{ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } أي من الجهات الأربع التي يعتاد هجوم العدو منها ، والمراد لأسولن لهم ولأضلنهم بقدر الإمكان إلا أنه شبه حال تسويله ووسوسته لهم كذلك بحال إتيان العدو لمن يعاديه من أي جهة أمكنته ولذا لم يذكر الفوق والتحت إذ لا إتيان منهما فالكلام من باب الاستعارة التمثيلية و { لاقْعُدَنَّ لَهُمْ } [ الأعراف : 16 ] على ما قيل ترشيح لها ، وبعضهم لم يخرج الكلام على التمثيل واعتذر عن ترك جهة الفوق بأن الرحمة تنزل منها وعن ترك جهة التحت بأن الإتيان منها يوحش ، والاعتذار عن الأول بما ذكر أخرجه غير واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وروي أيضاً عن عكرمة والشعبي والاعتذار عن الثاني نسبه الطبرسي إلى الحبر أيضاً ، ولا يبعد على ذلك أن يكون الكلام تمثيلاً أيضاً ويكون الفرق بين التوجيهين بأن ترك هاتين الجهتين على الأول لعدمهما في الممثل به وعلى الثاني لعدمهما في الممثل . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن { مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } من قبل الآخرة لأنها مستقبلة آتية وما هو كذلك كأنه بين الأيدي { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } من قبل الدنيا لأنها ماضية بالنسبة إلى الآخرة ولأنها فانية متروكة مخلفة { وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } من جهة حسناتهم وسيآتهم ، وتفسير الأيمان بالحسنات والشمائل بالسيآت لأنهم يجعلون المحبوب في جهة اليمين وغيره في جهة الشمال كما قال
: بثين أفي يمنى يديك جعلتني *** فأفرح أم صيرتني في شمالك
وقال الأصمعي : يقال هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وبالشمال على عكس ذلك ، والكلام على هذا يجوز أن يكون فيه مجازات أو استعارات أو كنايات . ونظير هذا ما قيل : { مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز عنه { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } من حيث لا يعلمون و { عَنْ * أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم ومن حيث لا يتيسر لهم ذلك ، وقال بعض حكماء الإسلام : إن في البدن قوى أربعا : القوة الخالية التي تجتمع فيها مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة بقوله : { مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } والقوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ وإليها الإشارة بقوله : { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } والقوة الشهوانية ومحلها الكبد وهو عن يمين الإنسان وإليها الإشارة بقوله : { وَعَنْ أيمانهم } والقوة الغضبية ومحلها القلب الذي هو في الشق الأيسر وإليها الإشارة بقوله : { وَعَن شَمَائِلِهِمْ } والشيطان ما لم يستعن بشيء من هذه القوى لا يقدر على إلقاء الوسوسة ، وهذا عندي نوع من الإشارة كما لا يخفى ، وقيل : غير ذلك ، وإنما عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الآخرين بحرف المجاوزة فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم ، ونظيره قولهم : جلست عن يمينه ، وذكر القطب في بيان وجه ذلك ما بناه على ما قاله بعض حكماء الإسلام وهو أن ( من ) للاتصال و ( عن ) للانفصال ، وأثر الشيطان في قوتي الدماغ حصول العقائد الباطلة كالشرك والتشبيه والتعطيل ، وهي مرتسمة في النفس الإنسانية متصلة بها ، وفي الشهوة والغضب حصول الأعمال السيئة الشهوانية والغضبية وهي تنفصل عن النفس وتنعدم فلهذا أورد في الجهتين الأوليين { مِنْ } الاتصالية وفي الأخريين { عَنْ } الانفصالية ، وقيل : خص اليمين والشمال بعن لأن ثمة ملكين يقتضيان التجاوز عن ذلك وفيه نظر لا يخفى ، وادعى بعضهم أن الآية كالدليل على أن اللعين لا يمكنه أن يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه إذ لو أمكنه ذلك لذكره في باب المبالغة ؛ وحديث
«إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » من باب التمثيل . وقد يجاب بأن التمثيل اقتضى عدم الذكر فتدبر .
{ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين } أي مطيعين ، وإنما قال ذلك ظناً كما روي عن الحسن . وأبي مسلم لقوله تعالى : { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } [ سبأ : 2 ] لما رأى أن للنفس تسع عشرة قوة الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب والقوى السبع النباتية الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة وإنها بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم وأن ليس هناك ما يدعو إلى عالم الأرواح إلا قوة واحدة وهي العقل وما يصنع واحد مع متعدد « :
وعن الجبائي أنه سمع ذلك من الملائكة فقاله على سبيل القطع ، وقيل : إنه رآه قبل في اللوح المحفوظ . ووجد إما بمعنى صادف فينصب مفعولاً واحداً وهو { أَكْثَرُهُمْ } وشاكرين حال ، وإما بمعنى علم فينصب مفعولين ثانيهما { شاكرين } والجملة إما معطوفة على المقسم عليه وإما مستأنفة ، وإنما لم يفرعها على ما تقدم لأن مضمونها بمقتضى الجبلة أيضاً لا بمجرد إغوائه ، ووجه التعبير بالأكثر ظاهر .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } أي لأجتهدن في إضلالهم ، وقد تقدم ما قاله بعض حكماء الإسلام في ذلك ، وفي «تأويلات النيسابوري » كلام كثير فيه وما قاله البعض أحسنه في هذا الباب ، وذكر بعضهم لعدم التعرض لجهتي الفوق والتحت وجها وهو أن الإتيان من الجهة الأولى غير ممكن له لأن الجهة العلوية هي التي تلي الروح ويرد منها الإلهامات الحقة والالقاءات الملكية ونحو ذلك ، والجهة السفلية يحصل منها الأحكام الحسية والتدابير الجزئية في باب المصالح الدنيوية وذلك غير موجب للضلالة بل قد ينتفع به في العلوم الطبيعية والرياضية وفيه نظر . { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين }( {[286]} ) [ الأعراف : 17 ] مستعملين ما خلق لهم لما خلق له .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ثم لآتينهم من بين أيديهم}، من قبل الآخرة، فأزين لهم التكذيب بالبعث، وبالجنة، وبالنار، {ومن خلفهم}، يعني من قبل الدنيا، فأزينها في أعينهم، وأرغبهم فيها، ولا يعطون فيها حقا، {وعن أيمانهم}، يعن من قبل دينهم، فإن كانوا على هدى شبهته عليهم حتى يشكوا فيها، وإن كانوا على ضلالة زينتها لهم، {وعن شمائلهم}، يعني من قبل الشهوات واللذات من المعاصي وأشهيها إليهم، {ولا تجد أكثرهم شاكرين} لنعمتك، فلا يوحدونك.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى قوله:"لآتِيَنّهُمْ مِنْ بينِ أيْدِيهِمْ": من قِبَل الاَخرة، "وَمِنْ خَلْفِهِمْ": من قِبَل الدنيا، "وَعَنْ أيمَانِهِمْ": من قِبَل الحق، "وَعَنْ شَمائِلهمْ": من قِبَل الباطل... عن ابن عباس، قوله: "ثُمّ لآِيّنّهُمْ مِنْ بينِ أيْدِيهِمْ "يقول: أشككهم في آخرتهم، "وَمِنْ خَلْفِهِمْ": أرغبهم في دنياهم، "وَعَنْ أيمانِهِمْ": أشبه عليهم أمر دينهم، "وَعنْ شَمائِلِهِمْ": أشهّي لهم المعاصي...
وقال آخرون: بل معنى قوله: "مِنْ بينِ أيْدِيهِمْ": من قِبَل دنياهم، "وَمِنْ خَلْفِهِمْ": من قبَل آخرتهم...
وقال آخرون: معنى ذلك: من حيث يبصرون ومن حيث لا يبصرون... وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: معناه: ثم لآتينهم من جميع وجوه الحقّ والباطل، فأصدّهم عن الحقّ وأحسّن لهم الباطل، وذلك أن ذلك عقيب قوله: "لأَقْعُدَنّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ "فأخبر أنه يقعد لبني آدم على الطريق الذي أمرهم الله أن يسلكوه، وهو ما وصفنا من دين الله الحقّ، فيأتيهم في ذلك من كلّ وجوهه؛ من الوجه الذي أمرهم الله به، فيصدّهم عنه، وذلك من بين أيديهم وعن أيمانهم، ومن الوجه الذي نهاهم الله عنه، فيزينه لهم ويدعوهم إليه، وذلك من خلفهم وعن شمائلهم. وقيل: ولم يقل: «من فوقهم» لأن رحمة الله تنزل على عباده من فوقهم.
وأما قوله: "ولاَ تَجد أكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ" فإنه يقول: ولا تجد ربِّ أكثر بني آدم شاكرين لك نعمتك التي أنعمت عليهم كتكرمتك أباهم آدم بما أكرمته به، من إسجادك له ملائكتك، وتفضيلك إياه عليّ، وشكرهم إياه طاعتهم له بالإقرار بتوحيده، واتباع أمره ونهيه...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
ذكر الأمام والخلف وعن أيمان وعن شمائل، ولم يذكر ما فوق ولا تحت فيحتمل أن يدخل ما فوق وما تحت بذكر الأمام واليمين والشمال والخلف كقوله تعالى: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء} [سبأ: 9] دخل ما فوق بذكر {من بين أيديهم} [فعلى ذلك هذا يدخل ما تحت وما فوق بذكر ما ذكر، فيصير كأنه قال {لآتينهم} من كل وجه. ويحتمل أنه لم يذكر هذا لما أنه لا سلطان له على منع أرزاق الخلق والبركات، لأن أرزاق الخلق والبركات مما تنزل من السماء من المطر، ويخرج من الأرض النبات، فليس له سلطان على منع إنزال المطر وإخراج النبات من الأرض، وله سلطان على غير ذلك، أو لما يشغلهم، ويشهّيهم {من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلها} من اللذات والشهوات لما إذا رأى شيئا، أعجبه، اتبع النظر إليه، واحدا بعد واحد من أمام ووراء ويمين وشمال، ولا كذلك من تحت ولا من فوق. أو أن يكون لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه إذا تلا هذه الآية قال: الله منعه من أن يأتيهم من فوقهم. ولو كان ذلك لما نجا أحد؛ فأعمالهم تصعد إلى الله، ورحمته تنزل عليهم. والذي ذكرنا أنه على التمثيل أنه يأتيه من كل جانب أشبه...
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِم}: فيما بقي من أعمارهم فلا يقدمون على طاعة، {وَمِنْ خَلْفِهِم}: فيما مضى من أعمارهم فلا يتوبون عن معصية. {وَعَنْ أَيْمَانِهِم}: من قبل غناهم فلا ينفقونه في مشكور. {وَعَن شَمَائِلِهِمِ}: من قبل فقرهم فلا يمتنعون فيه عن محظور. ويحتمل سادساً: {مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِم}: بسط أملهم. {وَمِنْ خَلْفِهِم}: تحكيم جهلهم. {وعن أيمانهم}: فيما ييسر لهم. {وَعَن شَمَائِلِهِم}: فيما تعسّر عليهم.
ثم قال: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}: مقيمين على طاعتك...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أخبر أنه يأخذ عليهم جوانَبهم، ويتسلطُ عليهم من جميع جهاتهم، ولم يَعْلَمْ أن الحقَّ سبحانه قادر على حفظهم عنه، فإنَّ ما يكيد بهم مِنَ القدرةِ حَصَلَ، وبالمشيئة يوجد، ولو كان الأمر به أو إليه لَكَانَ أوْلى الخلْقِ بأنْ يُؤَثِّرَ فيه كدْحُه نَفْسَه، وحيْث لم ينفعه جهدُه في سالِف أحواله لم يضرهم كيده بما توعدهم به من سوء أفعاله...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{ثُمَّ لآتِيَنَّهُم} من الجهات الأربع التي يأتي منها العدوّ في الغالب. وهذا مثل لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذا توكيد من إبليس في أنه يجدّ في إغواء بني أدم، وهذا لم يكن حتى علم إبليس أن الله يجعل في الأرض خليفة وعلم أنه آدم وإلا فلا طريق له إلى علم أنسال آدم من ألفاظ هذه الآيات.
قال القاضي أبو محمد: ومقصد هذه الآية أن إبليس أخبر عن نفسه أنه يأتي إضلال بني آدم من كل جهة وعلى كل طريق يفسد عليه ما أمكنه من معتقده وينسيه صالح أعمال الآخرة ويغريه بقبيح أعمال الدنيا، فعبر عن ذلك بألفاظ تقتضي الإحاطة بهم، وفي اللفظ تجوز، وهذا قول جماعة من المفسرين...
وقوله: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} أخبر أن سعايته تفعل ذلك ظناً منه وتوهماً في خلقة آدم حين رأى خلقته من أشياء مختلفة فعلم أنه ستكون لهم شيم تقتضي طاعته كالغل والحسد والشهوات ونحو ذلك...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
ولهذا ورد في الحديث الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته كلها، كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا نَصْر بن علي، حدثنا عمرو بن مُجَمِّع، عن يونس بن خَبَّاب، عن ابن جُبَيْر بن مُطْعِم -يعني نافع بن جبير- عن ابن عباس -وحدثنا عمر بن الخطاب- يعني السجستاني -حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنَيْسَةَ، عن يونس بن خباب- عن ابن جبير بن مطعم -عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عَوْرَتي، وآمن رَوْعَتِي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك اللهم أن أُغْتَال مِنْ تَحْتِي". تفرد به البزار وحسنه...
وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا عبادة بن مسلم الفزاري، حدثني جُبَير بن أبي سليمان ابن جبير بن مطعم، سمعت عبد الله بن عمر يقول: لم يكن رسول الله يدع هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي: "اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن رَوْعاتي، اللهم احفظني من بين يديّ ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فَوْقِي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي". قال وكيع: يعني الخسف. ورواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حِبَّان، والحاكم من حديث عبادة بن مسلم به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما كان قد أقام نفسه في ذلك بغاية الجد، فهو يفعل فيه بالوسوسة بنفسه ومن أطاعه من شياطين الجن والإنس ما يفوت الحد ويعجز القوى، أشار إليه بحرف التراخي فقال مؤكداً: {ثم لآتينهم} أي إتياناً لا بد لي منه كائناً ابتداؤه {من بين أيديهم} أي مواجهة، فأحملهم على أن يفعلوا ما يعلمون أنه خطأ، وكائناً {من خلفهم} أي مغافلة، فيعملون ما هو فاسد في غاية الفساد ولا شعور لهم بشيء من فساده حين تعاطيه فأدلهم بذلك على تعاطي مثله وهم لا يشعرون {وعن} أي ومجاوزاً للجهة التي عن {أيمانهم} إليهم {وعن} أي ومجاوزاً لما عن {شمائلهم} أي مخايلة، فيفعلونه وهو مشتبه عليهم، وهذه هي الجهات التي يمكن الإتيان منها، ولعل فائدة "عن "المفهمة للمجاوزة وصل خطى القدام والخلف ليكون إتيانه مستوعباً لجميع الجهة المحيطة، وأفهمت الجهات الأربع قدحه وتلبيسه فيما يعلمونه حق علمه وما يعلمون شيئاً منه وما هو مشتبه عليهم اشتباهاً قليلاً أو كثيراً، وهم من ترك ذكره الأعلى أنه لا قدرة له على الإتيان منه لئلا يلتبس أمره بالملائكة... ولما عزم اللعين على هذا عزماً صادقاً ورأى أسبابه ميسرة من الإنظار ونحوه، ظن أنه بما رأى لهم من الشهوات والحظوظ يظفر بأكثر حاجته، فقال عاطفاً على تقديره: فلأغوينهم وليتبعنني: {ولا تجد أكثرهم} كما هي عادة الأكثر في الخبث {شاكرين*} فأريد به الشقاء فأغرق في الحسد، ولو أريد بالشقي الخير لاستبدل بالحسد الغبطة فطلب أن يرتقي هو إلى درجاتهم العالية بالبكاء والندم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة خضوعاً لمقام الربوبية وذلاً لعظيم شأنه.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
وإنما نبهنا اللّه على ما قال وعزم على فعله، لنأخذ منه حذرنا ونستعد لعدونا، ونحترز منه بعلمنا، بالطريق التي يأتي منها، ومداخله التي ينفذ منها، فله تعالى علينا بذلك، أكمل نعمة.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وهو مشهد حي شاخص متحرك لإطباق إبليس على البشر في محاولته الدائبة لإغوائهم، فلا يعرفون الله ولا يشكرونه، اللهم إلا القليل الذي يفلت ويستجيب: (ولا تجد أكثرهم شاكرين).. ويجيء ذكر الشكر، تنسيقا مع ما سبق في مطلع السورة: (قليلاً ما تشكرون).. لبيان السبب في قلة الشكر؛ وكشف الدافع الحقيقي الخفي، من حيلولة إبليس دونه، وقعوده على الطريق إليه! ليستيقظ البشر للعدو الكامن الذي يدفعهم عن الهدى؛ وليأخذوا حذرهم حين يعرفون من أين هذه الآفة التي لا تجعل أكثرهم شاكرين!...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وكما ضُرب المثل لهيئة الحرص على الإغواء بالقعود على الطريق، كذلك مُثلت هيئة التّوسل إلى الإغواء بكلّ وسيلة بهيئة الباحث الحريص على أخذ العدوّ إذ يأتيه من كلّ جهة حتّى يصادف الجهة التي يتمكّن فيها من أخذه، فهو يأتيه من بين يديه ومِن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتّى تخور قوّة مدافعته، فالكلام تمثيل، وليس للشّيطان مسلك للإنسان إلاّ من نفسه وعقله بإلقاء الوسوسة في نفسه، وليست الجهات الأربع المذكورة في الآية بحقيقة ولكنّها مجاز تمثيلي بما هو متعارف في محاولة النّاس ومخاتلتهم، ولذلك لم يذكر في الآية الإتيان من فوقهم ومن تحتهم إذ ليس ذلك من شأن النّاس في المخاتلة ولا المهاجمة...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
... فليست هناك جهة لا أملك حرية الدخول منها إلى أفكارهم ومشاعرهم وخطواتهم العملية، وعلاقاتهم البشرية، وكل أوضاعهم العامة والخاصة، لأنهم مكشوفون لي بكل آفاقهم الداخلية والخارجية؛ فلهم غرائز يمكن إثارتها، ولهم مطامع يمكن اللعب عليها، ولهم أهواء يمكن التحرك من خلالها...
{وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} لأن أكثريتهم لا يصبرون على الحرمان والمعاناة والبعد عن الشهوات، ولا يواجهون المواقف بروح المسؤولية الجادة التي تحسب حساب النتائج الإيجابية أو السلبية، لما يقومون به من أعمال، وما يقفونه من مواقف؛ بل يسيرون على أساس مشاعر اللحظة الحاضرة التي يعيش معها الإنسان توتّر الغريزة، وسعار الشهوة، ونزق الانفعالات... وذلك من خلال نقاط الضعف،...