مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} (117)

أما قوله تعالى : { بديع السموات والأرض } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : البديع والمبدع بمعنى واحد . قال القفال : وهو مثل أليم بمعنى مؤلم وحكيم بمعنى محكم ، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه وأنه يدل على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع فهو في ذلك بمنزلة : سامع وسميع وقد يجيء بديع بمعنى مبدع ، والإبداع الإنشاء ونقيض الإبداع الاختراع على مثال ولهذا السبب فإن الناس يسمون من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعا .

المسألة الثانية : اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول ، لأنه تعالى قال : { بل له ما في السموات والأرض } فبين بذلك كونه مالكا لما في السموات والأرض ثم بين بعده أنه المالك أيضا للسموات والأرض ، ثم أنه تعالى بين أنه كيف يبدع الشيء فقال : { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال بعض الأدباء : القضاء مصدر في الأصل سمي به ولهذا جمع على أقضية كغطاء وأغطية ، وفي معناه القضية ، وجمعها القضايا ووزنه فعال من تركيب «ق ض ى » وأصله «قضاي » إلا أن الياء لما وقعت طرفا بعد الألف الزائدة اعتلت فقلبت ألفا ، ثم لما لاقت هي ألف فعال قلبت همزة لامتناع التقاء الألفين لفظا ، ومن نظائره المضاء والإتاء ، من مضيت وأتيت والسقاء والشفاء ، من سقيت وشفيت ، والدليل على إصالة الياء دون الهمزة ثباتها في أكثر تصرفات الكلمة تقول : قضيت وقضينا ، وقضيت إلى قضيتن ، وقضيا وقضين ، وهما يقضيان ، وهي وأنت تقضي ، والمرأتان وأنتما تقضيان ، وهن يقضين ، وأما أنت تقضين ، فالياء فيه ضمير المخاطبة ، وأما معناه فالأصل الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع ، من ذلك قولهم : قضى القاضي لفلان على فلان بكذا قضاء إذا حكم ، لأنه فصل للدعوى ، ولهذا قيل : حاكم فيصل إذا كان قاطعا للخصومات وحكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا : القاضي معناه القاطع للأمور المحكم لها ، وقولهم انقضى الشيء إذا تم وانقطع ، وقولهم : قضى حاجته ، معناه قطعها عن المحتاج ودفعها عنه وقضى دينه إذا أداه إليه كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه أو انقطع كل منهما عن صاحبه ، وقولهم : قضى الأمر ، إذا أتمه وأحكمه ، ومنه قوله تعالى : { فقضاهن سبع سموات } وهو من هذا لأن في إتمام العمل قطعا له وفراغا منه ، ومنه : درع قضاء من قضاها إذا أحكمها وأتم صنعها ، وأما قولهم : قضى المريض وقضى نحبه إذا مات ، وقضى عليه : قتله فمجاز مما ذكر والجامع بينهما ظاهر ، وأما تقضي البازي فليس من هذا التركيب ، ومما يعضد ذلك دلالة ما استعمل من تقليب ترتيب هذا التركيب عليه وهو القيض والضيق ، أما الأول فيقال : قاضه فانقاض ، أي شقه فانشق ، ومنه قيض البيض لما انفلق من قشره الأعلى ، وانقاض الحائط إذا انهدم من غير هدم ، والقطع والشق والفلق والهدم متقاربة ، وأما الضيق وما يشتق منه فدلالته على معنى القطع بينة ، وذلك أن الشيء إذا قطع ضاق أو على العكس ، ومما يؤكد ذلك أن ما يقرب من هذا التركيب يدل أيضا على معنى القطع ، ( فأولها ) : قضبه إذا قطعه ، ومنه القضبة المرطبة ، لأنها تقضب أي تقطع تسمية بالمصدر ، والقضيب : الغصن ، فعيل بمعنى مفعول ، والمقضب ما يقضب به كالمنجل . ( وثانيها ) القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان ، لأن فيه قطعا للمأكول ، وسيف قضيم : في طرفه تكسر وتفلل . ( وثالثها ) : القضف وهو الدقة ، يقال رجل قضيف ، أي : نحيف ، لأن القلة من مسببات القطع . ( ورابعها ) : القضأة فعلة وهي الفساد ، يقال قضئت القربة إذا عفيت وفسدت وفي حسبه قضأة أي عيب ، وهذا كله من أسباب القطع أو مسبباته فهذا هو الكلام في مفهومه الأصلي بحسب اللغة .

المسألة الثانية : في محامل لفظ القضاء في القرآن قالوا : أنه يستعمل على وجوه . ( أحدها ) : بمعنى الخلق ، قوله تعالى : { فقضاهن سبع سموات } يعني خلقهن . ( وثانيها ) : بمعنى الأمر قال تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } ( وثالثها ) : بمعنى الحكم ، ولهذا يقال للحاكم : القاضي . ( ورابعا ) : بمعنى الإخبار ، قال تعالى : { وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب } أي أخبرناهم ، وهذا يأتي مقرونا بإلى . ( وخامسها ) : أن يأتي بمعنى الفراغ من الشيء قال تعالى : { فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين } يعني لما فرغ من ذلك ، وقال تعالى : { وقضي الأمر واستوت على الجودي } يعني فرغ من إهلاك الكفار وقال : { ليقضوا تفثهم } بمعنى ليفرغوا منه ، إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { إذا قضى أمرا } قيل : إذا خلق شيئا ، وقيل : حكم بأنه يفعل شيئا ، وقيل : أحكم أمرا ، قال الشاعر :

وعليهما مسرودتان قضاهما *** داود أو صنع السوابغ تبع

المسألة الثالثة : اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص ، وهل هو حقيقة في الفعل والشأن الحق ؟ نعم وهو المراد بالأمر ههنا ، وبسط القول فيه مذكور في أصول الفقه .

المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر : { كن فيكون } بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين : في أول آل عمران : { كن فيكون الحق } وفي الأنعام : { كن فيكون قوله الحق } فإنه رفعهما ، وعن الكسائي بالنصب في النحل ويس وبالرفع في سائر القرآن ، والباقون بالرفع في كل القرآن ، أما النصب فعلى جواب الأمر ، وقيل هو بعيد ، والرفع على الاستئناف أي فهو يكون .

المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى : { فإنما يقول له كن فيكون } هو أنه تعالى يقول له : { كن } فحينئذ يتكون ذلك الشيء فإن ذلك فاسد والذي يدل عليه وجوه . ( الأول ) : أن قوله : { كن فيكون } إما أن يكون قديما أو محدثا والقسمان فاسدان فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على { كن } إنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قديما لوجوه . ( الأول ) : أن كلمة { كن } لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف على النون ، فالنون لكونه مسبوقا بالكاف لابد وأن يكون محدثا ، والكاف لكونه متقدما على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثا . ( الثاني ) : أن كلمة { إذا } لا تدخل إلا على سبيل الاستقبال ، فذلك القضاء لابد وأن يكون محدثا لأنه دخل عليه حرف { إذا } وقوله { كن } مرتب على القضاء بفاء التعقيب لأنه تعالى قال : { فإنما يقول له كن } والمتأخر عن المحدث محدث ، فاستحال أن يكون : { كن } قديما . ( الثالث ) : أنه تعالى رتب تكون المخلوق على قوله : { كن } بفاء التعقيب فيكون قوله : { كن } مقدما على تكون المخلوق بزمان واحد والمتقدم على المحدث بزمان واحد لابد وأن يكون محدثا فقوله : { كن } لا يجوز أن يكون قديما ، ولا جائز أيضا أن يكون قوله : { كن } محدثا لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله : { كن } وقوله : { كن } أيضا محدث فيلزم افتقار : { كن } آخر ويلزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله : { كن } .

الحجة الثانية : أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق بكن قبل دخوله في الوجود أو حال دخوله في الوجود ، ( والأول ) : باطل لأن خطاب المعدوم حال عدمه سفه ، ( والثاني ) : أيضا باطل لأنه يرجع حاصله إلى أنه تعالى أمر الموجود بأن يصير موجودا وذلك أيضا لا فائدة فيه .

الحجة الثالثة : أن المخلوق قد يكون جمادا ، وتكليف الجماد عبث ولا يليق بالحكيم .

الحجة الرابعة : أن القادر هو الذي يصح منه الفعل وتركه بحسب الإرادات ، فإذا فرضنا القادر المريد منفكا عن قوله : { كن } فإما أن يتمكن من الإيجاد والإحداث أو لا يتمكن ، فإن تمكن لم يكن الإيجاد موقوفا على قوله : { كن } وإن لم يتمكن فحينئذ يلزم أن لا يكون القادر قادرا على الفعل إلا عند تكلمه بكن فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سمعتم القدرة بكن وذلك نزاع في اللفظ .

الحجة الخامسة : أن { كن } لو كان له أثر في التكوين لكنا إذا تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير ، ولما علمنا بالضرورة فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة .

الحجة السادسة : أن { كن } كلمة مركبة من الكاف والنون ، بشرط كون الكاف متقدما على النون ، فالمؤثر إما أن يكون هو أحد هذين الحرفين أو مجموعهما ، فإن كان الأول لم يكن لكلمة { كن } أثر البتة ، بل التأثير لأحد هذين الحرفين ، وإن كان الثاني فهو محال ، لأنه لا وجود لهذا المجموع البتة لأنه حين حصل الحرف الأول لم يكن الثاني حاصلا ، وحين جاء الثاني فقد فات الأول ، وإن لم يكن للمجموع وجود البتة استحال أن يكون للمجموع أثر البتة .

الحجة السابعة : قوله تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } بين أن قوله : { كن } متأخر عن خلقه إذ المتأخر عن الشيء لا يكون مؤثرا في المتقدم عليه ، فعلمنا أنه لا تأثير لقوله : { كن } في وجود الشيء فظهر بهذه الوجوه فساد هذا المذهب ، وإذا ثبت هذا فنقول لابد من التأويل وهو من وجوه :

( الأول ) : وهو الأقوى أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء ، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة ونظيره قوله تعالى عند وصف خلق السموات والأرض : { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } من غير قول كان منهما لكن على سبيل سرعة نفاذ قدرته في تكوينهما من غير ممانعة ومدافعة ونظيره قول العرب : قال الجدار للوتد لم تشقني ؟ قال : سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي ونظيره قوله تعالى : { وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } ( الثاني ) : أنه علامة يفعلها الله تعالى للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمرا يحكى ذلك عن أبي الهذيل . ( الثالث ) : أنه خاص بالموجودين الذين قال لهم { كونوا قردة خاسئين } ومن جرى مجراهم وهو قول الأصم . ( الرابع ) : أنه أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة والكل ضعيف والقوي هو الأول .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} (117)

104

( بديع السماوات والأرض . وإذا قضى أمرا فإنما يقول له : كن فيكون ) . .

وتوجه الإرادة يتم بكيفية غير معلومة للإدراك البشري ، لأنها فوق طاقة الإدراك البشري . فمن العبث إنفاق الطاقة في اكتناه هذا السر ، والخبط في التيه بلا دليل !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} (117)

{ بَدِيعُ السماوات والأرض } أي مبدعهما فهو فعيل من أفعل وكان الأصمعي ينكر فعيلاً بمعنى مفعل ، وقال ابن بري : قد جاء كثيراً نحو مسخن وسخين ومقعد وقعيد وموصى ووصي ومحكم وحكيم ومبرم وبريم ومونق وأنيق في أخوات له ، ومن ذلك السميع في بيت عمرو بن معدي كرب السابق . والاستشهاد بناءاً على الظاهر المتبادر على ما هو الأليق بمباحث العربية فلا يرد ما قيل في البيت لأنه على خلافه كما لا يخفى على المنصف ، وقيل : هو من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها للتخفيف أي بديع سماواته . وأنت تعلم أنه قد تقرر أن الصفة إذا أضيفت إلى الفاعل يكون فيها ضمير يعود إلى الموصوف فلا تصح الإضافة إلا إذا صح اتصاف الموصوف بها نحو حسن الوجه حيث يصح اتصاف الرجل بالحسن لحسن وجهه بخلاف حسن الجارية وإنما صح زيد كثير الاخوان لاتصافه بأنه متقوّ بهم ، وفيما نحن فيه وإن امتنع اتصافه بالصفة المذكورة لكن يصح اتصافه بما دلت عليه وهو كونه مبدعاً لهما . وهذا يقتضي أن يكون الأولى بقاء المبدع على ظاهره وهو الذي عليه أساطين أهل اللغة ، والإبداع اختراع الشيء لا عن مادة ولا في زمان ، ويستعمل ذلك في إيجاده تعالى للمبادي كما قاله الراغب ، وهو غير الصنع إذ هو تركيب الصورة بالعنصر ؛ ويستعمل في إيجاد الأجسام وغير التكوين فإنه ما يكون بتغير وفي زمان غالباً وإذا أريد من السموات والأرض جميع ما سواه تعالى من المبدعات والمصنوعات والمكونات لاحتوائها على عالم الملك والملكوت فبعد اعتبار التغليب يصح إطلاق كل من الثلاثة إلا أن لفظ الإبداع أليق لأنه يدل على كمال قدرته تعالى ، والقول بتعين حمل الإبداع على التكوين من مادة أو أجزاء لأن إيجاد السموات من شيء كما يشير إليه قوله تعالى : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِىَ دُخَانٌ } [ فصلت : 11 ] ناشئ من الغفلة عما ذكرنا ، والآية حجة أخرى لإبطال تلك المقالة الشنعاء ، وتقريرها أنه تعالى مبدع لكل ما سواه فاعل على الإطلاق ، ولا شيء من الوالد كذلك ضرورة انفعاله بانفصال مادة الولد عنه فالله تعالى ليس بوالد ، وقرأ المنصور { بَدِيعُ } بالنصب على المدح ، وقرئ بالجر على أنه بدل من الضمير في { لَهُ } على رأي من يجوز ذلك { وَإِذَا قضى أَمْرًا } أي أراد شيئاً بقرينة قوله تعالى : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً } [ يس : 82 ] وجاء القضاء على وجوه ترجع كلها إلى إتمام الشيء قولاً أو فعلاً وإطلاقه على الإرادة مجاز من استعمال اللفظ المسبب في السبب فإن الإيجاد الذي هو إتمام الشيء مسبب عن تعلق الإرادة لأنه يوجبه ، وساوى ابن السيد بينه وبين القدر ، والمشهور التفرقة بينهما بجعل القدر تقديراً لأمور قبل أن تقع ، والقضاء إنفاذ ذلك القدر وخروجه من العدم إلى حد الفعل ، وصحح ذلك الجمهور لأنه قد جاء في الحديث «أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بكهف مائل للسقوط فأسرع المشي حتى جاوزه فقيل : له أتفر من قضاء الله تعالى ؟ فقال : أفر من قضائه تعالى إلى قدره » ففرق صلى الله عليه وسلم بين القضاء والقدر .

{ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } الظاهر أن الفعلين من كان التامة لعدم ذكر الخبر مع أنها الأصل أي احدث فيحدث ، وهي تدلك على معنى الناقصة لأن الوجود المطلق أعم من وجوده في نفسه أو في غيره والأمر محمول( {[183]} ) على حقيقته كما ذهب إليه محققو ساداتنا الحنفية والله تعالى قد أجرى سنته في تكوين الأشياء أن يكوّنها بهذه الكلمة وإن لم يمتنع تكوينها بغيرها ، والمراد الكلام الأزلي لأنه يستحيل قيام اللفظ المرتب بذاته تعالى ولأنه حادث فيحتاج إلى خطاب آخر فيتسلسل وتأخره عن الإرادة وتقدمه على وجود الكون باعتبار التعلق ، ولما لم يشتمل خطاب التكوين على الفهم واشتمل على أعظم الفوائد جاز تعلقه بالمعدوم ، وذهب المعتزلة وكثير من أهل السنة إلى أنه ليس المراد به حقيقة الأمر والامتثال ، وإنما هو تمثيل لحصول ما تعلق به الإرادة بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف فهناك استعارة تمثيلية حيث شبهت هيأة حصول المراد بعد تعلق الإرادة بلا مهلة ، وامتناع بطاعة المأمور المطيع عقيب أمر المطاع بلا توقف وإباء تصويراً لحال الغائب بصورة الشاهد ثم استعمل الكلام الموضوع للمشبه في المشبه به من غير اعتبار استعارة في مفرداته وكان أصل الكلام إذا قضى أمراً فيحصل عقيبه دفعة فكأنما يقول له كان فيكون ثم حذف المشبه ، واستعمل المشبه به مقامه ، وبعضهم يجعل في الكلام استعارة تحقيقية تصريحية مبنية على تشبيه حال بقال ، ولعل الذي دعا هؤلاء إلى العدول عن الظاهر زعم امتناعه لوجوه ذكرها بعض أئمتهم الأول : أن قوله تعالى : { كُن } إما أن يكون قديماً أو محدثاً لا جائز أن يكون قديماً لتأخر النون ولتقدم الكاف ، والمسبوق محدث لا محالة ، وكذا المتقدم عليه بزمان مقدر أيضاً ، ولأن { إِذَا } للاستقبال فالقضاء محدث و{ كُنَّ } مرتب عليه بفاء التعقيب ، والمتأخر عن المحدث محدث ، ولا جائز أن يكون محدثاً وإلا لدار أو تسلسل ، الثاني : إما أن يخاطب المخلوق بكن قبل دخوله في الوجود ، وخطاب المعدوم سفه ، وإما بعد دخوله ولا فائدة فيه . الثالث : المخلوق قد يكون جماداً وتكليفه لا يليق بالحكمة الرابع : إذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله { كُنَّ } فإن تمكن من الإيجاد فلا حاجة إليها وإن لم يتمكن فلا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه ب { كُنَّ } فيلزم عجزه بالنظر إلى ذاته .

الخامس : أنا نعلم بالضرورة أنه لا تأثير لهذه الكلمة إذا تكلمنا بها فكذا إذا تكلم بها غيرنا . السادس : المؤثر إما مجموع الكاف والنون ولا وجود لهما مجموعين أو أحدهما وهو خلاف المفروض انتهى .

وأنت إذا تأملت ما ذكرنا ظهر لك اندفاع جميع هذه الوجوه ، ويا عجباً لمن يقول بالكلام النفسي ويجعل هذا دالاً عليه كيف تروعه هذه القعاقع أم كيف تغره هذه الفقاقع ؟ نعم لو ذهب ذاهب إلى هذا القول لما فيه من مزيد إثبات العظمة لله تعالى ما ليس في الأول لا لأن الأول باطل في نفسه كان حريا بالقبول ولعلي أقول به والآية مسوقة لبيان كيفية الإبداع ومعطوفة على قوله تعالى : { بَدِيعُ السموات والأرض } مشتملة على تقرير معنى الإبداع وفيها تلويح بحجة أخرى لإبطال ذلك الهذيان بأن اتخاذ الولد من الوالد إنما يكون بعد قصده بأطوار ومهلة لما أن ذلك لا يمكن إلا بعد انفصال مادته عنه وصيرورته حيواناً ، وفعله تعالى بعد إرادته أو تعلق قوله مستغن عن المهلة فلا يكون اتخاذ الولد فعله تعالى ، وكأن السبب في هذه الضلالة أنه ورد إطلاق الأب على الله تعالى في الشرائع المتقدمة باعتبار أنه السبب الأول وكثر هذا الإطلاق في إنجيل يوحنا ثم ظنت الجهلة أن المراد به معنى الولادة فاعتقدوا ذلك تقليداً وكفروا ، ولم يجوز العلماء اليوم إطلاق ذلك عليه تعالى مجازاً ، قطعاً لمادة الفساد ، وقرأ ابن عامر { فَيَكُونُ } بالنصب ، وقد أشكلت على النحاة حتى تجرأ أحمد بن موسى فحكم بخطئها وهو سوء أدب بل من أقبح الخطأ ، ووجهها أن تكون حينئذ جواب الأمر حملاً على صورة اللفظ وإن كان معناه الخبر إذ ليس معناه تعليق مدلول مدخول الفاء بمدلول صيغة الأمر الذي يقتضيه سببية ما قبل الفاء لما بعدها اللازمة لجواب الأمر بالفاء إذ لا معنى لقولنا ليكن منك كون فكون ، وقيل : الداعي إلى الحمل على اللفظ أن الأمر ليس حقيقياً فلا ينصب جوابه وإن من شرط ذلك أن ينعقد منهما شرط وجزاء نحو ائتني فأكرمك إذ تقديره إن تأتني أكرمك ، وهنا لا يصح أن -يكن يكن- وإلا لزم كون الشيء سبباً لنفسه ، وأجيب بأن المراد إن يكن في علم الله تعالى وإرادته يكن في الخارج فهو على حد «من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله » وبأن كون الأمر غير الحقيقي لا ينصب في جوابه ممنوع فإن كان بلفظ فظاهر ولكنه مجاز عن سرعة التكوين وإن لم يعتبر فهو مجاز عن إرادة سرعته فيؤول إلى إن يراد سرعة وجود شيء يوجد في الحال فلا محذور للتغاير الظاهر ولا يخفى ما فيه ، ووجه الرفع الاستئناف أي فهو يكون وهو مذهب سيبويه ، وذهب الزجاج إلى عطفه على { يَقُولُ } وعلى التقديرين لا يكون { يَكُون } داخلاً في المقول ومن تتمته ليوجه العدول عن الخطاب بأنه من باب الالتفات تحقيراً لشأن الأمر في سهولة تكونه ووجهه به غير واحد على تقدير الدخول .


[183]:_ كأن مرادهم أن مدلول اللفظ موجود حقيقة، وإلا فهذا الأمر تنجيزي وهو مجاز أيضا فافهم اهـ منه.