعتناء بشأنه أي لا تبلغوا بأصواتكم وراء حد سيبلغه عليه الصلاة والسلام بصوته . وقرأ ابن مسعود { لاَ تَرْفَعُواْ } بتشديد { لاَ تَرْفَعُواْ } وزيادة الباء وقد شدد الأعلم الهذلي في قوله :

رفعت عيني بالحجا *** زالي أناس بالمناقب

/ والتشديد فيه للمبالغة كزيادة الباء في القراءة إلا أن ليس المعنى فيها أنهم نهوا عن الرفع الشديد تخيلاً أن يكون ما دون الشديد مسوغاً لهم ، ولكن المعنى نهيهم عما كانوا عليه من الجلبة واستجفاؤهم فيما كانوا يفعلون ، وهو نظير قوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة } [ آل عمران : 130 ] . { وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } أي جهراً كائناً كالجهر لأالجاري فيما بينكم ، فالأول نهى عن رفع الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم وهذا نهى عن مساواة جهرهم لجهره عليه الصلاة والسلام فإنه المعتاد في مخاطبة الأقران والنظراء بعضهم لبعض ، ويفهم من ذلك وجوب الغض حتى تكون أصواتهم دون صوته صلى الله عليه وسلم ، وقيل : الأول مخصوص بمكالمته صلى الله عليه وسلم لهم وهذا بصمته عليه الصلاة والسلام كأنه قيل : لا ترفعوا أصواتكم فوق صوته إذا نطق ونطقتم ولا تجهروا له بالقول إذا سكت وتكلمتم ، ويفهم أيضاً وجوب كون أصواتهم دون صوته عليه الصلاة والسلام ، فأياً ما كان يكون المآل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته صلى الله عليه وسلم وتعهدوا في مخاطبته اللين القريب من الهمس كما هو الدأب عند مخاطبة المهيب المعظم وحافظوا على مراعاة أبهة النبوة وجلالة مقدارها ، ومن هنا قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بعد نزول الآية كما أخرج عبد بن حميد . والحاكم . وصححه من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة : { والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله تعالى » .

وفي رواية أنه قال : يا رسول الله والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار حتى ألقى الله تعالى ، وكان إذا قدم على رسول الله عليه الصلاة والسلام الوفود أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عمر رضي الله تعالى عنه كما في صحيح البخاري . وغيره عن ابن الزبير إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه ، وقيل : معنى { ولا تجهروا له بالقول } الخ ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضاً وخاطبوه بالنبي والرسول ، والكلام عليه أبعد عن توهم التكرار لكنه خلاف الظاهر لأن ذكر الجهر عليه لا يظهر له وجه ، وكان الظاهر أن يقال مثلاً : ولا تجعلوا خطابه كخطاب بعضكم بعضاً . { أَن تَحْبَطَ أعمالكم } تعليل لما قبله من النهيين على طريق التنازع بتقدير مضاف أي كراهة أن تحبط أعمالكم ، والمعنى إني أنهاكم عما ذكر لكراهة حبوط أعمالكم بارتكابه أو تعليل للمنهى عنه ، وهو الرفع والجهر بتقدير اللام أي لأن تحبط ، والمعنى فعلكم ما ذكر لأجل الحبوط منهى عنه ، ولام التعليل المقدرة مستعارة للعاقبة التي يؤدي إليها الفعل لأن الرفع والجهر ليس لأجل الحبوط لكنهما يؤديان إليه على ما تعلمه إن شاء الله تعالى ، وفرق بينهما بما حاصله أن الفعل المنهى معلل في الأول والفعل المعلل منهى في الثاني وأيهما كان فمرجع المعنى إلى أن الرفع والجهر كلاهما منصوص الاداء إلى حبوط العمل ، وقراءة ابن مسعود . وزيد بن علي { فتحبط } بالفاء أظهر في التنصيص على أدائه إلى الإحباط لأن ما بعد الفاء لا يكون إلا مسبباً عما قبلها ، وقوله تعالى : { بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } حال من فاعل { تَحْبَطَ } ومفعول { تَشْعُرُونَ } محذوف بقرينة ما قبله أي والحال أنتم لا تشعرون أنها محبطة ، وظاهر الآية مشعر بأن الذنوب مطلقاً قد تحبط الأعمال الصالحة ؛ ومذهب أهل السنة أن المحبط منها الكفر لا غير ، والأول مذهب المعتزلة ولذا قال الزمخشري : قد دلت الآية على أمرين هائلين . أحدهما أن فيما يرتكب من الآثام ما يحبط عمل المؤمن . والثاني أن في أعماله ما لا يدري أنه محبطط ولعله عند الله تعالى محبط .

وأجاب عن ذلك ابن المنير عليه الرحمة بأن المراد في الآية النهي عن رفع الصوت على الإطلاق ، ومعلوم أن حكم النهي الحذر مام يتوقع في ذلك من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم ، والقاعدة المختارة أن إيذاءه عليه الصلاة والسلام يبلغ مبلغ الكفر المحبط للعمل باتفاق فورد النهي عما هو مظنة لأذى النبي صلى الله عليه وسلم سواء وجد هذا المعنى أولاً حماية للذريعة وحسبما للمادة ، ثم لما كان هذا المنهى عنه منقسماً إلى ما يبلغ مبلغ الكفر وهو المؤذى له عليه الصلاة والسلام وإلى ما لا يبلغ ذلك المبلغ ولا دليل يميز أحد القسمين عن الآخر لزم المكلف أن يكف عن ذلك مطلقاً خوف أن يقع فيما هو محبط للعمل وهو البالغ حد الأذى اذ لا دليل ظاهراً يميزع ، وإن كان فلا يتفق تمييزه في كثير من الأحيان ، وإلى التباس أحد القسمين بالآخر وقعت الإشارة بقوله سبحانه : { أَن تَحْبَطَ أعمالكم وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } وإلا فلو كان الأمر على ما يعتقده الزمخشري لم يكن لقوله سبحانه : { وَأَنتُمْ لا تشعرون } موقع إذ الأمر منحصر بين أن يكون رفع الصوت مؤذياً فيكون كفراً محبطاً قطعاً وبين أن يكون غير مؤذ فيكون كبيرة محبطة على رأيه قطعاً ، فعلى كلا حاليه الإحباط به محقق إذن فلا موقع لادعام الكلام بعدم الشعور مع أن الشعور ثابت مطلقاً ، ثم قال عليه الرحمة : وهذا التقدير يدور على مقدمتين كلتاهما صحيحة .

احداهما أن رفع الصوت من جنس ما يحصل به الأذى وهذا أمر يشهد به النقل والمشاهدة حتى أن الشيخ ليتأذى برفع التلميذ صوته بين يديه فكيف برتبة النبوة وما تستحقه من الاجلال والأعظام . ثانيتهما أن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم كفر وهذا ثابت قد نص عليه ائمتنا وأفتوا بقتل من تعرض لذلك كفراً ولا تقبل توبته فما أتاه أعظم عند الله تعالى وأكبر انتهى .

وحاصل الجواب أنه لا دليل في الآية على ما ذهب إليه الزمخشري لأنه قد يؤدي إلى الإحباط إذا كان على وجه الإيذاء أو الاستهانة فنهاهم عز وجل عنه وعلله بأنه قد يحبط وهم لا يشعرون ، وقيل : يمكن نظراً للمقام أن يمنزل إذا هم رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع الصوت منزلة الكفر تغليظاً إجلالاً لمجسله صلوات الله تعالى عليه وسلامه ثم يرتب عليه ما يرتب على الكفر الحقيقي من الإحباط كقوله تعالى : { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } إلى قوله سبحانه : { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين } [ آل عمران : 97 ] ومعنى { وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } عليه وأنتم لا تسعرون أن ذلك بمنزلة الكفر المحبط وليس كسائر المعاصي ، ولا يتم بدون الأول ، وجاز كما في الكشف أن يكون المراد ما فيه استهانة ويكون من باب { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين } [ القصص : 86 ] مما الغرض منه التعريض كيف وهو قول منقول عن الحسن كما حكاه في الكشاف ، وقال أبو حيان : إن كانت الآية بمن يفعل ذلك استخفافاً فذلك كفر يحيط معه العمل حقيقة ، وإن كانت للمؤمن الذي يفعله غلبة وجرياً على عادته فإنما يحبط عمله البر في توقير النبي صلى الله عليه وسلم وغض الصوت عنده أن لو فعل ذلك كأنه قيل : مخافة أن تحبط الأعمال التي هي معدة أن تعملوها فتؤجروا عليها ، ولا يخفى ما في الشق الثاني من التلكف البارد ، ثم إن من الجهر ما لم يتناوله النهي بالاتفاق وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو ارهاب عدو أو ما أشبه ذلك ما لا يتخيل منه تأذ أو استهانة ، ففي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال للعباس بن عبد المطلب لما ولى المسلمون يوم حنين : ناد أصحاب السمرة فنادى بأعلى صوته أين أصحاب السمرة ، وكان رجلاً صيتا .

يروى أن غارة أتتهم يوماً فصاح العباس يا صباحاه فأسقط الحوامل لشدة صوته ، وفيه يقول نابغة بني جعدة :

زجر أبي عروة السباع إذا *** أشفق أن يختلطن بالغنم

زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه ، وذكروا أنه سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فكيف لا تفتق مرارة الغنم ؟ فقال : لأنها ألفت صوته ، وروى البخاري . ومسلم عن أنس لما نزلت هذه الآية جلس ثابت بن قيس في بيته وقال : أنا من أهل النار واحتبس فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال : يا أبا عمرو ما شأن ثابت اشتكى ؟ قال سعد : إنه جاري وما علمت له بشكوى فأتاه سعد فقال : أنزلت هذه الآية ولقد علمتم إني أرفعكم صوتاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا من أهل النار فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل هو من أهل الجنة ، وفي رواية أنه لما نزلت دخل بيته وأغلق عليه بابه وطفق يبكي فافتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما شأن ثابت ؟ قالوا : يا رسول الله ما ندري ما شأنه غير أنه أغلق باب بيته فهو يبكي فيه فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فسأله ما شأنك ؟ قال : يا رسول الله أنزل الله عليك هذه الآية وأنا شديد الصوت فأخاف أن أكون قد حبط عملي فقال صلى الله عليه وسلم : لست منهم بل تعيش بخير وتموت بخير ، والظاهر أن ذلك منه رضي الله تعالى عنه كان من غلبة الخوف عليه وإلا فلا حرمة قبل النهي ، وهو أيضاً أجل من أن يكون ممن كان يقصد الاستهانة والإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم برفع الصوت وهم المنافقون الذين نزلت فيهم الآية على ما روي عن الحسن وإنما كان الرفع منه طبيعة لما أنه كان في أذنه صمم وعادة كثير ممن به ذلك رفع الصوت ، والظاهر أنه بعد نزولها ترك هذه العادة ، فقد أخرج الطبراني والحاكم وصححه أن عاصم بن عدي بن العجلان أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بحاله فأرسله إليه فلما جاء قال : ما يبكيك يا ثابت ؟ فقال : أنا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت في فقال له عليه الصلاة والسلام : أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة ؟ قال : رضيت ولا أرفع صوتي أبداً على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

واستدل العلماء بالآية على المنع من رفع الصوت عند قبره الشريف صلى الله عليه وسلم ، وعند قراءة حديثه عليه الصلاة والسلام لأن حرمته ميتاً كحرمته حياً . وذكر أبو حيان كراهة الرفع أيضاً بحضرة العالم ، وغير بعيد حرمته بقصد الإيذاء والاستهانة لمن يحرم إيذاؤه والاستهانة به مطلقاً لكن للحرمة مراتب متفاوتة كما لا يخفى .