مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ} (60)

قوله تعالى : { وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين }

قراءة العامة اثنتا عشرة بسكون الشين على التخفيف وقراءة أبي جعفر بكسر الشين ، وعن بعضهم بفتح الشين ، والوجه هو الأول لأنه أخف وعليه أكثر القراء ، واعلم أن هذا هو الإنعام التاسع من الإنعامات المعدودة على بني إسرائيل ، وهو جامع لنعم الدنيا والدين ، أما في الدنيا فلأنه تعالى أزال عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا في التيه ، كما لولا إنزاله المن والسلوى لهلكوا ، فقد قال تعالى : { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام } وقال : { وجعلنا من الماء كل شيء حي } بل الإنعام بالماء في التيه أعظم من الإنعام بالماء المعتاد لأن الإنسان إذا اشتدت حاجته إلى الماء في المفازة وقد انسدت عليه أبواب الرجاء لكونه في مكان لا ماء فيه ولا نبات ، فإذا رزقه الله الماء من حجر ضرب بالعصا فانشق واستقى منه علم أن هذه النعمة لا يكاد يعدلها شيء من النعم ، وأما كونه من نعم الدين فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع وقدرته وعلمه ومن أصدق الدلائل على صدق موسى عليه السلام ، وههنا مسائل :

المسألة الأولى : جمهور المفسرين أجمعوا على أن هذا الاستسقاء كان في التيه ، لأن الله تعالى لما ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل ثيابهم بحيث لا تبلى ولا تتسخ خافوا العطش فأعطاهم الله الماء من ذلك الحجر ، وأنكر أبو مسلم حمل هذه المعجزة على أيام مسيرهم إلى التيه فقال : بل هو كلام مفرد بذاته ، ومعنى الاستسقاء طلب السقيا من المطر على عادة الناس إذا أقحطوا ويكون ما فعله الله من تفجير الحجر بالماء فوق الإجابة بالسقيا وإنزال الغيث والحق أنه ليس في الآية ما يدل على أن الحق هذا أو ذاك وإن كان الأقرب أن ذلك وقع في التيه ، ويدل عليه وجهان . أحدهما : أن المعتاد في البلاد الاستغناء عن طلب الماء إلا في النادر ، الثاني : ما روي أنهم كانوا يحملون الحجر مع أنفسهم لأنه صار معدا لذلك فكما كان المن والسلوى ينزلان عليهم في كل غداة فكذلك الماء ينفجر لهم في كل وقت وذلك لا يليق إلا بأيامهم في التيه .

المسألة الثانية : اختلفوا في العصا ، فقال الحسن : كانت عصا أخذها من بعض الأشجار ، وقيل كانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة والذي يدل عليه القرآن أن مقدارها كان مقدارا يصح أن يتوكأ عليها وأن تنقلب حية عظيمة ولا تكون كذلك إلا ولها قدر من الطول والغلظ وما زاد على ذلك فلا دلالة عليه .

واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب لأنه ليس فيها نص متواتر قاطع ولا يتعلق بها عمل حتى يكتفي فيها بالظن المستفاد من أخبار الآحاد فالأولى تركها .

المسألة الثالثة : اللام في «الحجر » إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم ، فروي أنه حجر طوري حمله معه وكان مربعا له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين تسيل في جدول إلى ذلك السبط ، وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر اثنا عشر ميلا ، وقيل اهبط مع آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا ، وقيل : هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة ففر به ، فقال له جبريل : يقول الله تعالى : ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة ، فحمله في مخلاته ، وإما للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر ، وعن الحسن : لم يأمروه أن يضرب حجرا بعينه . قال : وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة ، وروي أنهم قالوا : كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة فحمل حجرا في مخلاته فحينما نزلوا ألقاه وقيل : كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس ، فقالوا : إن فقد موسى عصاه متنا عطشا . فأوحى الله إليه لا تقرع الحجارة ، وكلمها تطعك ، واختلفوا في صفة الحجر فقيل : كان من رخام وكان ذراعا في ذراع ، وقيل : مثل رأس الإنسان . والمختار عندنا تفويض علمه إلى الله تعالى .

المسألة الرابعة : الفاء في قوله { فانفجرت } متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت أو فإن ضربت فقد انفجرت . بقي هنا سؤالات :

السؤال الأول : هل يجوز أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر فينفجر من غير ضرب حتى يستغني عن تقدير هذا المحذوف ؟ الجواب : لا يمتنع في القدرة أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر ومن قبل أن يضرب ينفجر على قدر الحاجة لأن ذلك لو قيل إنه أبلغ في قيل : إنه أبلغ في الإعجاز لكان أقرب ، لكن الصحيح أنه ضرب فانفجرت لأنه تعالى لو أمر رسوله بشيء ، ثم إن الرسول لا يفعله لصار الرسول عاصيا ، ولأنه إذا انفجر من غير ضرب صار الأمر بالضرب بالعصا عبثا ، كأنه لا معنى له ولأن المروي في الأخبار أن تقديره : فضرب فانفجرت كما في قوله تعالى : { فانفلق } من أن المراد فضرب فانفلق .

السؤال الثاني : أنه تعالى ذكر ههنا : { فانفجرت } وفي الأعراف : { فانبجست } وبينهما تناقض لأن الانفجار خروج الماء بكثرة والانبجاس خروجه قليلا . الجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : الفجر الشق في الأصل ، والانفجار الانشقاق ، ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بخروجه إلى الفسق ، والانبجاس اسم للشق الضيق القليل ، فهما مختلفان اختلاف العام والخاص ، فلا يتناقضان ، وثانيها : لعله انبجس أولا ، ثم انفجر ثانيا ، وكذا العيون : يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه . وثالثها : لا يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر ، أي يخرج الماء كثيرا ثم كانت تقل فكان الماء ينبجس أي يخرج قليلا .

السؤال الثالث : كيف يعقل خروج المياه العظيمة من الحجر الصغير ؟ الجواب : هذا السائل إما أن يسلم وجود الفاعل المختار أو ينكره ، فإن سلم فقد زال السؤال ، لأنه قادر على أن يخلق الجسم كيف شاء كما خلق البحار وغيرها ، وإن نازع فلا فائدة له في البحث عن معنى القرآن والنظر في تفسيره ، وهذا هو الجواب عن كل ما يستبعدونه من المعجزات التي حكاها الله تعالى في القرآن من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وأيضا فالفلاسفة لا يمكنهم القطع بفساد ذلك لأن العناصر الأربعة لها هيولى مشتركة عندهم ، وقالوا : إنه يصح الكون والفساد عليها ، وإنه يصح انقلاب الهواء ماء وبالعكس وكذلك قالوا : [ الهواء ] إذا وضع في الكوز الفضة جمد فإنه يجتمع على أطراف الكوز قطرات الماء ، فقالوا : تلك القطرات إنما حصلت لأن الهواء انقلب ماء فثبت أن ذلك ممكن في الجملة والحوادث السفلية مطيعة للاتصالات الفلكية ، فلم يكن مستبعدا أن يحدث اتصال فلكي يقتضي وقوع هذا الأمر الغريب في هذا العالم . فثبت أن الفلاسفة لا يمكنهم الجزم بفساد ذلك .

أما المعتزلة فإنهم لما اعتقدوا كون العبد موجدا لأفعاله لا جرم قلنا لهم : لم لا يجوز أن يقدر العبد على خلق الجسم ؟ فذكروا في ذلك طريقين ضعيفين جدا سنذكرهما إن شاء الله تعالى في تفسير آية السحر ، ونذكر وجه ضعفهما وسقوطهما . وإذا كان كذلك فلا يمكنهم القطع بأن ذلك من فعل الله تعالى فتنسد عليهم أبواب المعجزات والنبوات ، أما أصحابنا فإنهم لما اعتقدوا أنه لا موجد إلا الله تعالى لا جرم جزموا أن المحدث لهذه الأفعال الخارقة للعادات هو الله تعالى ، فلا جرم أمكنهم الاستدلال بظهورها على يد المدعي على كونه صادقا .

السؤال الرابع : أتقولون إن ذلك الماء كان مستكنا في الحجر ثم ظهر أو قلب الله الهواء ماء أو خلق الماء ابتداء ؟ والجواب : أما الأول فباطل لأن الظرف الصغير لا يحوي الجسم العظيم إلا على سبيل التداخل وهو محال . أما الوجهان الأخيران فكل واحد منهما محتمل ، فإن كان على الوجه الأول فقد أزال الله تعالى اليبوسة عن أجزاء الهواء وخلق الرطوبة فيها وإن كان على الوجه الثاني فقد خلق تلك الأجزاء وخلق الرطوبة فيها . واعلم أن الكلام في هذا الباب كالكلام فيما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات وقد ضاق بهم الماء فوضع يده في متوضئه ففار الماء من بين أصابعه حتى استكفوا .

السؤال الخامس : معجزة موسى في هذا المعنى أعظم أم معجزة محمد عليه السلام ؟ الجواب : كل واحدة منهما معجزة باهرة قاهرة ، لكن التي لمحمد صلى الله عليه وسلم أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة ، أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد البتة فكان ذلك أقوى .

السؤال السادس : ما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عينا ؟ والجواب : أنه كان في قوم موسى كثرة والكثير من الناس إذا اشتدت بهم الحاجة إلى الماء ثم وجدوه فإنه يقع بينهم تشاجر وتنازع وربما أفضى ذلك إلى الفتن العظيمة فأكمل الله تعالى هذه النعمة بأن عين لكل سبط منهم ماء معينا لا يختلط بغيره والعادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين .

السؤال السابع : من كم وجه يدل هذا الانفجار على الإعجاز ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أن نفس ظهور الماء معجز ، وثانيها : خروج الماء العظيم من الحجر الصغير ، وثالثها : خروج الماء بقدر حاجتهم ، ورابعها : خروج الماء عند ضرب الحجر بالعصا ، وخامسها : انقطاع الماء عند الاستغناء عنه ، فهذه الوجوه الخمسة لا يمكن تحصيلها إلا بقدرة تامة نافذة في كل الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات وحكمة عالية على الدهر والزمان ، وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى .

أما قوله تعالى : { قد علم كل أناس مشربهم } فنقول : إنما علموا ذلك لأنه أمر كل إنسان أن لا يشرب إلا من جدول معين كيلا يختلفوا عند الحاجة إلى الماء ، وأما إضافة المشرب إليهم فلأنه تعالى لما أباح لكل سبط من الأسباط ذلك الماء الذي ظهر من ذلك الشق الذي يليه صار ذلك كالملك لهم وجازت إضافته إليهم .

أما قوله تعالى : { كلوا واشربوا من رزق الله } ففيه حذف ، والمعنى : فقلنا لهم أو قال لهم موسى : كلوا واشربوا ، وإنما قال : كلوا لوجهين ، أحدهما : لما تقدم من ذكر المن والسلوى ، فكأنه قال : كلوا من المن والسلوى الذي رزقكم الله بلا تعب ولا نصب واشربوا من هذا الماء . والثاني : أن الأغذية لا تكون إلا بالماء ، فلما أعطاهم الماء فكأنه تعالى أعطاهم المأكول والمشروب . واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال ، قالوا : لأن أقل درجات قوله : { كلوا واشربوا } الإباحة ، وهذا يقتضي كون الرزق مباحا ، فلو وجد رزق حرام لكان ذلك الرزق مباحا وحراما وإنه غير جائز .

أما قوله تعالى : { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } فالعثى أشد الفساد ، فقيل لهم : لا تتمادوا في الفساد في حالة إفسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه ، والمقصود منه ما جرت العادة بين الناس من التشاجر والتنازع في الماء عند اشتداد الحاجة إليه ، فكأنه تعالى قال : إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا في التنازع والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ} (60)

40

وكما يسر الله لبني إسرائيل الطعام في الصحراء والظل في الهاجرة ، كذلك أفاض عليهم الري بخارقة من الخوارق الكثيرة التي أجراها الله على يدي نبيه موسى - عليه السلام - والقرآن يذكرهم بنعمة الله عليهم في هذا المقام ، وكيف كان مسلكهم بعد الإفضال والأنعام :

( وإذ استسقى موسى لقومه ، فقلنا : اضرب بعصاك الحجر ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا . قد علم كل أناس مشربهم . كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) . .

لقد طلب موسى لقومه السقيا . طلبها من ربه فاستجاب له . وأمره أن يضرب حجرا معينا بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بعدة أسباط بني إسرائيل ، وكانوا يرجعون إلى اثني عشر سبطا بعدة أحفاد يعقوب - وهو إسرائيل الذي ينتسبون إليه - وأحفاد إسرائيل - أو يعقوب - هم المعروفون باسم الأسباط ، والذين يرد ذكرهم مكررا في القرآن ، وهم رؤوس قبائل بني إسرائيل . وكانوا ما يزالون يتبعون النظام القبلي ، الذي تنسب فيه القبيلة إلى رأسها الكبير .

ومن ثم يقول : ( قد علم كل أناس مشربهم ) . أي العين الخاصة بهم من الاثنتي عشرة عينا . وقيل لهم ، على سبيل الإباحة والإنعام والتحذير من الاعتداء والإفساد :

( كلوا واشربوا من رزق الله ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ} (60)

{ وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ } تذكير لنعمة عظيمة كفروا بها وكان ذلك في التيه لما عطشوا ففي/ بعض الآثار أنهم قالوا فيه : من لنا بحر الشمس فظلل عليهم الغمام وقالوا : من لنا بالطعام فأنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى وقالوا : من لنا بالماء فأمر موسى بضرب الحجر وتغير الترتيب لقصد إبراز كل من الأمور المعدود في معرض أمر مستقل واجب التذكير والتذكر ، ولو روعي الترتيب الوقوعي لفهم أن الكل أمر واحد أمر بذكره والاستسقاء طلب السقيا عند عدم الماء أو قلته . قيل : ومفعول استسقى محذوف أي ربه أو ماء وقد تعدى هذا الفعل في الفصيح إلى المستسقى منه تارة وإلى المستسقي أخرى كما في قوله تعالى : { وَإِذْ استسقاه قَوْمُهُ } [ الأعراف : 160 ] وقوله :

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

وتعديته إليهما مثل أن تقول : استسقى زيد ربه الماء لم نجدها في شيء من كلام العرب واللام متعلقة بالفعل ، وهي سببية أي لأجل قومه .

{ فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر } أي فأجبناه { فَقُلْنَا } الخ والعصا مؤنث والألف منقلبة عن واو بدليل عصوان وعصوته أي ضربته بالعصا ويجمع على أفعل شذوذاً وعلى فعول قياساً ، فيقال : أعصى وعصى ، وتتبع حركة العين حركة الصاد و( الحجر ) هو هذا الجسم المعروف ، وجمعه أحجار وحجار ، وقالوا : حجارة ، واشتقوا منه فقالوا : استحجر الطين ، والاشتقاق من الأعيان قليل جداً . والمراد بهذه ( العصا ) المسؤول عنها في قوله تعالى : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا موسى } [ طه : 71 ] والمشهور أنها من آس الجنة طولها عشرة أذرع طول موسى عليه السلام لها شعبتان تتقدان في الظلمة ، توارثها صاغر عن كابر حتى وصلت إلى شعيب ومنه إلى موسى عليهما السلام ، وقيل : رفعها له ملك في طريق مدين ، وفي المراد من ( الحجر ) خلاف ، فقال الحسن : لم يكن حجراً معيناً ، بل أي حجر ضربه انفجر منه الماء ، وهذا أبلغ في الإعجاز وأبين في القدرة ، وقال وهب : كان يقرع لهم أقرب حجر فتنفجر ، وعلى هذا اللام فيه للجنس ، وقيل : للعهد ، وهو حجر معين حمله معه من الطور مكعب له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين ، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمرت أن تسقيهم ، وكانوا ستمائة ألف ما عدا دوابهم ، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً ، وقيل : حجر كان عند آدم وصل مع العصا إلى شعيب فدفع إلى موسى ، وقيل : هو الحجر الذي فر بثوبه ، والقصة معروفة .

وقيل : حجر أخذ من قعر البحر خفيف يشبه رأس الآدمي كان يضعه في مخلاته ، فإذا احتاج للماء ضربه . والروايات في ذلك كثيرة ، وظاهر أكثرها التعارض ، ولا ينبني على تعيين هذا الحجر أمر ديني ، وإلا سلم تفويض علمه إلى الله تعالى .

{ فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا } عطف على مقدر ، أي فضرب فانفلق ، ويدل على هذا المحذوف وجود الانفجار ، ولو كان ينفجر دون ضرب لما كان للأمر فائدة ، وبعضهم يسمي هذه الفاء الفصيحة ويقدر شرطاً أي فإن ضربت فقد انفجرت وفي «المغني » : إن هذا التقدير يقتضي تقدم الانفجار على الضرب ، إلا أن يقال : المراد فقد حكمنا بترتب الانفجار على ضربك ، وقال بعض المتأخرين( {[167]} ) : لا حذف ، بل الفاء للعطف وإن مقدرة بعد الفاء كما هو القياس ، بعد الأمر عند قصد السببية ، والتركيب من قبيل زرني فأكرمك أي اضرب بعصاك الحجر فإن انفجرت فليكن منك الضرب فالانفجار ولا يخفى ما في كل/ حتى قال مولانا مفتي الديار الرومية في الأول : إنه غير لائق بجلالة شأن النظم الكريم . والثاني : أدهى وأمر والانفجار انصداع شيء من شيء ، ومنه الفجر والفجور ، وجاء هنا { انفجرت } وفي الأعراف ( 160 ) { فانبجست } فقيل : هما سواء . وقيل : بينهما فرق وهو أن الانبجاس أول خروج الماء ، والانفجار اتساعه وكثرته ، أو الانبجاس خروجه من الصلب ، والآخر خروجه من اللين ، والظاهر استعمالهما بمعنى واحد وعلى فرض المغايرة لا تعارض لاختلاف الأحوال ، و( من ) لابتداء الغاية ، والضمير عائد على الحجر المضروب وعوده إلى الضرب ، و( من ) سببية مما لا ينبغي الإقدام عليه ، والتاء في اثنتا للتأنيث ويقال : ثنتا إلا أن التاء فيها على ما في «البحر » للإلحاق ، وهذا نظير أنبت ، ونبت ولامها محذوفة ، وهي ياء لأنها من ثنيت ، وقرأ مجاهد وجماعة ورواه السعدي عن أبي عمرو عشرة بكسر الشين وهي لغة بني تميم ، وقرأ الفضل الأنصاري بفتحها قال ابن عطية : وهي لغة ضعيفة ، ونص بعضها النحاة على الشذوذ ، ويفهم من بعض المتأخرين إن هذه اللغات في المركب لا في عشرة وحدها ، وعبارات القوم لا تساعده ، والعين منبع الماء وجمع على أعين شذوذاً وعيون قياساً ، وقالوا في أشراف الناس : أعيان ، وجاء ذلك في الباصرة قليلاً كما في قوله :

أعياناً لها ومآقيا ***

وهو منصوب على التمييز ، وإفراده في مثل هذا الموضع لازم ، وأجاز الفراء أن يكون جمعاً ، وكان هذا العدد دون غيره لكونهم كانوا اثني عشر سبطاً وكان بينهم تضاغن وتنافس فأجرى الله تعالى لكل سبط عيناً يردها لا يشركه فيها أحد من السبط الآخر دفعاً لإثارة الشحناء ، ويشير إلى حكمة الانقسام ، قوله تعالى : { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ } وهي جملة مستأنفة مفهمة على أن كل سبط منهم قد صار له مشرب يعرفه فلا يتعدى لمشرب غيره ، و( أناس ) جمع لا واحد له من لفظه ، وما ذكر من شذوذ إثبات همزته إنما هو مع الألف واللام ، وأما بدونها فشائع صحيح ، و( عَلِمَ ) هنا متعدية لواحد أجريت مجرى عرف ووجد ذلك بكثرة والمشرب إما اسم مكان أي محل الشرب ، أو مصدر ميمي بمعنى الشرب ، وحمله بعضهم على المشروب وهو الماء ، وحمله على المكان أولى عند أبي حيان ، وإضافة المشرب إليهم لأنه لما تخصص كل مشرب بمن تخصص به صار كأنه ملك لهم وأعاد الضمير في مشربهم على معنى { كُلٌّ } ولا يجوز أن يعود على لفظها لأن كُلاً متى أضيف إلى نكرة وجب مراعاة المعنى كما في قوله تعالى : { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم } [ الإسرار : 1 7 ] وقوله :

وكل أناس سوف تدخل بينهم *** دويهية تصفر منها الأنامل

ونص على المشرب تنبيهاً على المنفعة العظيمة التي هي سبب الحياة وإن كان سرد الكلام يقتضي قد علم كل أناس عينهم وفي الكلام حذف أي منها لأن { قَدْ عَلِمَ } صفة لاثنتا عشرة عيناً فلا بد من رابط ، وإنما وصفها به لأنه معجزة أخرى حيث يحدث مع حدوث الماء جداول يتميز بها مشرب كل من مشرب آخر ، ويحتمل أن تكون الجملة حالية لا صفة لقوله تعالى : { اثنتا عَشْرَةَ } لئلا يحتاج إلى تقدير العائد وليفيد مقارنة العلم بالمشارب للانفجار ، والمشرب حينئذٍ العين .

{ كُلُواْ واشربوا مِن رّزْقِ الله } على إرادة القول ، وبدأ بالأكل لأن قوام الجسد به ، والاحتياج إلى الشرب حاصل عنه ، و( من ) لابتداء الغاية ، ويحتمل أن تكون للتبعيض ، وفي ذكر الرزق مضافاً تعظيم للمنة ، وإشارة إلى حصول ذلك لهم من غير تعب ولا تكلف ، وفي هذا التفات إذ تقدم { فَقُلْنَا اضرب } ولو جرى على نظم واحد لقال من رزقنا ، ولو جعل الإضمار قبل { كُلُواْ } مسنداً إلى موسى أي وقال موسى : كلوا واشربوا لا يكون فيه ذلك ، والرزق هنا بمعنى المرزوق وهو الطعام المتقدم من المنّ والسلوى ، والمشروب من ماء/ العيون ، وقيل : المراد به الماء وحده لأنه يشرب ويؤكل مما ينبت منه ويضعفه أنه لم يكن أكلهم في التيه من زروع ذلك الماء كما يشير إليه قوله تعالى : { يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض } [ البقرة : 1 6 ] و{ لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد } [ البقرة : 1 6 ] ويلزم عليه أيضاً الجمع بين الحقيقة والمجاز إذ يؤول إلى كلوا واشربوا من الماء ، ويكون نسبة الشرب إليه بإرادة ذاته ، والأكل بإرادة ما هو سبب عنه ، أو القول بحذف متعلق أحد الفعلين أي كلوا من رزق الله واشربوا من رزق الله ، وقول بعض المتأخرين إن رزق الله عبارة عن الماء ، وفي الآية إشارة إلى إعجاز آخر وهو أن هذا الماء كما يروي العطشان يشبع الجوعان فهو طعام وشراب بعيد غاية البعد ، وأقرب منه أن لا يكون { كُلُواْ واشربوا } بتقدير القول من تتمة ما يحكى عنهم بل يجعل أمراً مرتباً على ذكرهم ما وقع وقت الاستسقاء على وجه الشكر والتذكير بقدرة الله تعالى فهو أمر المخاطبين بهذه الحكاية بأكلهم وشربهم مما يرزقهم الله تعالى ، وعدم الإفساد بإضلال الخلق ، وجمع عرض الدنيا ويكون فصله عما سبق لأنه بيان للشكر المأمور أو نتيجة للمذكور

واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال لأن أقل درجات هذا الأمر أن يكون للإباحة فاقتضى أن يكون الرزق مباحاً فلو وجد رزق حرام لكان الرزق مباحاً وحراماً ، وأنه غير جائز ، والجواب أن الرزق هنا ليس بعام إذا أريد المنّ والسلوى والماء المنفجر من الحجر ، ولا يلزم من حلية معين مّا من أنواع الرزق حلية جميع الرزق وعلى تسليم العموم يلتزم التبعيض .

{ وَلاَ تَعْثَوْاْ في الأرض مُفْسِدِينَ } لما أمروا بالأكل والشرب من رزق الله تعالى ولم يقيد ذلك عليهم بزمان ولا مكان ولا مقدار كان ذلك إنعاماً وإحساناً جزيلاً إليهم ، واستدعى ذلك التبسط في المأكل والمشرب نهاهم عما يمكن أن ينشأ عن ذلك وهو الفساد حتى لا يقابلوا تلك النعم بالكفران ، والعثي عند بعض المحققين مجاوزة الحد مطلقاً فساداً كان أولاً فهو كالاعتداء ، ثم غلب في الفساد ، و( مفسدين ) على هذا حال غير مؤكدة وهو الأصل فيها كما يدل عليه تعريفها ، وذكر أبو البقاء أن العُثِيّ الفساد والحال مؤكدة ، وفيه أن مجيء الحال المؤكدة بعد الفعلية خلاف مذهب الجمهور .

وذهب الزمخشري أن معناه أشد الفساد والمعنى لا تتمادوا في الفساد حال إفسادكم ، والمقصد النهي عما كانوا عليه من التمادي في الفساد وهو من أسلوب { لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة } [ آل عمران : 130 ] وإلا فالفساد أيضاً منكر منهي عنه ، وفيه أنه تكلف مستغنى عنه بما ذكرنا ، والمراد من ( الأرض ) عند الجمهور أرض التيه . ويجوز أن يريدها وغيرها مما قدروا أن يصلوا إليها فينالها فسادهم ، وجوز أن يريد الأرضين كلها ، و( أل ) لاستغراق الجنس ، ويكون فسادهم فيها من جهة أن كثرة العصيان والإصرار على المخالفات والبطر يؤذن بانقطاع الغيث وقحط البلاد ونزع البركات ، وذلك انتقام يعم الأرضين ، هذا ثم إن ظاهر القرآن لا يدل على تكرر هذا الاستسقاء ولا الضرب ولا الانفجار فيحتمل أن يكون ذلك متكرراً ، ويحتمل أن يكون ذلك مرة واحدة والواحدة هي المتحققة .

والحكايات في هذا الأمر كثيرة وأكثرها لا صحة له ، وقد أنكر بعض الطبيعيين هذه الواقعة وقال : كيف يعقل خروج الماء العظيم الكثير من الحجر الصغير ، وهذا المنكر مع أنه لم يتصور قدرة الله تعالى في تغيير الطبائع والاستحالات فقد ترك النظر على طريقتهم إذ قد تقرر عندهم أن حجر المغناطيس يجذب الحديد ، والحجر الحلاق يحلق الشعر والحجر الباغض للخل ينفر منه ، وذلك كله من أسرار الطبيعة وإذا لم يكن مثل ذلك منكراً عندهم فليس يمتنع أن يخلق في حجر آخر قوة جذب الماء من تحت الأرض ، ويكون خلق تلك القوة عند ضرب العصا أو عند أمر موسى عليه السلام على ما ورد أنه كان بعد ذلك يأمره ، فينفجر ولا ينافيه انفصاله عن الأرض كما وهم ، ويحتمل أيضاً أن يقلب الله تعالى بواسطة قوة أودعها في الحجر الهواءاء بإزالة اليبوسة عن أجزائه وخلق الرطوبة فيها . والله تعالى على كل شيء قدير ، وحظ العارف من الآية أن يعرف الروح الإنسانية وصفاتها في عالم القلب بمثابة موسى وقومه وهو مستسق ربه لإروائها بماء الحكمة والمعرفة وهو مأمور بضرب عصا لا إله إلا الله ولها شعبتان من النفي والإثبات تتقدان نوراً عند استيلاء ظلمات النفس ، وقد حملت من حضرة العزة على حجر القلب الذي هو كالحجارة أو أشد قسوة { فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا } من مياه الحكمة لأن كلمة لا إله إلا الله اثنتا عشرة حرفاً فانفجر من كل حرف عين قد عَلِمَ كل سبط من أسباط صفات الإنسان . وهي اثنا عشر سبطاً من الحواس( {[168]} ) الظاهرة والباطنة ، واثنان من القلب والنفس ، ولكل واحد منهم مشرب من عين جرت من حرف من حروف الكلمة ، و( قد عَلِمَ ) مشربه ومشرب كل واحد حيث ساقه رائده وقاده قائده فمن مشرب عذب فرات . ومشرب ملح أجاج ، والنفوس ترد مناهل التقى والطاعات . والأرواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات ، والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلي الصفات عن ساقي { وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } [ الإنسان : 1 2 ] للاضمحلال في حقيقة الذات { كُلُواْ واشربوا مِن رّزْقِ الله } بأمره ورضاه { وَلاَ تَعْثَوْاْ } في هذا القالب { مُفْسِدِينَ } بترك الأمر واختيار الوزر وبيع الدين بالدنيا وإيثار الأولى على العقبى وتقديمهما على المولى .


[167]:_ هو عصام الدين اهـ منه.
[168]:_ قوله: من الحواس الخ كذا بخطه اهـ مصححه.