فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ} (44)

{ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً } معطوف على { اركض } ، أو على { وهبنا } ؛ أو التقدير ، وقلنا له : { خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً } ، والضغث : عثكال النخل بشماريخه ، وقيل : هو قبضة من حشيش مختلط رطبها بيابسها ، وقيل : الحزمة الكبيرة من القضبان ، وأصل المادّة تدلّ على جمع المختلطات . قال الواحدي : الضغث : ملء الكفّ من الشجر ، والحشيش والشماريخ { فاضرب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ } أي اضرب بذلك الضغث ، ولا تحنث في يمينك ، والحنث : الإثم ، ويطلق على فعل ما حلف على تركه ، وكان أيوب قد حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة .

واختلف في سبب ذلك ، فقال سعيد بن المسيب : إنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه به من الخبز ، فخاف خيانتها ، فحلف ليضربنها . وقال يحيى بن سلام وغيره : إن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقرّباً إليه ، فإنه إذا فعل ذلك برئ ، فحلف ليضربنها إن عوفي مائة جلدة . وقيل : باعت ذؤابتها برغيفين إذ لم تجد شيئاً ، وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد القيام ، فلهذا حلف ليضربنها . وقيل : جاءها إبليس في صورة طبيب ، فدعته لمداواة أيوب ، فقال : أداويه على أنه إذا برئ قال : أنت شفيتني ، لا أريد جزاء سواه ، قالت : نعم ، فأشارت على أيوب بذلك ، فحلف ليضربنها .

وقد اختلف العلماء هل هذا خاصّ بأيوب ، أو عامّ للناس كلهم ؟ وأن من حلف خرج من يمينه بمثل ذلك . قال الشافعي : إذا حلف ليضربنّ فلاناً مائة جلدة أو ضرباً ، ولم يقل : ضرباً شديداً ، ولم ينوِ بقلبه ، فيكفيه مثل هذا الضرب المذكور في الآية ، حكاه ابن المنذر عنه ، وعن أبي ثور ، وأصحاب الرأي . وقال عطاء : هو خاصّ بأيوب ، ورواه ابن القاسم عن مالك . ثم أثنى الله سبحانه على أيوب ، فقال : { إِنَّا وجدناه صَابِراً } أي على البلاء الذي ابتليناه به ، فإنه ابتلي بالداء العظيم في جسده ، وذهاب ماله ، وأهله ، وولده ، فصبر { نِعْمَ العبد } أي : أيوب { إِنَّهُ أَوَّابٌ } أي رجاع إلى الله بالاستغفار والتوبة .

/خ54