{ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } استثناء للشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله عز وجل ويكون أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على الله سبحانه وتعالى والحث على الطاعة والحكمة والموعظة والزهد في الدنيا والترهيب عن الركون إليها والاغترار بزخارفها والافتتان بملاذها الفانية والترغيب فيما عند الله تعالى ونشر محاسن رسوله صلى الله عليه وسلم ومدحه وذكر معجزاته ليتغلغل حبه في سويداء قلوب السامعين وتزداد رغباتهم في اتباعه ونشر مدائح آله وأصحابه وصلحاء أمته لنحو ذلك ولو وقع منهم في بعض الأوقات هجو وقع بطريق الانتصار ممن هجاهم من غير اعتداء ولا زيادة كما يشير إليه قراءة بعضهم { وانتصروا بِمِثْلِ مَا ظَلَمُواْ } ، وقيل : المراد بالمستثنين شعراء المؤمنين الذين كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكافحون هجاة المشركين ، واستدل لذلك بما أخرج عبد بن حميد . وابن أبي حاتم عن قتادة إن هذه الآية نزلت في رهط من الأنصار هاجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم كعب بن مالك ، وعبد الله بن رواحة . وحسان بن ثابت . وعن السدي نحوه ، وبما أخرج جماعة عن أبي حسن سالم البراد أنه قال : لما نزلت { والشعراء } [ الشعراء : 224 ] الآية جاء عبد الله بن رواحة . وحسان بن ثابت . وكعب بن مالك وهم يبكون فقالوا : يا رسول الله لقد أزل الله تعالى هذه الآية وهو يعلم أنا شعراء هلكنا فأنزل الله تعالى { إِلاَّ الذين ءامَنُواْ } الخ فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليهم .
وأنت تعلم أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وأخرج ابن مردويه : وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ قوله تعالى : { إِلاَّ الذين ءامَنُواْ } إلى آخر الصفات فقال : هم أبو بكر . وعمر وعلي . وعبد الله بن رواحة ولعله من باب الاقتصار على بعض ما يدل عليه اللفظ فقد جاء عنه في بعض الروايات ما يشعر بالعموم ، هذا واستدل بالآية على ذم الشعر والمبالغة في المدح والهجو وغيرهما من فنونه وجوازه في الزهد والأدب ومكارم الأخلاق وجواز الهجو لمن ظلم انتصاراً كذا قيل ، واعلم أن الشعر باب من الكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح ، وفي الحديث : «إن من الشعر لحكمة » وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر وأجاز عليه وقال عليه الصلاة والسلام لحسان رضي الله تعالى عنه : -اهجهم يعني المشركين فإن روح القدس سيعينك وفي رواية : «اهجهم وجبريل معك » وأخرج ابن سعد عن ابن بريدة أن جبريل عليه السلام أعان حساناً على مدحته النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين بيتاً ، وأخرج أحمد .
والبخاري في التاريخ . وأبو يعلى . وابن مردويه عن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه ؟ فقال : إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل ، وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وهم في سفر أين حسان بن ثابت فقال : لبيك يا رسول الله وسعديك قال : خذ فجعل ينشده ويصغي إليه حتى فرغ من نشيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لهذا أشد عليهم من وقع النبل ، ويروى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى لحسان بن ثابت منبراً في المسجد ينشد عليه الشعر . وأخرج الديلمي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعاً الشعراء الذين يموتون في الإسلام يأمرهم الله تعالى أن يقولوا شعراً يتغنى به الحور العين لأزواجهن في الجنة والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثبور في النار ، وقد أنشد كل من الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين الشعر ، وكذا كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فمن شعر أبي بكر رضي الله تعالى عنه :
أمن طيف سلمى بالبطائح الدمائث *** أرقت وأمر في العشيرة حادث
ترى من لؤى فرقة لا يصدها *** عن الكفر تذكير ولا بعث باعث
رسول أتاهم صادق فتكذبوا *** عليه وقالوا لست فينا بماكث
ولما دعوناهم إلى الحق أدبروا *** وهروا هرير المجحرات اللواهث
فكم قد مثلنا فيهم بقرابة *** وترك التقي شيء لهم غير كارث
فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم *** فما طيبات الحل مثل الخبائث
وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم *** فليس عذاب الله عنهم بلابث
ونحن أناس من ذؤابة غالب *** لنا العز منها في الفروع الأثائث
فأولى برب الراقصات عشية *** حراجيج تخدي في السريح الرثائث
كأدم ظباء حول مكة عكف *** يردن حياض البئر ذات النبائث
لئن لم يفيقوا عاجلاً من ضلالهم *** ولست إذا ءاليت يوماً بحانث
لتبتدرنهم غارة ذات مصدق *** تحرم أطهار النساء الطوامث
تغادر قتلى يعصب الطير حولهم *** ولا ترأف الكفار رأف ابن حارث
فابلغ بني سهم لديك رسالة *** وكل كفور يبتغي الشر باحث
فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكم *** فإني من أعراضكم غير شاعث
ومن شعر عمر رضي الله تعالى عنه وكان من أنقد أهل زمانه للشعر وأنفذهم فيه معرفة :
توعدني كعب ثلاثاً يعدها *** ولا شك أن القول ما قاله كعب
وما بي خوف الموت إني لميت *** ولكن خوف الذنب يتبعه الذنب
هون عليك فإن الأمور *** بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها *** ولا قاصر عنك مأمورها
ومنه وقد لبس برداً جديداً فنظر الناس إليه ، ويروى لورقة بن نوفل من أبيات :
لا شي مما ترى تبقى بشاشته *** يبقى الإله ويفنى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه *** والخلد حاوله عاد فما خلدوا
ولا سلميان إذ تجري الرياح له *** والإنس والجن فيما بينها ترد
حوض هنا لك مورود بلا كذب *** لا بد من ورده يوماً كما وردوا
ومن شعر عثمان رضي الله تعالى عنه :
غنى النفس يغني النفس حتى يكفها *** وإن عضها حتى يضر بها الفقر
ومن شعر علي كرم الله تعالى وجهه وكان مجوداً حتى قيل : إنه أشعر الخلفاء رضي الله تعالى عنهم يذكر همدان ونصرهم إياه في صفين :
ولما رأيت الخيل تزحم بالقنا *** نواصيها حمر النحور دوامي
وأعرض نقع في السماء كأنه *** عجاجة دجن ملبس بقتام
ونادى ابن هند في الكلاع وحمير *** وكندة في لخم وحي جذام
تيممت همدان الذين هم هم *** إذا ناب دهر جنتي وسهامي فجاوبني من خيل همدان عصبة
فوارس من همدان غير لئام فخاضوا لظاها واستطاروا شرارها *** وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام
فلو كنت بواباً على باب جنة *** لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقد جمعوا ما نسب إليه رضي الله تعالى عنه من الشعر في ديوان كبير ولا يصحح منه إلا اليسير ، ومن شعر ابنه الحسن رضي الله تعالى عنهما وقد خرج على أصحابه مختضباً :
نسود أعلاها وتأبى أصولها *** فليت الذي يسود منها هو الأصل
ومن شعر الحسين رضي الله تعالى عنه وقد عاتبه أخوه الحسن رضي الله تعالى عنه في امرأته :
لعمرك إنني لأحب دارا *** تحل بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جل مالي *** وليس للأئمي عند عتاب
ومن شعر فاطمة رضي الله تعالى عنها قالته يوم وفاة أبيها عليه الصلاة والسلام :
ماذا على من شم تربة أحمد *** أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت على مصائب لو أنها *** صبت على الأيام صرن لياليا
ومن شعر العباس رضي الله تعالى عنه يوم حنين يفتخر بثبوته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ألا هل أتى عرسي مكري وموقفي *** بوادي حنين والأسنة تشرع
وقولي إذا ما النفس جاشت لها قرى *** وهام تدهدي والسواعد تقطع
وكيف رددت الخيل وهي مغيرة *** بزوراء تعطي باليدين وتمنع
نصرنا رسول الله في الحرب سبعة *** وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا
ومن شعر ابنه عبد الله رضي الله تعالى عنهما :
إذا طارقات الهم ضاجعت الفتى *** وأعمل فكر الليل والليل عاجر
وباكرني في حاجة لم يجد لها *** سواي ولا من نكبة الدهر ناصر
فرجت بمالي همه من مقامه *** وزايله هم طروق مسامر
وكان له فضل علي بظنه *** بي الخير أني للذي ظن شاكر
وهلم جرا إلى حيث شئت ، وليس من بني عبد المطلب كما قيل رجالاً ولا نساء من لم يقل الشعر حاشا النبي صلى الله عليه وسلم ليكون ذلك أبلغ في أمره عليه الصلاة والسلام ، ولأجلة التابعين ومن بعدهم من أئمة الدين وفقهاء المسلمين شعر كثير أيضاً ، ومن ذلك قول الشافعي رضي الله تعالى عنه :
ومتعب العيس مرتاح إلى بلد *** والموت يطلبه في ذلك البلد
وضاحك والمنايا فوق هامته *** لو كان يعلم غيباً مات من كمد
من كان لم يؤت علماً في بقاء غد *** فما يفكر في رزق لبعد غد
والاستقصاء في هذا الباب يحتاج إلى إفراده بكتاب وفيما ذكر كفاية ، وقد مدحه أيضاً غير واحد من الأجلة فعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري مر من قبلك بتعلم الشعر فإنه يدل على معالي الأخلاق وصواب الرأي ومعرفة الأنساب ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه الشعر ميزان العقول .
وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول : إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله تعالى فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب فإن الشعر ديوان العرب ، وما أخرجه أحمد . وابن أبي شيبة عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال : بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير من أن يمتلئ شعراً " حمله الشافعي عليه الرحمة على الشعر المشتمل على الفحش ، وروى نحوه عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، فقد أخرج الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن عائشة أنه بلغها أن أبا هريرة يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيمتلئ جوف أحدكم » الحديث فقالت : رحم الله تعالى أبا هريرة إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً " من الشعر الذي هجيبت به يعني نفسه الشريفة عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك المرشدي في فتاواه نقلاً عن كتاب بستان الزاهدين ، ولا يخفى أنه يبعد الحمل المذكور التعبير بيمتلئ فإن الكثير والقليل مما فيه فحش أو هجو لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم سواء ، وما أحسن قول الماوردي : الشعر في كلام العرب مستحب ومباح ومحظور فالمستحب ما حذر من الدنيا ورغب في الآخرة وحث على مكارم الأخلاق والمباح ما سلم من فحش أو كذب والمحظور نوعان كذب وفحش وهما جرح في قائله وأما منشده فإن حكاه اضطراراً لم يكن جرحاً أو اختياراً جرح ، وتبعه على ذلك الروياني وجعل الروياني ما فيه الهجو لمسلم سواء كان بصدق أو كذب من المحظور أيضاً ، ووافقه جماعة إلا أن إثم الصادق أخف من إثم الكاذب كما قال القمولي .
وإثم الحاكي على ما قال الرافعي دون إثم المنشد ، وقال الأذرعي : ليس هذا على إطلاقه بل إذا استوى الحاكي والمنشد أما إذا أنشده ولم يذعه فأذاعه الحاكي فاثمه أشد بلا شك ، واحترز بقيد المسلم عما فيه الهجو لكافر فإن فيه تفصيلاً .
وفصل بعضهم ما فيه الهحجو لمسلم أيضاً وذلك أن كثيراً من العلماء أطلقوا جواز هجو الكافر استلالاً بأمر صلى الله عليه وسلم حساناً ونحوه بهجو المشركين ، وقال بعضهم : محل ذلك الكفار على العموم وكذا المعين الحربي ميتاً كان أو حياً حيث لم يكن له قريب معصوم يتأذى به ، وأما الذمي أو المعاهد أو الحربي الذي له قريب ذمي أو مسلم يتأذى به فلا يجوز هجوه كما قاله الأذرعي . وابن العماد . وغيرهما ؛ وقالوا : إن هجو حسان وإن كان في معين لكنه في حربي ، وعلى التنزل فهو ذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون عن القرب فضلاً عن المبحات ، وألحق الغزالي وتبعه جمع المبتدع بالحربي فيجوز هجوه ببدعته لكن لمقصد شرعي كالتحذير من حجهته ، وجوز ابن العماد هجو المرتد دون تارك الصلاة والزاني المحصن ، وما قاله في المرتد واضح لأنه كالحربي بل أقبح وفي الأخيرين محله حيث لم يتجاهر أما المتجاهر بفسقه فيجوز هجوه بمال تجاهر به فقط لجواز غيبته بذلك فقط .
وقال البلقيني : الأرجح تحريم هجو المتجاهر المذكور لا لقصد زجره لأنه قد يتوب وتبقى وصمة الشعر السائر عليه ولا كذلك الكافر إذا أسلم . ورد بأن مجاهرته بالمعصية وعدم مبالاته بالناس وكلامهم فيه صيراه غير محترم ولا مراعى فهو المهدر لحرمة نفسه بالنسبة لما تجاهر به فلم يبال ببقاء تلك الوصمة عليه .
نعم لو قيل بحرمة إنشاده بعد التوبة إذا كان يتأذى به هو أو قريبة المسلم أو الذمي أو بعد موته إذا كان يتأذى به من ذكر لم يبعد ، وذكر جماعة أن من جملة المحظور أيضاً ما فيه تشبيب بغلام ولو غير معين مع ذكر أنه يعشقه أو بامرأة أجنبية معينة وإن لم يذكرها بفحش أو بامرأة مبهمة مع ذكرها بالفحش ولم يفرقوا بين إنشاء ذلك وإنشاده ، واعتبر بعضهم التعيين في الغلام كالمرأة فلا يحرم التشبيب بمبهم .
قال الأذرعي وهو الأقرب والأول ضعيف جداً ، وقال أيضاً : يجب القطع بأنه إذا شبب بحليلته ولم يذكر سوى المحبة والشوق أو ذكر شيئاً من التشبيهات الظاهرة أنه لا يضر وكذا إذا ذكر امرأة مجهولة ولم يذكر سوءاً .
وفي الأحياء في حرمة التشبيب بنحو وصف الخدود والإصداغ وسائر أوصاف النساء نظر ، والصحيح أنه لا يحرم نظمه ولا إنشاده بصوت وغير صوت ، وعلى المستمع أن ينزله على امرأة معينة فإن نزله على حليلته جاز أو على غيرها فهو العاصي بالتنزيل ومن هذا وصفه فينبغي أن يجتنب السماع ، وذكر بعض الفضلاء أن ما يحرم إنشاؤه قد لا تحرم روايته فإن المغازي روى فيها قصائد الكفار الذين هاجوا فيها الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم ينكر ذلك أحد ، وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم إذن في الشعر الذي تقاولت به الشعراء في يومي بدر . وأحد وغيرهما إلا قصيدة ابن أبي الصلت الحائية انتهى ، قال الأذرعي : ولا شك في هذا إذا لم يكن فيه فحش ولا أذى لحي ولا ميت من المسلمين ولم تدع حاجة إليه ، وقد ذم العلماء جريراً . والفرزدق في تهاجيهما ولم يذموا من استشهد بذلك على إعراب وغيره من علم اللسان ، ويجب حمل كلام الأئمة على غير ذلك مما هو عادة أهل اللعب والبطالة وعلى إنشاد شعر شعراء العصر إذا كان إنشاؤه حراماً إذ ليس فيه إلا أذى أو وقيعة في الأحياء أو إساءة الأحياء في أمواتهم أو ذكر مساوي الأموات وغير ذلك وليس مما يحتج به في اللغة ولا غيرها فلم يبق إلا اللعب بالأعراض ، وزاد بعض حرمة شعر فيه تعريض وجعل التعريض في الهجو كالتصريح وله وجه وجيه .
وقال آخر : إن ما فيه فخر مذموم وقليله ككثيره ، والحق إن ذلك أن تضمن غرضاً شرعياً فلا بأس به ، وللسلف شعر كثير من ذلك وقد تقدم لك بعض منه ، وحمل الأكثرون الخبر السابق على ما إذا غلب عليه الشعر وملك نفسه حتى اشتغل به عن القرآن والفقه ونحوهما ولذلك ذكر الامتلاء ، والحاصل أن المذموم امتلاء القلب من الشعر بحيث لا يتسع لغيره ولا يلتفت إليه . وليس في الخبر ذم إنشائه ولا إنشاده لحاجة شرعية وإلا لوقع التعارض بينه وبين الأخبار الصحيحة الدالة على حل ذلك وهي أكثر من أن تحصى وأبعد من أن تقبل التأويل كما لا يخفى .
وما روى عن الإمام الشافعي من قوله :
ولولا الشعر بالعلماء يزري *** لكنت اليوم أشعر من لبيد
محمول على نحو ما حمل الأكثرون الخبر عليه وإلا فما قاله شعر ، وفي معناه قول شيخنا علاء الدين علي أفندي تغمده الله تعالى برحمته مخاطباً خاتمة الوزراء في الزوراء داود باشا من أبيات .
ولو لداعيه يرضي الشعر منقبة *** لقمت ما بين منشيه ومنشده
هذا وسيأتي إن شاء الله تعالى كلام يتعلق بهذا البحث أيضاً عند الكلام في قوله تعالى : { وَمَا علمناه الشعر وَمَا يَنبَغِى له } [ يس : 69 ] له ومن اللطائف أن سليمان بن عبد الملك سمع قول الفرزدق :
فبتن بجانبي مصرعات *** وبت أفض أغلاق الختام
فقال له قد وجب عليك الحد فقال يا أمير المؤمنين : قد درأ الله تعالى عني الحد بقوله سبحانه : { وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } [ الشعراء : 226 ] { وَسَيَعْلَمْ الذين ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } تهديد شديد ووعيد أكيد لما في { سيعلم } من تهويل متعلقه وفي { يَرَى الذين ظَلَمُواْ } من الإطلاق والتعميم ، وقد كان السلف الصالح يتواعظون بها ، وختم بها أبو بكر رضي الله تعالى عنه وصيته حين عهد لعمر رضي الله تعالى عنه وذلك أنه أمر عثمان رضي الله تعالى عنه أن يكتب في مرض موته حينئذ { بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويتقي فيها الفاجر ويصدق فيها الكاذب إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه وأن يجر ويبدل فلا علم فلا علم لي بالغيب والخير أردت ولكل امرئ ما اكتسب { وَسَيَعْلَمْ الذين ظَلَمُواْ أَيَ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } ، وتفسير الظلم بالكفر وإن كان شائعاً في عدة مواضع من القرآن الكريم إلا أن الأنسب على ما قيل هنا الإطلاق لمكان قوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } وقال الطيبي : سياق الآية بعد ذكر المشركين الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لقى منهم من الشدائد كما مر من أول السورة يؤيد تفير الظلم بالكفر .
وروى محيي السنة الذين ظلموا أشركوا وهجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقرأ ابن عباس . وابن أرقم عن الحسن { أَيُّ } بالفاء والتاء والتاء الفوقية من الانفلات بعنى النجاة ، والمعنى إن الظالمين يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله تعالى وسيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات { مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ } هنا معلقة وأي استفهام مضاف إلى { مُنقَلَبٍ } والناصب له { يَنقَلِبُونَ } ، والجملة سادة مسد المفعولين كذا في «البحر » .
/ وقال أبو البقاء : أي منقلب مصدر نعت لمصدر محذوف والعامل { يَنقَلِبُونَ } أي ينقلبون انقلاباً أي منقلب ولا يعمل فيه يعلم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله : وتعقب بأنه تخليط لأن أياً إذا وصف بها لم تكن استفهاماً . وقد صرحوا بأن الموصوف بها قسيم الاستفهامية ، وتحقيق انقسام أي يطلب من كتب النحو والله تعالى أعلم .
ولما وصف الشعراء بما وصفهم به ، استثنى منهم من آمن بالله ورسوله ، وعمل صالحا ، وأكثر من ذكر الله ، وانتصر من أعدائه المشركين من بعد ما ظلموهم .
فصار شعرهم من أعمالهم الصالحة ، وآثار إيمانهم ، لاشتماله على مدح أهل الإيمان ، والانتصار من أهل الشرك والكفر ، والذب عن دين الله ، وتبيين العلوم النافعة ، والحث على الأخلاق الفاضلة فقال : { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } ينقلبون إلى موقف وحساب ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، إلا أحصاها ، ولا حقا إلا استوفاه . والحمد لله رب العالمين .
قوله تعالى : { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } أي يكذبون في شعرهم ، يقولون : فعلنا وفعلنا ، وهم كذبة .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنبأنا أبو القاسم البغوي ، حدثنا علي بن المجعد ، أنبأنا شعبة عن الأعمش ، عن ذكوان ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعراً " . ثم استثنى شعراء المسلمين الذين كانوا يجيبون شعراء الجاهلية ، ويهجون الكفار ، وينافحون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه منهم : حسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك ، فقال :
قوله تعالى : { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنبأنا أبو الحسين علي بن عبد الله بن بشران ، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن أبيه ، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل " .
أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني ، أنبأنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ، أنبأنا الهيثم بن كليب ، أنبأنا أبو عيسى الترمذي ، حدثنا إسحاق بن منصور ، أنبأنا عبد الرزاق ، أنبأنا جعفر بن سليمان ، حدثنا ثابت ، عن أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه ويقول :
خلوا بني الكفار عن سبيله *** اليوم نضربكم على تنزيله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله *** ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر : يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول الشعر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : خل عنه يا عمر ، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا شعبة ، أخبرني عدي أنه سمع البراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان : " اهجهم أو هاجهم وجبريل معك " .
أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني ، أنبأنا أبو القاسم الخزاعي ، أنبأنا الهيثم بن كليب ، حدثنا أبو عيسى ، حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري وعلي بن حجر المعنى واحد قالا : حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان بن ثابت منبراً في المسجد يقوم عليه قائماً يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يؤيد حسان بروح القدس ، ما ينافح أو يفاخر عن رسول الله " .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنبأنا عبد الغافر بن محمد ، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث ، حدثني أبي عن جدي ، حدثنا خالد بن زيد ، حدثني سعيد بن أبي هلال عن عمارة بن غزية ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اهجوا قريشاً فإنه أشد عليهم من رشق النبل ، فأرسل إلى ابن رواحة فقال : أهجهم ، فهجاهم فلم يرض ، فأرسل إلى كعب بن مالك ، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت ، فلما دخل عليه قال حسان : قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه ، فجعل يحركه ، فقال : والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تعجل ، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها ، وإن لي فيهم نسباً حتى يخلص لك نسبي ، فأتاه حسان ثم رجع ، فقال : يا رسول الله قد خلص لي نسبك ، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين . قالت عائشة : فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان : إن روح القدس لا يزال يؤيدك ، ما نافحت عن الله ورسوله ، وقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : هجاهم حسان فشفى واشتفى " قال حسان :
هجوت محمداً فأجبت عنه *** وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمداً براً حنيفاً *** رسول الله شيمته الوفاء
فإن أبي ووالدتي وعرضي *** لعرض محمد منكم وقاء
فمن يهجو رسول الله منكم *** ويمدحه وينصره سواء
وجبريل رسول الله فينا *** وروح القدس ليس له كفاء
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد ابن إسماعيل ، حدثنا أبو اليمان ، أنبأنا شعيب عن الزهري ، أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن أن مروان بن الحكم أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره أن أبي بن كعب أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن من الشعر لحكمة " . قالت عائشة رضي الله عنها : الشعر كلام ، فمنه حسن ، ومنه قبيح ، فخذ الحسن ودع القبيح .
وقال الشعبي : كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يقول الشعر ، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول الشعر ، وكان علي رضي الله تعالى عنه أشعر الثلاثة . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده ، فروي أنه دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي فاستنشده القصيدة التي قالها فقال :
أمن آل نعمى أنت غاد فمبكر *** غداة غد أم رائح فمهجر
فأنشده ابن أبي ربيعة القصيدة إلى آخرها ، وهي قريبة من سبعين بيتاً ، ثم إن ابن عباس أعاد القصيدة جميعها ، وكان حفظها بمرة واحدة . { وذكروا الله كثيراً } أي : لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله ، { وانتصروا من بعد ما ظلموا } قال مقاتل : انتصروا من المشركين ، لأنهم بدؤوا بالهجاء . ثم أوعد شعراء المشركين فقال : { وسيعلم الذين ظلموا } أشركوا وهجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم { أي منقلب ينقلبون } أي مرجع يرجعون بعد الموت . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إلى جهنم والسعير . والله أعلم .