روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ} (44)

{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ } أي تركوا ما دعاهم الرسل عليهم الصلاة والسلام إليه وردوه عليهم ولم يتعظوا به كما روي عن ابن جريج ، وقيل : المراد أنهم انهمكوا في معاصيهم ولم يتعظوا بما نالهم من البأساء والضراء فلما لم يتعظوا { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } من النعم الكثيرة كالرخاء وسعة الرزق مكراً بهم واستدراجاً لهم . فقد روى أحمد والطبراني والبيهقي في «شعب الإيمان » من حديث عقبة بن عامر مرفوعاً " إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد في الدنيا وهو مقيم على معاصيه فإنما هو استدراج ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { فَلَمَّا نَسُواْ } الآية وما بعدها " وروي عن الحسن أنه لما سمع الآية قال : «مكر بالقوم ورب الكعبة أعطوا حاجتهم ثم أخذوا » وقيل : المراد فتحنا عليهم ذلك إلزاماً للحجة وإزاحة للعلة ، والظاهر أن { فَتَحْنَا } جواب ( لما ) لأن فيها سواء قيل بحرفيتها أو اسميتها معنى الشرط . واستشكل ذلك بأنه لا يظهر وجه سببية النسيان لفتح أبواب الخير . وأجيب بأن النسيان سبب للاستدراج المتوقف على فتح أبواب الخير ، وسببية شيء لآخر تستلزم سببيته لما يتوقف عليه أو يقال : إن الجواب ما ذكر باعتبار ماله ومحصله وهو ألزمناهم الحجة ونحوه وتسببه عنه ظاهر ، وقيل : إنه مسبب عنه باعتبار غايته وهو أخذهم بغتة . وقرأ أبو جعفر وابن عامر { فَتَحْنَا } بالتشديد للتكثير .

{ حتى إِذَا فَرِحُواْ } فرح بطر { بِمَا أُوتُواْ } من النعم ولم يقوموا بحق المنعم جل شأنه { أخذناهم } عاقبناهم وأنزلنا بهم العذاب { بَغْتَةً } أي فجأة ليكون أشد عليهم وأفظع هولاً ، وهي نصب على الحالية من الفاعل أو المفعول أي مباغتين أو مبغوتين أو على المصدرية أي بغتناهم بغتة { فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } أي آيسون من النجاة والرحمة كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وقال البلخي : أذلة خاضعون ، وعن السدي الإبلاس تغير الوجه ومنه سمي إبليس لأن الله تعالى نكس وجهه وغيره ، وعن مجاهد هو بمعنى الاكتئاب . وفي «الحواشي الشهابية » للإبلاس ثلاثة معان في اللغة : الحزن والحسرة واليأس وهي معان متقاربة . وقال الراغب : هو الحزن المعترض من شدة اليأس ، ولما كان المبلس كثيراً ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه قيل : أبلس فلان إذا سكت وإذا انقطعت حجته ، وإذا هي الفجائية وهي ظرف مكان كما نص عليه أبو البقاء . وعن جماعة أنها ظرف زمان ، ومذهب الكوفيين أنها حرف ؛ وعلى القولين الأولين الناصب لها خبر المبتدأ أي أبلسوا في مكان إقامتهم أو في زمانها .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ} (44)

شرح الكلمات :

{ بغتة } : فجأة وعلى حين غفلة .

{ مبلسون } : آيسون قنطون متحسرون حزنون .

المعنى :

وهنا لما نسوا ما ذكرتهم به رسلهم فتركوا العمل به معرضين عنه غير ملتفتين إليه فتح الله تعالى عليهم أبواب كل شيء من الخيرات حتى إذا فرحوا بذلك وسكنوا إليه واطمأنوا ولم يبق بينهم من هو أهل للنجاة . قال تعالى { أخذناهم بغتة } أي فجأة بعذاب من أنواع العذاب الشديدة { فإذا هم مبلسون } آيسون من الخلاص متحسرون .

الهداية

من الهداية

- إذا رأيت الأمة قد فسقت عن أمر ربها ورسوله فعوقبت فلم تتعظ بالعقوبة واستمرت على فسقها وبسط الله تعالى لها في الرزق وأغدق عليها الخيرات فاعلم أنها قد استدرجت للهلاك وأنها هالكة لا محالة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ} (44)

قوله : { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبوب كل شيء } نسوا بمعنى تركوا . أي تركوا ما ذكروا به مما دعاهم إليه رسل الله فلم يتعظوا ولم يصدقوا بل انهمكوا في المعاصي والآثام وفعل المنكرات . ولم يعبأوا بما نزل بهم من البأساء والضراء . وعقيب ذلك فتح الله عليهم أبواب كل شيء من النعم الكثيرة كالرخاء والرغد والسعة على سبل الاستدراج للظالمين الغافلين السادرين في الغي والظلم والشهوات . وذلك وجه من وجوه الفتنة الكبيرة التي تنشد إليها قلوب الكثير من البشر ممن تستهويهم المغريات والشهوات ، وتستذلهم مطامع الدنيا الكثيرة فيهبطون منتكسين في ذلة وخور . حتى كانوا ضالعين في الإعراض والغواية والملذات أتاهم العذاب من حيث لم يحتسبوا .

قوله : { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذنهم بغتة فإذا هم مبلسون } أي فرحوا بطرا ، وظنوا أن ما أتوه من الخير والعطاء الجزيل لا يغني ولا يبيد وأنه كان باستحقاقهم . عندئذ على غرة ومن غير أمارة أو قرينة مقدمة . ولا يخفى أن الإهلاك وإنزال النقمة على حين غفلة أو غرة من الظالمين لهو أشد نكاية وإيلاما . فضلا عن كون ذلك جائيا بعد رخاء وسعة من العيش الراغد .

قوله : { فإذا هم مبلسون } من البلس ، بالتحريك : من لا خير فيه . والإبلاس وهو الإنكار والحزن واليأس . وأبلس بمعنى يئس وتحير ومنه إبليس . والملبس ، الذي انقطع رجاؤه . والمبلسون ، الآيسون من كل خير{[1164]} .


[1164]:- المصباح المنير ج 1 ص 68 والقاموس المحيط ج 2 ص 208 وتفسير الرازي ج 12 ص 237.