مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ} (44)

أما قوله تعالى : { وخذ بيدك ضغثا } فهو معطوف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك . واعلم أن هذا الكلام يدل على تقدم يمين منه ، وفي الخبر أنه حلف على أهله ، ثم اختلفوا في السبب الذي لأجله حلف عليها ، ويبعد ما قيل إنها رغبته في طاعة الشيطان ، ويبعد أيضا ما روي أنها قطعت الذوائب عن رأسها لأن المضطر إلى الطعام يباح له ذلك بل الأقرب أنها خالفته في بعض المهمات ، وذلك أنها ذهبت في بعض المهمات فأبطأت فحلف في مرضه ليضربنها مائة إذا برئ ، ولما كانت حسنة الخدمة له لا جرم حلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها ، وهذه الرخصة باقية ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى بمجذم خبث بأمة فقال :

« خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة » .

ثم قال تعالى : { إنا وجدناه صابرا } فإن قيل كيف وجده صابرا وقد شكى إليه ، والجواب من وجوه الأول : أنه شكى من الشيطان إليه وما شكى منه إلى أحد الثاني : أن الألم حين كان على الجسد لم يذكر شيئا فلما عظمت الوساوس خاف على القلب والدين فتضرع الثالث : أن الشيطان عدو ، والشكاية من العدو إلى الحبيب لا تقدح في الصبر ، ثم قال : { نعم العبد إنه أواب } وهذا يدل على أن تشريف نعم العبد ، إنما حصل لكونه أوابا ، وسمعت بعضهم قال : لما نزل قوله تعالى : { نعم العبد } في حق سليمان عليه السلام تارة ، وفي حق أيوب عليه السلام أخرى عظم الغم في قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا إن قوله تعالى : { نعم العبد } في حق سليمان تشريف عظيم ، فإن احتجنا إلى اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان حتى بحد هذا التشريف لم نقدر عليه ، وإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل أيوب لم نقدر عليه ، فكيف السبيل إلى تحصيله . فأنزل الله تعالى قوله : { نعم المولى ونعم النصير } والمراد أنك إن لم تكن { نعم العبد } فأنا { نعم المولى } وإن كان منك الفضول ، فمني الفضل ، وإن كان منك التقصير ، فمني الرحمة والتيسير .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ} (44)

قوله جل ذكره : { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } .

الضِغْث الحزمة من القضبان ، وقيل كانت مائة ، وأُمِرَ بأن يضرب بها دفعةً على امرأته لئلا يحنث في يمينه ، فإنه كان قد حلف أن يضربها مائةَ خشبةٍ إِنْ صحَّ ( أنها أخطأت ) . فَشَكَرَ اللَّهُ لها لبراءةِ ساحتِها ، وصبرها على خدمته . وسببُ يمينه أنه لما قال لها إبليسُ : اسجدي لي ؛ أخبرت أيوبَ بذلك ، فغاظه حيث سمعت من إبليس ذلك وظنَّتْ أنه صادق . وقيل باعت ذوائبها برغيفين حملتهما إليه فتوهَّمَ في ذلك رِيبةً ، وكان أيوب يتعلَّق بذوائبها ( إذا أراد القيام ) . وقيل رابه شيءٌ منها فَحَلَف ( أن يضربها بعد شفائه ) .

{ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً . . . } : والصبرُ ألا تعترضَ على التقدير . ويقال الصبر الوقوف تحت الحُكْم . ويقال التلذُّذ بالبلاء ، واستعذابُه دون استصعابه . ويقال اصبر الوقوف مع الله بحسن الأدب .

ولم يَنْفِ قولُه { مَسَّنِيَ الضُّرُّ } [ الأنبياء : 83 ] اسمَ الصبرِ عنه ؛ لأنَ ذلك لم يكن على وجه الشكوى ، ولأنه كان مرة واحدة ، وقد وقف الكثيرَ من الوقت ولم يَقُلْ مَسَّني الضُّرُّ ؛ فكان الحُكْمُ للغالب .

{ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } لم يشغلْه البلاءُ عن المُبْلِي . ونِعْمَ العبدُ لأنه خرج من البلاء على الوجه الذي دخل فيه .