مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{سَأَلَ سَآئِلُۢ بِعَذَابٖ وَاقِعٖ} (1)

مقدمة السورة:

سورة المعارج

{ سأل سائل بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع ، من الله ذي المعارج } .

اعلم أن قوله تعالى : { سأل } فيه قراءتان منهم من قرأه بالهمزة ، ومنهم من قرأه بغير همزة ، أما الأولون وهم الجمهور فهذه القراءة تحتمل وجوها من التفسير : ( الأول ) أن النضر بن الحرث لما قال : { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } فأنزل الله تعالى هذه الآية ومعنى قوله : { سأل سائل } أي دعا داع بعذاب واقع من قولك دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه ، ومنه قوله تعالى : { يدعون فيها بكل فاكهة آمنين } قال ابن الأنباري : وعلى هذا القول تقدير الباء الإسقاط ، وتأويل الآية : سأل سائل عذابا واقعا ، فأكد بالباء كقوله تعالى : { وهزي إليك بجذع النخلة } وقال صاحب الكشاف لما كان { سأل } معناه هاهنا دعا لا جرم عدى تعديته كأنه قال دعا داع بعذاب من الله ( الثاني ) قال الحسن وقتادة لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وخوف المشركين بالعذاب قال المشركون : بعضهم لبعض سلوا محمدا لمن هذا العذاب وبمن يقع فأخبره الله عنه بقوله : { سأل سائل بعذاب واقع } قال ابن الأنباري : والتأويل على هذا القول : سأل سائل عن عذاب والباء بمعنى عن ، كقوله :

فإن تسألوني بالنساء فإنني *** بصير بأدواء النساء طبيب

وقال تعالى : { فاسأل به خبيرا } وقال صاحب الكشاف : { سأل } على هذا الوجه في تقدير عنى واهتم كأنه قيل : اهتم مهتم بعذاب واقع ( الثالث ) قال بعضهم : هذا السائل هو رسول الله استعجل بعذاب الكافرين ، فبين الله أن هذا العذاب واقع بهم ، فلا دافع له قالوا : والذي يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى في آخر الآية : { فاصبر صبرا جميلا } وهذا يدل على أن ذلك السائل هو الذي أمره بالصبر الجميل ، أما القراءة الثانية وهي ( سال ) بغير همز فلها وجهان : ( أحدهما ) أنه أراد { سأل } بالهمزة فخفف وقلب قال :

سألت قريش رسول الله فاحشة *** ضلت هذيل بما سالت ولم تصب

( والوجه الثاني ) أن يكون ذلك من السيلان ويؤيده قراءة ابن عباس سال سيل والسيل مصدر في معنى السائل ، كالغور بمعنى الغائر ، والمعنى اندفع عليهم واد بعذاب ، وهذا قول زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن زيد قالا : سال واد من أودية جهنم ( بعذاب واقع ) أما سائل ، فقد اتفقوا على أنه لا يجوز فيه غير الهمز لأنه إن كان من سأل المهموز فهو بالهمز ، وإن لم يكن من المهموز كان بالهمز أيضا نحو قائل وخائف إلا أنك إن شئت خففت الهمزة فجعلتها بين بين ، وقوله تعالى : { بعذاب واقع للكافرين } فيه وجهان ، وذلك لأنا إن فسرنا قوله : { سأل } بما ذكرنا من أن النضر طلب العذاب ، كان المعنى أنه طلب طالب عذابا هو واقع لا محالة سواء طلب أو لم يطلب ، وذلك لأن ذلك العذاب نازل للكافرين في الآخرة واقع بهم لا يدفعه عنهم أحد ، وقد وقع بالنضر في الدنيا لأنه قتل يوم بدر ، وهو المراد من قوله : { ليس له دافع } وأما إذا فسرناه بالوجه الثاني وهو أنهم سألوا الرسول عليه السلام ، أن هذا العذاب بمن ينزل فأجاب الله تعالى عنه بأنه واقع للكافرين ، والقول الأول وهو السديد .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{سَأَلَ سَآئِلُۢ بِعَذَابٖ وَاقِعٖ} (1)

مقدمة السورة:

سورة المعارج مكية وآياتها أربع وأربعون ، نزلت بعد الحاقة . وسميت " سورة المعارج " لقوله تعالى " من الله ذي المعارج " يعني ذات الدرجات الرفيعة . وقد سماها الطبري : سورة " سأل سائل " ، وهي كالتتمة لها في وصف القيامة وعذاب النار وحقيقة الآخرة التي تصدّت لها . ولكن سورة المعارج تعالجها بطريقة أخرى ، فتذكر أن عذاب الكافرين الذي طلبوه لابد واقع ، من الله صاحب الرفعة ورفيع الدرجات ، في يوم مقداره خمسون ألف سنة من سنين الدنيا . وفيها أمِر الرسول الكريم أن يصبر على استهزائهم واستعجالهم العذاب ، وأنه آت قريب . ثم يعقُب وصف ذلك اليوم كيف تكون السماء ، والأرض والجبال ، وكيف يُشغل كل امرئ بنفسه فلا يسأل عن أحد من أقربائه وأصدقائه . وكيف يودّ المجرم لو يفتدي من عذاب ذلك اليوم ببنيه وزوجته وأخيه وعشيرته ، ولكن كل ذلك

لا يُغنيه شيئا ، ولا أحد من جميع من في الأرض يستطيع أن ينجيه . وتتحدث السورة بعد ذلك عن جهنم وأهوالها .

ثم تتناول النفس البشر البشرية وكيف تكون في الضراء والسراء ، وأن الإنسان طُبع على الهلع والجزع إذا مسه المكروه والعسر ، شديد المنع والحرمان إذا أصابه الخير واليسر ، إلا المؤمنين المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ، فإن الله يعصمهم ويوفقهم إلى الخير . وقد أفاضت السورة في مدحهم وتعداد أوصافهم ، فأولئك المؤمنون { في جنات مُكرمون } من الله تعالى .

وكذلك في السورة إنكار على الكافرين لأطماعهم الفاسدة . ثم يأتي الختام بوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتركهم على سفههم ولعبهم حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون .

سأل : طلب .

كان زعماءُ قريش كثيراً ما يسألون الرسولَ الكريم عن موضوع القيامة ، ويقولون إنّ محمداً يخوّفُنا بالعذاب ، فما هذا العذاب ؟ ومتى يكون ؟ وكان النضرُ بن الحارث ومعه كثيرون يقولون ، منكرين ومستهزئين : متى هذا الوعد ؟ وينكرون البعثَ والجزاءَ أشدَّ الإنكار . فردّ الله عليهم بهذه السورة الكريمة .

إن العذابَ الذي طلبه السائلون واقعٌ بهم لا محالة .

قراءات :

قرأ الجمهور : سأل سائل بالهمزة . وقرأ نافع وابن عامر : سال بغير همزة .