قوله تعالى { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا }
اعلم أن هذا من جملة ما أخبر الله تعالى أنه يفتيهم به في النساء مما لم يتقدم ذكره في هذه السورة وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال بعضهم : هذه الآية شبيهة بقوله { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره } وقوله { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } وهاهنا ارتفع { امرأة } بفعل يفسره { خافت } وكذا القول في جميع الآيات التي تلوناها والله أعلم .
المسألة الثانية : قال بعضهم : خافت أي علمت ، وقال آخرون : ظنت ، وكل ذلك ترك للظاهر من غير حاجة ، بل المراد نفس الخوف إلا أن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور الأمارات الدالة على وقوع الخوف ، وتلك الأمارات هاهنا أن يقول الرجل لامرأته : إنك ذميمة أو شيخة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة ، والبعل هو الزوج ، والأصل في البعل هو السيد ، ثم سمي الزوج به لكونه كالسيد للزوجة ؛ ويجمع البعل على بعولة ، وقد سبق هذا في سورة البقرة في قوله تعالى : { وبعولتهن أحق بردهن } والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه ، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع من الأرض ، ونشوز الرجل في حق المرأة أن يعرض عنها ويعبس وجهه في وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها .
المسألة الثالثة : ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوها : الأول : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الآية نزلت في ابن أبي السائب كانت له زوجة وله منها أولاد وكانت شيخة فهم بطلاقها ، فقالت لا تطلقني ودعني أشتغل بمصالح أولادي وأقسم في كل شهر ليالي قليلة ، فقال الزوج : إن كان الأمر كذلك فهو أصلح لي . والثاني : أنها نزلت في قصة سودة بنت زمعة أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يطلقها ، فالتمست أن يمسكها ويجعل نوبتها لعائشة ، فأجاز النبي عليه الصلاة والسلام ذلك ولم يطلقها . والثالث : روي عن عائشة أنها قالت : نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها ، فتقول : أمسكني وتزوج بغيري ، وأنت في حل من النفقة والقسم .
المسألة الرابعة : قوله { نشوزا أو إعراضا } المراد بالنشوز إظهار الخشونة في القول أو الفعل أو فيهما ، والمراد من الإعراض السكوت عن الخير والشر والمداعاة والإيذاء ، وذلك لأن هذا الإعراض يدل دلالة قوية على النفرة والكراهة .
ثم قال تعالى : { فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { يصلحا } بضم الياء وكسر اللام وحذف الألف من الإصلاح ، والباقون { يصالحا } بفتح الياء والصاد ، والألف بين الصاد واللام وتشديد الصاد من التصالح ، ويصالحا في الأصل هو يتصالحا ، فسكنت التاء وأدغمت في الصاد . ونظيره قوله { اداركوا فيها } أصله تداركوا سكنت التاء وأبدلت بالدال لقرب المخرج وأدغمت في الدال ، ثم اجتلبت الهمزة للابتداء بها فصار أداركوا .
إذا عرفت هذا فنقول : من قرأ { يصلحا } فوجهه أن الإصلاح عند التنازع والتشاجر مستعمل قال تعالى : { فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم } وقال { أو إصلاح بين الناس } ومن قرأ { يصالحا } وهو الاختيار عند الأكثرين قال : أن يصالحا معناه يتوافقا ، وهو أليق بهذا الموضع وفي حرف عبد الله : فلا جناح عليهما إن صالحا ، وانتصب صلحا في هذه القراءة على المصدر وكان الأصل أن يقال : تصالحا ، ولكنه ورد كما في قوله { والله أنبتكم من الأرض نباتا } وقوله { وتبتل إليه تبتيلا } وقول الشاعر :
وبعد عطائك المائة الرتاعا *** . . .
المسألة الثانية : الصلح إنما يحصل في شيء يكون حقا له ، وحق المرأة على الزوج أما المهر أو النفقة أو القسم ، فهذه الثلاثة هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى ، أما الوطء فليس كذلك ، لأن الزوج لا يجبر على الوطء .
إذا عرفت هذا فنقول : هذا الصلح عبارة عما إذا بذلت المرأة كل الصداق أو بعضه للزوج أو أسقطت عنه مؤنة النفقة ، أو أسقطت عنه القسم ، وكان غرضها من ذلك أن لا يطلقها زوجها ، فإذا وقعت المصالحة على ذلك كان جائزا .
ثم قال تعالى : { والصلح خير } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الصلح مفرد دخل فيه حرف التعريف ، والمفرد الذي دخل فيه حرف التعريف هل يفيد العموم أم لا ؟ والذي نصرناه في أصول الفقه أنه لا يفيده ، وذكرنا الدلائل الكثيرة فيه .
وأما إذا قلنا : إنه يفيد العموم فهاهنا بحث ، وهو أنه إذا حصل هناك معهود سابق فحمله على العموم أولى أم على المعهود السابق ؟ الأصح أن حمله على المعهود السابق أولى ، وذلك لأنا إنما حملناه على الاستغراق ضرورة أنا لو لم نقل ذلك لصار مجملا ويخرج عن الإفادة ، فإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور فوجب حمله عليه .
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : من الناس من حمل قوله { والصلح خير } على الاستغراق ، ومنهم من حمله على المعهود السابق ، يعني الصلح بين الزوجين خير من الفرقة ، والأولون تمسكوا به في مسألة أن الصلح على الإنكار جائز كما هو قول أبي حنيفة ، وأما نحن فقد بينا أن حمل هذا اللفظ على المعهود السابق أولى ، فاندفع استدلالهم والله أعلم .
المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : هذه الجملة اعتراض ، وكذلك قوله { وأحضرت الأنفس الشح } إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب فحصل المقصود .
المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر أولا قوله { فلا جناح عليهما أن يصلحا } فقوله { لا جناح } يوهم أنه رخصة ، والغاية فيه ارتفاع الإثم ، فبين تعالى أن هذا الصلح كما أنه لا جناح فيه ولا إثم فكذلك فيه خير عظيم ومنفعة كثيرة ، فإنهما إذا تصالحا على شيء فذاك خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز والإعراض ، أما قوله تعالى : { وأحضرت الأنفس الشح } .
فاعلم أن الشح هو البخل ، والمراد أن الشح جعل كالأمر المجاور للنفوس اللازم لها ، يعني أن النفوس مطبوعة على الشح ، ثم يحتمل أن يكون المراد منه أن المرأة تشح ببذل نصيبها وحقها ، ويحتمل أن يكون المراد أن الزوج يشح بأن يقضي عمره معها مع ذمامة وجهها وكبر سنها وعدم حصول اللذة بمجانستها .
ثم قال تعالى : { وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا } وفيه وجوه : الأول : أنه خطاب مع الأزواج ، يعني إن تحسنوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وتيقنتم النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة فإن الله كان بما تعملون من الإحسان والتقوى خبيرا ، وهو يثيبكم عليه . الثاني : أنه خطاب للزوج والمرأة ، يعني وأن يحسن كل واحد منكما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم . الثالث : أنه خطاب لغيرهما ، يعني أن تحسنوا في المصالحة بينهما وتتقوا الميل إلى واحد منهما . وحكى صاحب الكشاف : أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدم بني آدم ، وامرأته من أجملهم ، فنظرت إليه يوما ثم قالت : الحمد لله ، فقال مالك ؟ فقالت حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة لأنك رزقت مثلي فشكرت ، ورزقت مثلك فصبرت ، وقد وعد الله بالجنة عباده الشاكرين والصابرين .
ثم نمضي خطوة أخرى مع التنظيم الاجتماعي - في محيط الأسرة - في هذا المجتمع الذي كان الإسلام ينشئه ، بمنهج الله المتنزل من الملأ الأعلى ، لا بعوامل التغير الأرضية في عالم المادة أو دنيا الإنتاج :
( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا . والصلح خير . وأحضرت الأنفس الشح . وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا . ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء - ولو حرصتم - فلا تميلوا كل الميل ، فتذروها كالمعلقة . وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما . وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته . وكان الله واسعا حكيما ) .
لقد نظم المنهج - من قبل - حالة النشوز من ناحية الزوجة ؛ والإجراءات التي تتخذ للمحافظة على كيان الأسرة [ وذلك في أوائل هذا الجزء ] فالآن ينظم حالة النشوز والإعراض حين يخشى وقوعها من ناحية الزوج ، فتهدد أمن المرآة وكرامتها ، وأمن الأسرة كلها كذلك . إن القلوب تتقلب ، وإن المشاعر تتغير . والإسلام منهج حياة يعالج كل جزئية فيها ، ويتعرض لكل ما يعرض لها ؛ في نطاق مبادئه واتجاهاته ؛ وتصميم المجتمع الذي يرسمه وينشئه وفق هذا التصميم .
فإذا خشيت المرأة أن تصبح مجفوة ؛ وأن تؤدي هذه الجفوة إلى الطلاق - وهو أبغض الحلال إلى الله - أو إلى الإعراض ، الذي يتركها كالمعلقة . لا هي زوجة ولا هي مطلقة ، فليس هنالك حرج عليها ولا على زوجها ، أن تتنازل له عن شيء من فرائضها المالية أو فرائضها الحيوية . كأن تترك له جزءا أو كلا من نفقتها الواجبة عليه . أو أن تترك له قسمتها وليلتها ، إن كانت له زوجة أخرى يؤثرها ، وكانت هي قد فقدت حيويتها للعشرة الزوجية أو جاذبيتها . . هذا كله إذا رأت هي - بكامل اختيارها وتقديرها لجميع ظروفها - أن ذلك خير لها وأكرم من طلاقها :
( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ) . . هو هذا الصلح الذي أشرنا إليه . .
ثم يعقب على الحكم بأن الصلح إطلاقا خير من الشقاق والجفوة والنشوز والطلاق :
فينسم على القلوب التي دبت فيها الجفوة والجفاف ، نسمة من الندى والإيناس ، والرغبة في إبقاء الصلة الزوجية ، والرابطة العائلية .
إن الإسلام يتعامل مع النفس البشرية بواقعها كله . فهو يحاول - بكل وسائله المؤثرة - أن يرفع هذه النفس إلى أعلى مستوى تهيئها له طبيعتها وفطرتها . . ولكنه في الوقت ذاته لا يتجاهل حدود هذه الطبيعة والفطرة ؛ ولا يحاول أن يقسرها على ما ليس في طاقتها ؛ ولا يقول للناس : اضربوا رؤوسكم في الحائط فأنا أريد منكم كذا والسلام ! سواء كنتم تستطيعونه أو لا تستطيعونه !
إنه لا يهتف للنفس البشرية لتبقى على ضعفها وقصورها ؛ ولا ينشد لها أناشيد التمجيد وهي تتلبط في الوحل ، وتتمرغ في الطين - بحجة أن هذا واقع هذه النفس ! ولكنه كذلك لا يعلقها من رقبتها في حبل بالملأ الأعلى ، ويدعها تتأرجح في الهواء ؛ لأن قدميها غير مستقرتين على الأرض . بحجة الرفعة والتسامي !
إنه الوسط . . إنه الفطرة . . إنه المثالية الواقعية . أو الواقعية المثالية . . إنه يتعامل مع الإنسان ، بما هو إنسان . والإنسان مخلوق عجيب . هو وحده الذي يضع قدميه على الأرض ؛ وينطلق بروحه إلى السماء . في لحظة واحدة لا تفارق فيها روحه جسده ؛ ولا ينفصل إلى جسد على الأرض وروح في السماء !
وهو هنا - في هذا الحكم - يتعامل مع هذا الإنسان . وينص على خصيصة من خصائصه في هذا المجال : ( وأحضرت الأنفس الشح ) .
أي أن الشح حاضر دائمًا في الأنفس . وهو دائما قائم فيها . الشح بأنواعه . الشح بالمال . والشح بالمشاعر . وقد تترسب في حياة الزوجين - أو تعرض - أسباب تستثير هذا الشح في نفس الزوج تجاه زوجته . فيكون تنازلها له عن شيء من مؤخر صداقها أو من نفقتها - إرضاء لهذا الشح بالمال ، تستبقي معه عقدة النكاح ! وقد يكون تنازلها عن ليلتها - إن كانت له زوجة أخرى أثيرة لديه - والأولى لم تعد فيها حيوية أو جاذبية إرضاء لهذا الشح بالمشاعر ، تستبقي معه عقدة النكاح ! والأمر على كل حال متروك في هذا للزوجة وتقديرها لما تراه مصلحة لها . . لا يلزمها المنهج الرباني بشيء ؛ ولكنه فقط يجيز لها التصرف ، ويمنحها حرية النظر والتدبر في أمرها وفق ما تراه .
وفي الوقت الذي يتعامل المنهج الإسلامي مع طبيعة الشح هذه ، لا يقف عندها باعتبارها كل جوانب النفس البشرية . بل هو يهتف لها هتافا آخر ، ويعزف لها نغمة أخرى :
وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا .
فالإحسان والتقوى هما مناط الأمر في النهاية . ولن يضيع منهما شيء على صاحبة ، فإن الله خبير بما تعمله كل نفس ؛ خبير ببواعثه وكوامنه . . والهتاف للنفس المؤمنة بالإحسان والتقوى ، والنداء لها باسم الله الخبير بما تعمل ، هتاف مؤثر ، ونداء مستجاب . . بل هو وحده الهتاف المؤثر والنداء المستجاب .