غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّـٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ} (4)

1

ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه صلى الله عليه وسلم في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل : { ما جعل الله لرجل من قلبين } كأنه قال : يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ثم أراد أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه تعالى لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك مقدمة وهي قوله { وما جعل أزواجكم } إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم : أنت عليّ كظهر أمي لا تصير أماً بإجماع الكل ، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة . وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانياً . فكذلك قول القائل للدعيّ إنه ابني لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن ، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً ، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف . والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في قوله { القلوب التي في الصدور } [ الحج : 46 ] من زيادة التصوير للتأكيد . ومعنى ظَاهَرَ من امرأته قال لها : أنت علي كظهر أمي . كأنه قال : تباعدي مني بجهة الظهار . وعدى ب " من " لتضمين معنى التباعد . وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه . وقيل : إن إتيان المرأة في قبلها من جانب الظهر كان محذوراً عندهم زعماً منهم بأن الولد حينئذ يجيء أحول ، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر ، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه . والدعي " فعيل " بمعنى " مفعول " وهو المدعو ولد أشبه بفعيل الذي هو بمعنى " فاعل " كتقي وأتقياء فجمع على " أفعلاء " .

واعلم أن زيد بن حارثة كان رجلاً من قبيلة كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة ، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقوله { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } [ الأحزاب : 40 ] وقيل : كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين . وقيل : هو جميل الفهري كان يقول : إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد ، فأكذب الله قولهما وضربه مثلاً في الظهار والتبني . وقيل : سها في صلاته فقالت اليهود وأهل النفاق : لمحمد قلبان ، قلب مع أصحابه وقلب معكم . وعن الحسن : نزلت فيمن يقول : نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في { رجل } وزيادة من الاستغراقية التأكيد كأنه قيل : ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين ألبتة { ذلكم } النسب { قولكم بأفواهكم } إذ لا أصل شرعاً لقول القائل : هذا ابني : وذلك إذ كان معروف النسب حراً ، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حراً ثبت نسبه من المتنبي ظاهراً إن أمكن ذلك بحسب السن ، وإن كان عبداً له عتق وثبت النسب . وإن كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب .

/خ20