مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا} (18)

ثم لما بين حال المخلفين بعد قوله { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } عاد إلى بيان حالهم وقال : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم } من الصدق كما علم ما في قلوب المنافقين من المرض { فأنزل السكينة عليهم } حتى بايعوا على الموت ، وفيه معنى لطيف وهو أن الله تعالى قال قبل هذه الآية { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات } فجعل طاعة الله والرسول علامة لإدخال الله الجنة في تلك الآية ، وفي هذه الآية بين أن طاعة الله والرسول وجدت من أهل بيعة الرضوان ، أما طاعة الله فالإشارة إليها بقوله { لقد رضي الله عن المؤمنين } وأما طاعة الرسول فبقوله { إذ يبايعونك تحت الشجرة } بقي الموعود به وهو إدخال الجنة أشار إليه بقوله تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين } لأن الرضا يكون معه إدخال الجنة كما قال تعالى : { ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم } .

ثم قال تعالى : { فعلم ما في قلوبهم } والفاء للتعقيب وعلم الله قبل الرضا لأنه علم ما في قلوبهم من الصدق فرضي عنهم فكيف يفهم التعقيب في العلم ؟ نقول قوله { فعلم ما في قلوبهم } متعلق بقوله { إذ يبايعونك تحت الشجرة } كما يقول القائل فرحت أمس إذ كلمت زيدا فقام إلي ، أو إذ دخلت عليه فأكرمني ، فيكون الفرح بعد الإكرام ترتيبا كذلك ، هاهنا قال تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم } من الصدق إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب ، بل عند المبايعة التي كان معها علم الله بصدقهم ، والفاء في قوله { فأنزل السكينة عليهم } للتعقيب الذي ذكرته فإنه تعالى رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم ، وفي { فعلم } بيان وصف المبايعة بكونها معقبة بالعلم بالصدق الذي في قلوبهم وهذا توفيق لا يتأتى إلا لمن هداه الله تعالى إلى معاني كتابه الكريم وقوله تعالى : { وأثابهم فتحا قريبا } هو فتح خيبر .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا} (18)

18

المفردات :

رضي : الرضا من الله تعالى محبة وعطف وحنان ورعاية ، وتوفيق وهداية وتقدير ، وعدم سخط على أهل الحديبية لمبايعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

يبايعونك : يعاهدونك على السمع والطاعة .

الشجرة : شجرة سمُرة ( شجرة طلح ، وهي المعروفة الآن بالسنط ) ، بايع المسلمون تحت ظلها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ما في قلوبهم : من الصدق والإخلاص في المبايعة .

السكينة : طمأنينة القلب ، وسكون النفس .

وأثابهم : جازاهم .

فتحا قريبا : هو فتح خيبر عقب انصرافهم من الحديبية .

التفسير :

18- { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } .

إن الرضا والبركة ، والرحمة والفضل ، والسكينة والأمان والمغفرة ، قد نزلت من الله تعالى على هؤلاء الصحابة الأجلاء ، وكانوا ألفا وأربعمائة رجل ، قد بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة الرضوان ، فسجل الله رضاه عنهم ، وقال صلى الله عليه وسلم لهم : ( أنتم اليوم خير أهل الأرض ) .

وقد حضر جبريل الأمين هذه البيعة ، روى ابن أبي حاتم ، عن إياس بن سلمة ، عن أبيه قال : بينما نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيها الناس ، البيعة البيعة ، نزل روح القدس ، قال : فسرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو تحت شجرة سُمرة فبايعناه ، فذلك قول الله تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة . . . }

قال : فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه ، بإحدى يديه على الأخرى11 .

{ فعلم ما في قلوبهم . . . }

من التضحية والفداء ، والصدق والوفاء ، والسمع والطاعة .

{ فأنزل السكينة عليهم . . . }

فأنزل عليهم الطمأنينة والهدوء ، والامتثال لأمر الله ورسوله .

{ وأثابهم فتحا قريبا } .

عوضهم الله وكافأهم بفتح قريب ، ثم بعد شهرين من الحديبية ، وهو فتح خيبر ، وفتح مكة ، وفتح حنين والطائف ، بل وسائر ما فتحه الله عليهم من البلاد ، وما وقع لهم من العز والرفعة ، والنصر والمنعة في الدنيا والآخرة .