مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ} (16)

قوله تعالى : { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون } .

وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : قرأ الحسن : ألما يأن ، قال ابن جني : أصل لما لم ، ثم زيد عليها ما فلم نفي لقوله أفعل ، ولما نفي لقوله قد يفعل ، وذلك لأنه لما زيد في الإثبات قد لا جرم زيد في نفيه ما ، إلا أنهم لما ركبوا لم مع ما حدث لها معنى ولفظ ، أما المعنى فإنها صارت في بعض المواضع ظرفا ، فقالوا : لما قمت قام زيد ، أي وقت قيامك قام زيد ، وأما اللفظ فإنه يجوز أن تقف عليها دون مجزومها ، فيجوز أن تقول : جئت ولما ، أي ولما يجيء ، ولا يجوز أن يقول : جئت ولم .

وأما الذين قرأوا : { ألم يأن } فالمشهور ألم يأن من أنى الأمر يأنى إذا جاء إناء أتاه أي وقته . وقرئ : ألم يئن ، من أن يئين بمعنى أنى يأني .

المسألة الثانية : اختلفوا في قوله : { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } فقال بعضهم : نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع ، والقائلون بهذا القول لعلهم ذهبوا إلى أن المؤمن لا يكون مؤمنا في الحقيقة إلا مع خشوع القلب ، فلا يجوز أن يقول تعالى ذلك إلا لمن ليس بمؤمن ، وقال آخرون : بل المراد من هو مؤمن على الحقيقة ، لكن المؤمن قد يكون له خشوع وخشية ، وقد لا يكون كذلك ، ثم على هذا القول تحتمل الآية وجوها ( أحدها ) : لعل طائفة من المؤمنين ما كان فيهم مزيد خشوع ولا رقة ، فحثوا عليه بهذه الآية ( وثانيها ) : لعل قوما كان فيهم خشوع كثير ، ثم زال منهم شدة ذلك الخشوع فحثوا على المعاودة إليها ، عن الأعمش قال : إن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا لينا في العيش ورفاهية ، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية وعن أبي بكر : أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديدا ، فنظر إليهم فقال : هكذا كنا حتى قست القلوب ، وأما قوله : { لذكر الله } ففيه قولان : ( الأول ) : أن تقدير الآية ، أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم لذكر الله ، أي مواعظ الله التي ذكرها في القرآن ، وعلى هذا الذكر مصدر أضيف إلى الفاعل ( والقول الثاني ) : أن الذكر مضاف إلى المفعول ، والمعنى لذكرهم الله ، أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعا ، ولا يكونوا كمن ذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر ، وقوله تعالى : { وما نزل من الحق } فيه مسائل :

المسألة الأولى : ما في موضع جر بالعطف على الذكر وهو موصول ، والعائد إليه محذوف على تقدير وما نزل من الحق ، ثم قال ابن عباس في قوله : { وما نزل من الحق } يعني القرآن .

المسألة الثانية : قال أبو علي : قرأ نافع وحفص والمفضل عن عاصم ، { وما نزل من الحق } خفيفة ، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم ، وما نزل ، مشددة ، وعن أبي عمرو وما نزل من الحق مرتفعة النون مكسورة الزاي ، والتقدير في القراءة الأولى : أن تخشع قلوبهم لذكر الله ولما نزل من الحق ، وفي القراءة الثانية ولما نزله الله من الحق ، وفي القراءة الثالثة ولما نزل من الحق .

المسألة الثالثة : يحتمل أن يكون المراد من الحق هو القرآن لأنه جامع للوصفين الذكر والموعظة وإنه حق نازل من السماء ، ويحتمل أن يكون المراد من الذكر هو ذكر الله مطلقا ، والمراد بما نزل من الحق هو القرآن ، وإنما قدم الخشوع بالذكر على الخشوع بما نزل من القرآن ، لأن الخشوع والخوف والخشية لا تحصل إلا عند ذكر الله ، فأما حصولها عند سماع القرآن فذاك لأجل اشتمال القرآن على ذكر الله ، ثم قال تعالى : { ولا يكونوا } قال الفراء : هو في موضع نصب معناه : ألم يأن أن تخشع قلوبهم ، وأن لا يكونوا ، قال : ولو كان جزما على النهي كان صوابا ، ويدل على هذا الوجه قراءة من قرأ بالتاء على سبيل الالتفات ، ثم قال : { كالذين أوتوا الكتاب من قبل } يريد اليهود والنصارى : { فطال عليهم الأمد } وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : ذكروا في تفسير طول الأمد وجوها ( أحدها ) : طالت المدة بينهم وبين أنبيائهم فقست قلوبهم ( وثانيها ) : قال ابن عباس : مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله ( وثالثها ) : طالت أعمارهم في الغفلة فحصلت القسوة في قلوبهم بذلك السبب ( ورابعها ) : قال : ابن حبان : الأمد هاهنا الأمل البعيد ، والمعنى على هذا طال عليهم الأمد بطول الأمل ، أي لما طالت آمالهم لا جرم قست قلوبهم ( وخامسها ) : قال مقاتل بن سليمان : طال عليهم أمد خروج النبي عليه السلام ( وسادسها ) : طال عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما عن قلوبهم فلا جرم قست قلوبهم ، فكأنه تعالى نهى المؤمنين عن أن يكونوا كذلك ، قاله القرظي .

المسألة الثانية : قرئ الأمد بالتشديد ، أي الوقت الأطول ، ثم قال : { وكثير منهم فاسقون } أي خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين ، وكأنه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسق في آخر الأمر .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ} (16)

16

( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ? ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل ، فطال عليهم الأمد ، فقست قلوبهم ، وكثير منهم فاسقون ، اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها . قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ) . .

إنه عتاب مؤثر من المولى الكريم الرحيم ؛ واستبطاء للإستجابة الكاملة من تلك القلوب التي أفاض عليها من فضله ؛ فبعث فيها الرسول يدعوها إلى الإيمان بربها ، ونزل عليه الآيات البينات ليخرجها من الظلمات إلى النور ؛ وأراها من آياته في الكون والخلق ما يبصر ويحذر .

عتاب فيه الود ، وفيه الحض ، وفيه الاستجاشة إلى الشعور بجلال الله ، والخشوع لذكره ، وتلقي ما نزل من الحق بما يليق بجلال الحق من الروعة والخشية والطاعة والاستسلام ، مع رائحة التنديد والاستبطاء في السؤال :

( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ? ) . .

وإلى جانب التحضيض والاستبطاء تحذير من عاقبة التباطؤ والتقاعس عن الاستجابة ، وبيان لما يغشى القلوب من الصدأ حين يمتد بها الزمن بدون جلاء ، وما تنتهي إليه من القسوة بعد اللين حين تغفل عن ذكر الله ، وحين لا تخشع للحق :

( ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل ، فطال عليهم الأمد ، فقست قلوبهم ، وكثير منهم فاسقون ) . .

وليس وراء قسوة القلوب إلا الفسق والخروج .

إن هذا القلب البشري سريع التقلب ، سريع النسيان . وهو يشف ويشرق فيفيض بالنور ، ويرف كالشعاع ؛ فإذا طال عليه الأمد بلا تذكير ولا تذكر تبلد وقسا ، وانطمست إشراقته ، وأظلم وأعتم ! فلا بد من تذكير هذا القلب حتى يذكر ويخشع ، ولا بد من الطرق عليه حتى يرق ويشف ؛ ولا بد من اليقظة الدائمة كي لا يصيبه التبلد والقساوة .