مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَـٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ} (75)

القسم الرابع : من مؤمني زمان محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين لم يوافقوا الرسول في الهجرة إلا أنهم بعد ذلك هاجروا إليه ، وهو المراد من قوله تعالى : { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اختلفوا في المراد من قوله تعالى : { من بعد } نقل الواحدي عن ابن عباس : بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية ، وقيل بعد نزول هذه الآية ، وقيل : بعد يوم بدر ، والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى ، وهؤلاء هم التابعون بإحسان كما قال : { والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه } .

المسألة الثانية : الأصح أن الهجرة انقطعت بفتح مكة لأن عنده صارت مكة بلد الإسلام وقال الحسن : الهجرة غير منقطعة أبدا ، وأما قوله عليه السلام : «لا هجرة بعد الفتح » فالمراد الهجرة المخصوصة ، فإنها انقطعت بالفتح وبقوة الإسلام . أما لو اتفق في بعض الأزمان كون المؤمنين في بلد وفى عددهم قلة ، ويحصل للكفار بسبب كونهم معهم شوكة وإن هاجر المسلمون من تلك البلدة وانتقلوا إلى بلدة أخرى ضعفت شوكة الكفار ، فههنا تلزمهم الهجرة على ما قاله الحسن ، لأنه قد حصل فيهم مثل العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة .

المسألة الثالثة : قوله : { فأولئك منكم } يدل على أن مرتبة هؤلاء دون مرتبة المهاجرين السابقين لأنه ألحق هؤلاء بهم وجعلهم منهم في معرض التشريف ، ولولا كون القسم الأول أشرف وإلا لما صح هذا المعنى . فهذا شرح هذه الأقسام الأربعة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية .

ثم قال تعالى : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : الذين قالوا المراد من قوله تعالى : { أولئك بعضهم أولياء بعض } ولاية الميراث قالوا هذه الآية ناسخة له ، فإنه تعالى بين أن الإرث كان بسبب النصرة والهجرة ، والآن قد صار ذلك منسوخا فلا يحصل الإرث إلا بسبب القرابة وقوله : { في كتاب الله } المراد منه السهام المذكورة في سورة النساء ، وأما الذين فسروا تلك الآية بالنصرة والمحبة والتعظيم قالوا : إن تلك الولاية لما كانت محتملة للولاية بسبب الميراث بين الله تعالى في هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة ، إلا ما خصه الدليل ، فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة هذا الوهم ، وهذا أولى ، لأن تكثير النسخ من غير ضرورة ولا حاجة لا يجوز .

المسألة الثانية : تمسك محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم في كتابه إلى أبي جعفر المنصور بهذه الآية في أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب فقال : قوله تعالى : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } يدل على ثبوت الولاية وليس في الآية شيء معين في ثبوت هذه الأولوية ، فوجب حمله على الكل إلا ما خصه الدليل ، وحينئذ يندرج فيه الإمامة ، ولا يجوز أن يقال : إن أبا بكر كان من أولي الأرحام لما نقل أنه عليه السلام أعطاه سورة براءة ليبلغها إلى القوم ، ثم بعث عليا خلفه وأمر بأن يكون المبلغ هو علي ، وقال : «لا يؤديها إلا رجل مني » وذلك يدل على أن أبا بكر ما كان منه ، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية .

والجواب : إن صحت هذه الدلالة كان العباس أولى بالإمامة ، لأنه كان أقرب إلى رسول الله من علي . وبهذا الوجه أجاب أبو جعفر المنصور عنه .

المسألة الثالثة : تمسك أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، في توريث ذوي الأرحام ، وأجاب أصحابنا عنه بأن قوله : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } مجمل في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية ، فلما قال : { في كتاب الله } كان معناه في الحكم الذي بينه الله في كتابه ، فصارت هذه الأولوية مقيدة بالأحكام التي بينها الله في كتابه ، وتلك الأحكام ليست إلا ميراث العصبات . فوجب أن يكون المراد من هذا المجمل هو ذلك فقط فلا يتعدى إلى توريث ذوي الأرحام .

ثم قال في ختم السورة : { أن الله بكل شيء عليم } والمراد أن هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب وصلاح ، وليس فيها شيء من العبث والباطل ، لأن العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب . ونظيره أن الملائكة لما قالوا : { أتجعل فيها من يفسد ويسفك الدماء } قال مجيبا لهم : { إني أعلم ما لا تعلمون } يعني لما علمتم كوني عالما بكل المعلومات ، فاعلموا أن حكمي يكون منزها عن الغلط كذا ههنا . والله أعلم .

تم تفسير هذه السورة ولله الحمد والشكر ، كما هو أهله ومستحقه . يوم الأحد في رمضان سنة إحدى وستمائة في قرية يقال لها بغدان . ونسأل الله الخلاص من الأهوال وشدة الزمان ، وكيد أهل البغي والخذلان ، إنه الملك الديان . وصلاته وسلامه على حبيب الرحمن ، محمد المصطفى صاحب المعجزات والبرهان .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَـٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ} (75)

55

ثم يلحق بالطبقة الأولى من المهاجرين المجاهدين ، كل من يهاجر بعد ذلك ويجاهد - وإن كانت للسابقين درجتهم كما تقرر النصوص القرآنية الأخرى - إنما هذا إلحاق في الولاء والعضوية في المجتمع الإسلامي :

( والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ) . .

ولقد ظل شرط الهجرة قائماً حتى فتح مكة ؛ حين دانت أرض العرب للإسلام ولقيادته ، وانتظم الناس في مجتمعه . فلا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد وعمل . كما قال رسول الله [ ص ] غير أن ذلك إنما كان في جولة الإسلام الأولى التي حكم فيها الأرض ألفا ومائتي عام تقريباً ؛ لم ينقطع فيها حكم شريعة الإسلام ، وقيام القيادة المسلمة على شريعة الله وسلطانه . . فأما اليوم وقد عادت الأرض إلى الجاهلية ؛ وارتفع حكم الله - سبحانه - عن حياة الناس في الأرض ، وعادت الحاكمية إلى الطاغوت في الأرض كلها ، ودخل الناس في عبادة العباد بعد إذ أخرجهم الإسلام منها . . الآن تبدأ جولة جديدة أخرى للإسلام - كالجولة الأولى - تأخذ - في التنظيم - كل أحكامها المرحلية ، حتى تنتهي إلى إقامة دار إسلام وهجرة ؛ ثم تمتد ظلال الإسلام مرة أخرى - بإذن الله - فلا تعود هجرة ولكن جهاد وعمل ؛ كما حدث في الجولة الأولى . .

ولقد كانت لفترة البناء الأولى للوجود الإسلامي أحكامها الخاصة ، وتكاليفها الخاصة . . قام الولاء في العقيدة مقام الولاء في الدم ، في كل صوره وأشكاله ، وفي كل التزاماته ومقتضياته . بما في ذلك الإرث والتكافل في الديات والمغارم . . فلما أن استقر الوجود الإسلامي بيوم الفرقان في بدر عدلت أحكام تلك الفترة الاستثنائية ، اللازمة لعملية البناء الأولى ، المواجهة لتكاليفها الاستثنائية . وكان من هذه التعديلات عودة التوارث والتكافل في الديات وغيرها إلى القرابة - ولكنه في إطار المجتمع المسلم في دار الإسلام :

( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله . . )

فلا بأس بعد استقرار الوجود الفعلي للإسلام ، من أولوية ذوي القربى في داخل الإطار العام . . إن هذا يلبي جانباً فطرياً في النفس الإنسانية . ولا ضرر من تلبية المشاعر الفطرية في النفس الإنسانية ، ما دام أن ليس هناك ما يعارض هذه المشاعر من تكاليف الوجود الإسلامي . . إن الإسلام لا يحطم المشاعر الفطرية ؛ ولكنه يضبطها . يضبطها لتستقيم مع الحاجات العليا للوجود الإسلامي ؛ فمتى انقضت هذه الحاجات عاد يلبيها - في إطاره العام . ومن ثم تكون لبعض الفترات الاستثنائية في الحركة تكاليفها الخاصة ، التي ليست واردة في الأحكام النهائية للإسلام ، التي تحكم المجتمع الإسلامي المستقر الآمن في حياته العادية . . وكذلك ينبغي أن نفقه تكاليف مرحلة البناء الأولى ؛ وطبيعة الإسلام العامة وأحكامه الأخرى . .

إن الله بكل شيء عليم . .

وهو التعقيب المناسب على هذه الأحكام والتنظيمات والمشاعر ، وتداخلها وتنظيمها وتنسيقها . فهي من العلم المحيط بكل شيء . علم الله تعالى . .

وبعد فإن الإسلام - وهو يبني الأمة المسلمة على هذه القاعدة وفق هذا المنهج ؛ ويقيم وجودها على أساس التجمع العضوي الحركي ؛ ويجعل آصرة هذا التجمع هي العقيدة - إنما كان يستهدف إبراز " إنسانية الإنسان " وتقويتها وتمكينها ، وإعلاءها على جميع الجوانب الأخرى في الكائن الإنساني . وكان يمضي في هذا على منهجه المطرد في كل قواعده وتعليماته وشرائعه وأحكامه . .

إن الكائن الإنساني يشترك مع الكائنات الحيوانية - بل الكائنات المادية - في صفات توهم أصحاب " الجهالة العلمية ! " مرة بأنه حيوان كسائر الحيوان ؛ ومرة بأنه مادة كسائر المواد ! ولكن الإنسان مع اشتراكه في هذه " الصفات " مع الحيوان ومع المادة له " خصائص " تميزه وتفرده ؛ وتجعل منه كائناً فريداً - كما اضطر أصحاب " الجهالة العلمية ! " أخيراً أن يعترفوا والحقائق الواقعة تلوي أعناقهم ليا ، فيضطرون لهذا الاعتراف في غير إخلاص ولا صراحة !

والإسلام - بمنهجه الرباني - يعمد إلى هذه الخصائص التي تميز " الإنسان " وتفرده بين الخلائق ؛ فيبرزها وينميها ويعليها . . وهو حين يجعل آصرة العقيدة هي قاعدة التجمع العضوي الحركي ، التي يقيم على أساسها وجود الأمة المسلمة ، إنما يمضي على خطته تلك . فالعقيدة تتعلق بأعلى ما في " الإنسان " من " خصائص " . .

إنه لا يجعل هذه الآصرة هي النسب ، ولا اللغة ، ولا الأرض ، ولا الجنس ، ولا اللون ، ولا المصالح ، ولا المصير الأرضي المشترك . . فهذه كلها أواصر يشترك فيها الحيوان مع الإنسان . وهي أشبه شيء وأقرب شيء إلى أواصر القطيع ، وإلى اهتمامات القطيع ، وإلى الحظيرة والمرعى والثغاء الذي يتفاهم به القطيع ! أما العقيدة التي تفسر للإنسان وجوده ، ووجود هذا الكون من حوله تفسيراً كلياً ؛ كما تفسر له منشأ وجوده ووجود الكون من حوله ، ومصيره ومصير الكون من حوله ؛ وترده إلى كائن أعلى من هذه المادة وأكبر وأسبق وأبقى ، فهي أمر آخر يتعلق بروحه وإدراكه المميز له من سائر الخلائق ، والذي ينفرد به عن سائر الخلائق ؛ والذي يقرر " إنسانيته " في أعلى مراتبها ؛ حيث يخلف وراءه سائر الخلائق .

ثم إن هذه الآصرة - آصرة العقيدة والتصور والفكرة والمنهج - هي آصرة حرة ؛ يملك الفرد الإنساني اختيارها بمحض إرادته الواعية . فأما أواصر القطيع تلك فهي مفروضة عليه فرضاً ، لم يخترها ولا حيلة له كذلك فيها . . إنه لا يملك تغيير نسبه الذي نماه ؛ ولا تغيير الجنس الذي تسلسل منه ؛ ولا تغيير اللون الذي ولد به . فهذه كلها أمور قد تقررت في حياته قبل أن يولد ، لم يكن له فيها اختيار ، ولا يملك فيها حيلة . . كذلك مولده في أرض بعينها ، ونطقه بلغة بعينها بحكم هذا المولد ، وارتباطه بمصالح مادية معينة ومصير أرضي معين - ما دامت هذه هي أواصر تجمعه مع غيره - كلها مسائل عسيرة التغيير ؛ ومجال " الإرادة الحرة " فيها محدود . . ومن أجل هذا كله لا يجعلها الإسلام هي آصرة التجمع الإنساني . . فأما العقيدة والتصور والفكرة والمنهج ، فهي مفتوحة دائماً للاختيار الإنساني ، ويملك في كل لحظة أن يعلن فيها اختياره ؛ وأن يقرر التجمع الذي يريد أن ينتمي إليه بكامل حريته ؛ فلا يقيده في هذه الحالة قيد من لونه أو لغته أو جنسه أو نسبه ، أو الأرض التي ولد فيها ، أو المصالح المادية التي تتحول بتحول التجمع الذي يريده ويختاره .

. . وهنا كرامة الإنسان في التصور الإسلامي . .

ولقد كان من النتائج الواقعية الباهرة للمنهج الإسلامي في هذه القضية ؛ ولإقامة التجمع الإسلامي على آصرة العقيدة وحدها ، دون أواصر الجنس والأرض واللون واللغة والمصالح الأرضية القريبة والحدود الإقليمية السخيفة ! ولإبراز " خصائص الإنسان " في هذا التجمع وتنميتها وإعلائها ، دون الصفات المشتركة بينه وبين الحيوان . . كان من النتائج الواقعية الباهرة لهذا المنهج أن أصبح المجتمع المسلم مجتمعاً مفتوحاً لجميع الأجناس والأقوام والألوان واللغات ، بلا عائق من هذه العوائق الحيوانية السخيفة ! وأن صبت في بوتقة المجتمع الإسلامي خصائص الأجناس البشرية وكفاياتها ؛ وانصهرت في هذه البوتقة وتمازجت ؛ وأنشأت مركباً عضوياً فائقاً في فترة تعد نسبياً قصيرة ؛ وصنعت هذه الكتلة العجيبة المتجانسة المتناسقة حضارة رائعة ضخمة تحوي خلاصة الطاقة البشرية في زمانها مجتمعة . على بعد المسافات وبطء طرق الاتصال في ذلك الزمان .

لقد اجتمع في المجتمع الإسلامي المتفوق : العربي والفارسي والشامي والمصري والمغربي والتركي والصيني والهندي والروماني والإغريقي والأندونسي والإفريقي . . . إلى آخر الأقوام والأجناس . وتجمعت خصائصهم كلها لتعمل متمازجة متعاونة متناسقة في بناء المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية . ولم تكن هذه الحضارة الضخمة يوماً ما " عربية " إنما كانت دائماً " إسلامية " . ولم تكن يوماً ما " قومية " إنما كانت دائماً " عقيدية " . .

ولقد اجتمعوا كلهم على قدم المساواة ، وبآصرة الحب ، وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة . . فبذلوا جميعاً أقصى كفاياتهم ، وأبرزوا أعمق خصائص أجناسهم ؛ وصبوا خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية التاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعاً على قدم المساواة ؛ وتجمع فيه بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد ؛ وتبرز فيها " إنسانيتهم " وحدها بلا عائق . . وهذا ما لم يتجمع قط لأي تجمع آخر على مدار التاريخ ! . .

لقد كان أشهر تجمع بشري في التاريخ القديم هو تجمع الإمبراطورية الرومانية مثلاً . فقد ضمت بالفعل أجناساً متعددة ؛ ولغات متعددة ، وأرضين متعددة . . . ولكن هذا كله لم يقم على آصرة " إنسانية " ولم يتمثل في قيمة عليا كالعقيدة . . لقد كان هناك تجمع طبقي على أساس طبقة الأشراف وطبقة العبيد في الإمبراطورية كلها من ناحية ، وتجمع عنصري على أساس سيادة الجنس الروماني - بصفة عامة - وعبودية سائر الأجناس الأخرى . . ومن ثم لم يرتفع قط إلى أفق التجمع الإسلامي ؛ ولم يؤت الثمار التي آتاها التجمع الإسلامي .

كذلك قامت في التاريخ الحديث تجمعات أخرى . . تجمع الإمبراطورية البريطانية مثلاً . . ولكنه كان كالتجمع الروماني الذي هو وريثه ! تجمعاً قومياً استغلالياً ؛ يقوم على أساس سيادة القومية الإنجليزية ، واستغلال المستعمرات التي تضمها الإمبراطورية . . ومثله الإمبراطوريات الأوربية كلها : الإمبراطورية الأسبانية والبرتغالية في وقت ما ، والإمبراطورية الفرنسية . . وكلها في ذلك المستوى الهابط البشع المقيت !

وأرادت الشيوعية أن تقيم تجمعاً من نوع آخر ، يتخطى حواجز الجنس والقوم والأرض واللغة واللون . ولكنها لم تقمه على قاعدة " إنسانية " عامة . إنما أقامته على القاعدة " الطبقية " . . فكان هذا التجمع هو الوجه الآخر للتجمع الروماني القديم . . هذا تجمع على قاعدة طبقة " الأشراف " ؛ وذلك تجمع على قاعدة طبقة " الصعاليك " [ البروليتريا ] والعاطفة التي تسوده هي عاطفة الحقد الأسود على سائر الطبقات الأخرى !

وما كان لمثل هذا التجمع الصغير أن يثمر إلا أسوأ ما في الكائن الإنساني . . فهو ابتداء قائم على أساس إبراز الصفات الحيوانية وحدها وتنميتها وتمكينها باعتبار أن " المطالب الأساسية " للإنسان هي " الطعام والمسكن والجنس " - وهي مطالب الحيوان الأولية - وباعتبار أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام ! ! !

لقد تفرد الإسلام بمنهجه الرباني في إبراز أخص خصائص الإنسان وتنميتها وإعلائها في بناء المجتمع الإنساني . . وما يزال مفرداً . . والذين يعدلون عنه إلى أي منهج آخر ، يقوم على أية قاعدة أخرى من القوم أو الجنس أو الأرض أو الطبقة . . إلى آخر هذا النتن السخيف هم أعداء الإنسان حقاً ! هم الذين لا يريدون لهذا الإنسان أن يتفرد في هذا الكون بخصائصه العليا كما فطره الله ؛ ولا يريدون لمجتمعه أن ينتفع بأقصى كفايات أجناسه وخصائصها وتجاربها في امتزاج وتناسق . . وهم في الوقت ذاته يسبحون ضد التيار ؛ ويعملون ضد خط الصعود الإنساني ؛ ليعودوا بالإنسان إلى التجمع على مثل ما تتجمع عليه " البهائم " من الحظيرة والكلأ ! بعد أن رفعه الله إلى ذلك المقام الكريم الذي يتجمع فيه على ما يليق أن تتجمع عليه " الناس " !

وأعجب العجب أن يسمى التجمع على خصائص الإنسان العليا تعصباً وجموداً ورجعية ، وأن يسمى التجمع على مثل خصائص الحيوان تقدماً ورقياً ونهضة ؛ وأن تقلب القيم والاعتبارات كلها ؛ لا لشيء إلا للهروب من التجمع على أساس العقيدة . . خصيصة الإنسان العليا . .

ولكن الله غالب على أمره . . وهذه الانتكاسات الحيوانية الجاهلية في حياة البشرية لن يكتب لها البقاء . . وسيكون ما يريده الله حتماً . . وستحاول البشرية ذات يوم أن تقيم تجمعاتها على القاعدة التي كرم الله الإنسان بها . والتي تجمع عليها المجتمع المسلم الأول فكان له تفرده التاريخي الفائق . وستبقى صورة هذا المجتمع تلوح على الأفق ، تتطلع إليها البشرية وهي تحاول مرة أخرى أن ترقى في الطريق الصاعد إلى ذلك المرتقى السامي الذي بلغت إليه في يوم من الأيام . .