روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا} (85)

وقوله تعالى : { مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ } أي حظ وافر { مِنْهَا } أي من ثوابها ، جملة مستأنفة سيقت لبيان أن له عليه الصلاة والسلام فيما أمر به من تحريض المؤمنين حظاً موفوراً من الثواب ، وبه ترتبط الآية بما قبلها كما قال القاضي . وقال علي بن عيسى : إنه سبحانه لما قال : { لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ } [ النساء : 84 ] مشيراً به إلى أنه عليه الصلاة والسلام غير مؤاخذ بفعل غيره كان مظنة لتوهم أنه كما لا يؤاخذ بفعل غيره لا يزيد عمله بعمل غيره أيضاً فدفع ما عسى أن يتوهم بذلك ، وليس بشيء كما لا يخفى ، و الشفاعة هي التوسط بالقول في وصول الشخص ولو كان أعلى قدراً من الشفيع إلى منفعة من المنافع الدنيوية أو الأخروية ، أو خلاصه عن مضرة مّا كذلك من الشفع ضد الوتر كأن المشفوع له كان وتراً فجعله الشفيع شفعاً ، ومنه الشفيع في الملك لأنه يضم ملك غيره إلى نفسه أو يضم نفسه إلى من يشتريه ويطلبه منه ، و الحسنة منها ما كانت في أمر مشروع روعي بها حق مسلم ابتغاءاً لوجه الله تعالى ، ومنها الدعاء للمسلمين فإنه شفاعة معنى عند الله تعالى ، روى مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال الملك : ولك مثل ذلك " ، وفيه بيان لمقدار النصيب الموعود ولا أرى حسناً إطلاق الشفاعة على الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بل لا أكاد أسوغه ، وإن كانت فيه منفعة له صلى الله عليه وسلم كما أن فيه منفعة لنا على الصحيح .

وتفسيرها بالدعاء كما نقل عن الجبائي أو بالصلح بين إثنين كما روي الكلبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لعله من باب التمثيل لا التخصيص ، وكون التحريض الذي فعله صلى الله عليه وسلم من باب الشفاعة ظاهر فإن المؤمنين تخلصوا بذلك من مضرة التثبط وتعيير العدو ، واحتمال الذل وفازوا بالأجر الجزيل المخبوء لهم يوم القيامة ؛ وربحوا أموالاً جسيمة بسبب ذلك ، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام لما وافى بجيشه بدراً ولم ير بها أحداً من العدو أقام ثماني ليال وكان معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيراً كثيراً ، ومن الناس من فسر الشفاعة هنا بأن يصير الإنسان شفع صاحبه في طاعة أو معصية ، والحسنة منها ما كان في طاعة ، فالجملة مسوقة للترغيب في الجهاد والترهيب عن التخلف والتقاعد ، وأمر الارتباط عليه ظاهر ولا بأس به غير أن الجمهور على خلافه .

/ { وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً } وهي ما كانت بخلاف الحسنة ، ومنها الشفاعة في حد من حدود الله تعالى ففي الخبر : «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد ضاد الله تعالى في ملكه ومن أعان على خصومة بغير علم كان في سخط الله تعالى حتى ينزع » واستثني من الحدود القصاص ، فالشفاعة في إسقاطه إلى الدية غير محرمة { يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا } أي نصيب من وزرها ، وبذلك فسره السدي والربيع وابن زيد وكثير من أهل اللغة ، فالتعبير بالنصيب في الشفاعة الحسنة ، وبالكفل في الشفاعة السيئة للتفنن ، وفرق بينهما بعض المحققين بأن النصيب يشمل الزيادة ، والكفل هو المثل المساوي ، فاختيار النصيب أولاً لأن جزاء الحسنة يضاعف ؛ والكفل ثانياً لأن من جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها ، ففي الآية إشارة إلى لطف الله تعالى بعباده ، وقال بعضهم : إن الكفل وإن كان بمعنى النصيب إلا أنه غلب في الشر وندر في غيره كقوله تعالى :

{ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } [ الحديد : 28 ] فلذا خص بالسيئة تطرية وهرباً من التكرار { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً } أي مقتدراً كما قاله ابن عباس حين سأله عنه نافع بن الأزرق واستشهد عليه بقول أحيحة الأنصاري :

وذي ضغن كففت النفس عنه *** وكنت على مساءته ( مقيتاً )

وروي ذلك عن جماعة من التابعين ، وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه الحفيظ واشتقاقه من القوت ، فإنه يقوي البدن ويحفظه ، وعن الجبائي أنه المجازي أي يجازي على كل شيء من الحسنات والسيئات ، وأصله مقوت فَأُعِلَّ كمقيم ؛ والجملة تذييل مقرر لما قبلها على سائر التفاسير .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً } أي من يرافق نفسه على الطاعات { يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا } أي حظ وافر من ثوابها { وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً } أي من يرافق نفسه على معصية { يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا } أي مثل مساو من عقابها { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً } [ النساء : 85 ] فيوصل الثواب والعقاب إلى مستحقيهما

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا} (85)

قوله تعالى : ( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا ) .

الشفاعة في اللغة من الشفع وهو العدد الزوجي خلافا للفرد أو الوتر وفي الآية : ( والشفع والوتر ) ومنه الشفيع سميّ بذلك ؛ لأنه في ضمه إلى صاحب الحاجة يصير شفعا أي زوجا . وبعبارة أخرى فإن الشفع معناه : ضم ذات إلى ذات أخرى . وعلى ذلك فإن الشفاعة تعني أن ينضم واحد بجاهه واعتباره إلى آخر لما في ذلك من إظهار لمنزلة الشفيع بقصد إيصال المنفعة إلى المشفوع له{[798]} .

واختلف أهل التأويل في حقيقة المقصود من هذه الآية على جملة أقوال . ويمكن استخلاص الصحيح منها لنعلم أنها تتعلق بشفاعات الناس في حوائجه فيما بينهم . فمن سعى سعيا ترتب عليه وصول خير أو منفعة للآخرين كأن يكون ذلك تحصيلا لمنفعة أو تحقيقا لمصلحة أو إظهارا لحق مضيّع أو دفعا لضرر ، فإن في ذلك أجرا ومثوبة للساعي الشفيع . يقول النبي ( ص ) : " اشفعوا تؤجروا " رواه مسلم .

أما الذي يشفع في السيئة بأن يسخّر جاهه ومكانته في إلحاق الأذى والظلم بالآخرين فإنه له في ذلك كفل من الوزر أو الإثم . والكفل معناه النصيب ويستوي فيه أن يتضمّن الأجر أو يتضمّن الوزر . وفي هذه الآية تشجيع على فعل الخير وبث أسباب العون والمساعدة لكل محتاج أو ملهوف ، وفيها كذلك تنديد بالشفاعة السيئة التي يعتمد بموجبها الآثمون إلى إخفاء الحق لكي يظهر الباطل بما في ذلك من وجوه الإضرار والشرور والموبقات التي تلحق بالناس ظلما وعدوانا . وذلك نتيجة للوساطات الفاسدة التي ينبري من خلالها الشفعاء لإخفاء الحق وإظهار الباطل فيحيق الظلم بالمستحقين ويتطاول المبطلون المعتسفون فيسلبون حقوق الآخرين ظلما وعدوانا .

قوله : ( وكان الله على كل شيء مقيتا ) المقيت معناه الحفيظ الشهيد وقيل : المقتدر وهو مشتق من القوت ؛ لأنه يمسك النفس ويحفظها .


[798]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 47.