فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{سَأَلَ سَآئِلُۢ بِعَذَابٖ وَاقِعٖ} (1)

مقدمة السورة:

سورة المعارج

ويقال سورة المعارج ، هي أربع وأربعون آية وهي مكية . قال القرطبي : باتفاق . وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت سورة سأل بمكة . وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله .

قوله : { سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } قرأ الجمهور : { سَأَلَ } بالهمزة ، وقرأ نافع وابن عامر بغير همزة ، فمن همز فهو من السؤال وهي اللغة الفاشية ، وهو إما مضمن معنى الدعاء ، فلذلك عدّي بالباء ، كما تقول دعوت كذا ، والمعنى : دعا داع على نفسه بعذاب واقع ، ويجوز أن يكون على أصله ، والباء بمعنى عن كقوله : { فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً } [ الفرقان : 59 ] ومن لم يهمز ، فهو إما من باب التخفيف بقلب الهمزة ألفاً ، فيكون معناها معنى قراءة من همز ، أو يكون من السيلان ، والمعنى : سال وادٍ في جهنم ، يقال له : سائل ، كما قال زيد بن ثابت . ويؤيده قراءة ابن عباس «سال سيل » وقيل : إن سال بمعنى التمس ، والمعنى : التمس ملتمس عذاباً للكفار ، فتكون الباء زائدة كقوله : { تَنبُتُ بالدهن } [ المؤمنون : 20 ] والوجه الأوّل هو الظاهر . وقال الأخفش : يقال : خرجنا نسأل عن فلان وبفلان . قال أبو عليّ الفارسي : وإذا كان من السؤال ، فأصله أن يتعدّى إلى مفعولين ، ويجوز الاقتصار على أحدهما ويتعدى إليه بحرف الجر ، وهذا السائل هو النضر بن الحارث حين قال : { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال : 32 ] وهو ممن قتل يوم بدر صبراً . وقيل : هو أبو جهل ، وقيل : هو الحارث بن النعمان الفهري ، والأوّل أولى لما سيأتي . وقرأ أبيّ ، وابن مسعود «سال سال » مثل مال مال على أن الأصل سائل ، فحذفت العين تخفيفاً ، كما قيل : شاك في شائك السلاح . وقيل : السائل هو نوح عليه السلام ، سأل العذاب للكافرين ، وقيل : هو رسول الله دعا بالعقاب عليهم ، وقوله : { بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } يعني : إما في الدنيا كيوم بدر ، أو في الآخرة .

/خ18