{ وَجَاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } أي ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب : هو الكذب بعينه والزور بذاته ، ومن ذلك ما في قوله :
أفيضوا على عزابكم من بناتكم *** فما في كتاب الله أن يحرم الفضل
وفيهن فضل قد عرفنا مكانه *** فهن به { جود } وأنتم به { مَن بَخِلَ }
> وبعضهم يؤوّل كذب بمكذوب فيه فإن المصدر قد يؤوّل بمثل ذلك ، وقرأ زيد بن على رضي الله عنهماكذباً بالنصب وخرج على أنه في موضع الحال من فاعل { جَاءوا } بتأويل كاذبين ، وقيل : من دم على تأويل مكذوباً فيه ، وفيه أن الحال من النكرة على خلاف القياس ، وجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي جاءوا بذلك لأجل الكذب ، وقرأت عائشة رضي الله تعالى عنها والحسن كدب بالدال المهملة وليس من قلب الذال دالاً بل هو لغة أخرى بمعنى كدر أو طرى أو يابس فهو من الاضداد ، وقال صاحب اللوامح : المعنى ذي كدب أي أثر لأن الكدب بياض يخرج في أظافير الشبان ويؤثر فيها فهو كالنقش ويسمى ذلك الفوق ولم يعتبر بعض المحققين تقدير المضاف وجعل ذلك من التشبيه البليغ أو الاستعارة فإن الدم في القميص يشبه الكدب من جهة مخالفة لونه لون ما هو فيه ، وقوله سبحانه : { على قَمِيصِهِ } على ما ذهب إليه أبو البقاء حال من دم ، وفي جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف غير الزائد خلاف ، والحق كما قال السفاقسي : الجواز لكثرة ذلك في كلامهم ، وفي اللباب ولا تتقدم على صاحبها المجرور على الأصح نحو مررت جالسة بهند إلا أن يكون الحال ظرفاً على أن الحق ما اختاره ابن مالك من جواز التقديم مطلقاً ، وقال الزمخشري . ومن تبعه : إنه في موضع النصب على الظرفية أي جاءوا فوق قميصه كما تقول : جاء على جماله بأحمال ، وأراد على ما في الكشف أن { على } على حقيقة الاستعلاء وهو ظرف لغو ، ومنع في البحر كون العامل فيه المجيء لأنه يقتضي أن الفوقية ظرف للجائين ، وأجيب بأن الظرفية ليست باعتبار الفاعل بل باعتبار المفعول .
وفي بعض الحواشي أن الأولى أن يقال : جاءوا مستولين على قميصه ، وقوله سبحانه : { بِدَمٍ } حال من القميص ، وجعل المعنى استولوا على القميص ملتبساً بدم جائين ، وهو على ما قيل : أولى من جاءوا مستولين لما تقرر في التضمين ، والأمر في ذلك سهل فإن جعل المضمن أصلاً والمذكور حالا وبالعكس كل منهما جائز وإذا اقتضى المقام أحدهما رجح ، واستظهر كونه ظرفاً للمجيء المتعدي ، والمعنى أتوا بدم كذب فوق قميصه ولا يخفي استقامته ، هذا ثم إن ذلك الدم كان دم سخلة ذبحوها ولطخوا بدمها القميص كما روي عن ابن عباس .
وأخرج ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن قتادة أنهم أخذوا ظبياً فذبحوه فلظخوا بدمه القميص ، ولما جاءوا به جعل يقلبه فيقول : ما أرى به أثر ناب ولا ظفر إن هذا السبع رحيم ، وفي رواية أنه أخذ القميص وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص ، وقال : تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمرق عليه قميصه ، وجاء أنه بكى وصاح وخر مغشياً عليه فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك ومادوه فلم يجب ووضع يهوذا يده على مخارج نفسه فلم يحس بنفس ولا تحرك له عرق ، فقال : ويل لنا من ديان يوم الدين ضيعنا أخانا وقتلنا أبانا فلم يفق إلا ببرد السحر { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ } أي زينت وسهلت { أمْراً } من الأمور منكراً لا يوصف ولا يعرف ، وأصل التسويل تقدير شيء في النفس مع الطمع في إتمامه .
وقال الراغب : هو تزيين النفس لما تحرص عليه وتصوير القبيح بصورة الحسن .
وقال الأزهري : كأن التسويب تفعيل من سوال الإنسان وهو أمنيته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره وأصله مهموز ، وقيل : من البسول بفتحتين وهو استرخاء في العصب ونحوه كأن المسول لمزيد حرصه استرخى عصبه ، وفي الكلام حذف على ما في البحر أي لم يأكله الذئب { بَلْ سَوَّلَتْ } الخ ، وعلمه عليه السلام بكذبهم قيل : حصل من سلامة القميص عن التمزيق وهي إحدى ثلاثة آيات في القميص : ثانيتها عود يعقوب بصيراً بالقائه على وجهه ، وثالثتها قده من دبر فانه كان دليلاً على براءة يوسف ، وينضم إلى ذلك وقوفه بالرؤيا الدالة على بلوغه مرتبة علياء تنحط عنها الكواكب ، وقيل : من تناقضهم فانه يروى أنه عليه السلام لما قال : ما تقدم عن قتادة قال بعضهم : بل قتله اللصوص فقال : كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله ؟ا ولعله مع هذا العلم إنما حزن عليه السلام لما خشى عليه من المكروه والشدائد غير الموت ، وقيل : إنما حزن لفراقه وفراق الأحبة مما لا يطاق ، ولذلك قيل :
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت *** لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
ولا بأس بأن يقال : إنه أحزنه فراقه وخوف أن يناله مكروه { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } أي فأمرى صبر جميل ، أو فصبري صبر جميل كما قال قطرب ، أو فالذي أفعله ذلك كما قال الخليل . أو فهو صبر الخ كما قال الفراء ، وصبر في كل ذلك خبر مبتدأ محذوف . أو فصبر جميل أمثل وأجمل على أنه مبتدأ خبره محذوف ، وهل الحذف في مثل ذلك واجب . أو جائز ؟ فيه خلاف ، وكذا اختلفوا فيما إذا صح في كلام واحد اعتبار حذف المبتدأ وإبقاء الخبر واعتبار العكس هل الاعتبار الأول أولى أم الثاني ؟ .
وقرأ أبي . والأشهب . وعيسى بن عمر فصبراً جميلاً بنصبهما وكذا في مصحف أنس بن مالك ، وروي ذلك عن الكسائي ، وخرج على أن التقدير فاصبر صبراً على أن اصبر مضارع مسند لضمير المتكلم ، وتعقب بأنه لا يحسن النصب في مثل ذلك إلا مع الأمر ، والتزم بعضهم تقديره هنا بأن يكون عليه السلام قد رجع إلى مخاطبة نفسه فقال : صبراً جميلاً على معنى فاصبري يا نفس صبراً جميلاً ، والصبر الجميل على ما روي الحسن عنه صلى الله عليه وسلم ما لا شكوى فيه أي إلى الخلق وإلا فقد قال يعقوب عليه السلام : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله } [ يوسف : 86 ] ، وقيل : إنه عليه السلام سقط حاجباه على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فسئل عن سبب ذلك فقال : طول الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله تعالى إليه أتشكو إلى غيري ، فقال يا رب خطيئة فاغفرها .
وقيل : المراد من قوله : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } أني اتجمل لكم في صبري فلا أعاشركم على كآبة الوجه وعبوس الجبين بل أبقى على ما كنت عليه معكم وهو خلاف الظاهر جداً { والله المستعان } أي المطلوب منه العون وهو إنشاء منه عليه السلام للاستعانة المستمرة { على مَا تَصِفُونَ } متعلق بالمستعان والوصف ذكر الشيء بنعمته وهو قد يكون صدقاً وقد يكون كذباً ، والمراد به هنا الثاني كما في قوله سبحانه : { سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ } [ الصافات : 180 ] بل قيل : إن الصيغة قد غلبت في ذلك ومعنى استعانته عليه السلام بالله تعالى على كذبهم طلبه منه سبحانه إظهار كونه كذباً بسلامة بوسف عليه السلام والاجتماع معه فيكون ذكر الاستعانة هنا نظير { عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } [ يوسف : 83 ] بعد قوله فيما بعد : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } ، وفي بعض الآثار أن عائشة رضي الله عنها قالت يوم الإفك : والله لئن حلفت لا تصدقوني ولئن اعتذرت لا تعذروني فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده والله المستعان على ما تصفون فأنزل الله تعالى في عذرها ما أنزل ، وقيل : المراد إنه تعالى المستعان على احتمال ما تصفونه من هلاك يوسف كأنه عليه السلام بعد أن قال : صبر جميل طلب الإعانة منه تعالى على الصبر وذلك لأن الدواعي النفسانية تدعو إلى إظهار الجزع وهي قوية والدواعي الروحانية الصبر الجميل فكأنه وقعت المحاربة بين الصفتين فما لم تحصل المعونة منه جل وعلا لا تحصل الغلبة ، فقوله : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } يجرى مجرى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } [ الفاتحة : 5 ] { والله المستعان على مَا تَصِفُونَ } * يَجْرِى مجرى { وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ الفاتحة : 5 ] ولعل الأول أسلم من القال والقيل ، وللإمام الرازي عليه الرحمة في هذا المقام بحث ، وهو : أن الصبر على قضاء الله تعالى واجب وأما الصبر على ظلم الظالمين ومكر الماكرين فغير واجب بل الواجب إزالته لاسيما في الضرر العائد إلى الغير فكان اللائق بيعقوب عليه السلام التفتيش والسعى في تخليص يوسف عليه السلام من البلية والشدة إن كان حياً ، وفي إقامة القصاص إن صح أنهم قتلوه بل قد يقال : إن الواجب المتعين عليه السعي في طلبه وتخليصه لأن الظاهر أنه كان عالماً بأنه حي سليم لقوله :
{ وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الاحاديث } [ يوسف : 6 ] فإن الظاهر أنه إنما قاله عن وحي ، وأيضاً إنه عليه السلام كان عظيم القدر جليل الشأن معظماً في النفوس مشهوراً في الآفاق فلو بالغ في الطلب والتفحص لظهر ذلك واشتهر ولزال وجه التلبيس فما السبب في تركه عليه السلام الفحص مع نهاية رغبته في حضور يوسف وغاية محبته له ، وهل الصبر في هذا المقام إلا مذموم عقلاً وشرعاً ؟ ثم قال : والجواب أن نقول : لا جواب عن ذلك إلا أن يقال : إنه سبحانه وتعالى منعه عن الطلب تشديداً للمحنة وتغليظاً للأمر ، وأيضاً لعله عرف بقرائن الأحوال أن أولاده أقوياء وأنهم لا يمكنونه من الطلب والتفحص وأنه لو بالغ في البحث ربما أقدموا على إيذائه وقتله ، وأيضاً لعله عليه السلام علم أن الله تعالى يصون يوسف عن البلاء والمحنة وأن أمره سيعظم بالآخرة ثم لم يرد هتك ستر أولاده وما رضي بإلقائهم في ألسنة الناس ، وذلك لأن أحد الولدين إذا طلم الآخر وقع الأب في العذاب الشديد لأنه إن لم ينتقم يحترق قلبه على الولد المظلوم وإن أنتقم يحترق على الولد الذي ينتقم منه ، ونظير ذلك ما أشار إليه الشاعر بقوله :
قومي هم قتلوا أميم أخي *** فإذا رميت يصيبني سهمي
ولئن عفوت لأعفون جللا *** ولئن سطوت لموهن عظمي
فلما وقع يعقوب عليه السلام في هذه البلية رأى أن الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى لا سيما إن قلنا : إنه عليه السلام كان عالماً بأن ما وقع لا يمكن تلافيه حتى يبلغ الكتاب أجله .
( ومن باب الإشارة ) :{ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } [ يوسف : 18 ] وهو السكون إلى موارد القضاء سراً وعلناً ، وقال يحيى بن معاذ : الصبر الجميل أن يتلقى البلاء بقلب رحيب ووجه مستبشر ، وقال الترمذي : هو أن يلقي العبد عنانه إلى مولاه ويسلم إليه نفسه مع حقيقة المعرفة فإذا جاء حكم من أحكامه ثبت له مسلماً ولا يظهر لوروده جزعاً ولا يرى لذلك مغتماً ، وأنشد الشبلي في حقيقة الصبر :
ولكن عدم تصديقك إيانا ، لا يمنعنا أن نعتذر بالعذر الحقيقي ، وكل هذا ، تأكيد لعذرهم . { وَ } مما أكدوا به قولهم ، أنهم { جَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } زعموا أنه دم يوسف حين أكله الذئب ، فلم يصدقهم أبوهم بذلك ، و { قَالَ } { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا } أي : زينت لكم أنفسكم أمرا قبيحا في التفريق بيني وبينه ، لأنه رأى من القرائن والأحوال [ ومن رؤيا يوسف التي قصَّها عليه ]{[442]} ما دلّه على ما قال .
{ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } أي : أما أنا فوظيفتي سأحرص على القيام بها ، وهي أني أصبر على هذه المحنة صبرا جميلا سالما من السخط والتَّشكِّي إلى الخلق ، وأستعين الله على ذلك ، لا على حولي وقوتي ، فوعد من نفسه هذا الأمر وشكى إلى خالقه في قوله : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } لأن الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر الجميل ، لأن النبي إذا وعد وفى .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وجاءوا على قميصه}، يعني: على قميص يوسف، {بدم كذب}، وذلك أنهم حين ألقوه في البئر انتزعوا ثيابه، وهو قميصه، ثم عمدوا إلى سخلة فذبحوها على القميص ليروا أباهم يعقوب، فلما رأى أبوهم القميص صحيحا اتهمهم، وكان لبيبا عاقلا، فقال: ما أحلم هذا السبع حين خلع القميص كراهية أن يتمزق، ثم بكى، ف {قال بل سولت}، يقول: بل زينت، {لكم أنفسكم أمرا}، وكان الذي أردتم هو منكم، {فصبر جميل}، يعني: صبري صبرا حسنا لا جزع فيه، {والله المستعان على ما تصفون}، يقول: بالله أستعين على ما تقولون حين تزعمون أن الذئب أكله، فبكى عليه يعقوب، عليه السلام...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
{وَجاءُوا على قَمِيصَهِ بِدَمٍ كَذِبٍ}، وسماه الله كذبا؛ لأن الذين جاءوا بالقميص وهو فيه كذبوا، فقالوا ليعقوب: هو دم يوسف، ولم يكن دمه، وإنما كان دم سخلة فيما قيل.
والوجه ا لآخر: وهو أن يقال: هو مصدر، بمعنى: مفعول، وتأويله: وجاءوا على قميصه بدم مكذوب، كما يقال: ما له عقل ولا معقول، ولا له جلد ولا له مجلود. والعرب تفعل ذلك كثيرا.
{قالَ بَلْ سَوّلَتْ لَكُمْ أنْفُسُكُمْ أمْرا}، يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لبنيه الذين أخبروه أن الذئب أكل يوسف مكذّبا لهم في خبرهم ذلك: ما الأمر كما تقولون، {بَلْ سَوّلَتْ لَكُمْ أنْفُسُكُمْ أمْرا}، يقول: بل زينت لكم أنفسكم أمرا في يوسف، وحسنته، ففعلتموه.
{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}، يقول: فصبري على ما فعلتم بي في أمر يوسف صبر جميل، أو فهو صبر جميل.
{وَاللّهُ المسْتَعانُ على ما تَصِفُونَ} يقول: واللّهَ أستعين على كفايتي شرّ ما تصفون من الكذب. وقيل: إن الصبر الجميل: هو الصبر الذي لا جزع فيه... قوله: {فصبر جميل}، قال: صبر لا شكوى فيه... عن قتادة: {والله المستعان على ما تصفون}، أي: على ما تكذبون.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
والتسويل هو التزيين في اللغة. وتأويله، والله أعلم: أي زينت لكم أنفسكم، ودعتكم إلى أمر تفصلون وتفرقون بيني وبين ابني...
{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً} يدل على أن يعقوب عليه السلام قطع بخيانتهم وظلمهم وأن يوسف لم يأكله الذئب لما استدلّ عليه من صحة القميص من غير تخريق، وهذا يدل على أن الحكم بما يظهر من العلامة في مثله في التكذيب أو التصديق جائز؛ لأنه عليه السلام قطع بأن الذئب لم يأكله بظهور علامة كذبهم...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
لم يُؤثِّرْ تزويرُ قَالَبِهم في إيجاب تصديق يعقوب -عليه السلام- لكذبهم، بل أخبره قلبُه أَنَّ الأمرَ بخلاف ما يقولونه فقال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرَاً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}. فَعلم على الجملة وإنْ لم يعلمْ على التفضيل... وهكذا تقرع قلوبَ الصديقين عواقبُ الأمور على وجه الإجمال، إلى أنْ تَتَّضحَ لهم تفاصيلُها في المستأنف...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{بِدَمٍ كَذِبٍ} ذي كذب. أو وصف بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب وعينه، كما يقال للكذاب: هو الكذب بعينه والزور بذاته. {سَوَّلَتْ}: سهلت من السول وهو الاسترخاء، أي: سهلت {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا} عظيماً ارتكبتموه من يوسف وهوّنته في أعينكم: استدل على فعلهم به بما كان يعرف من حسدهم وبسلامة القميص. أو أُوحي إليه بأنهم قصدوه...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما علموا أنه لا يصدقهم من وجوه منها ما هو عليه من صحة الفراسة لنور القلب وقوة الحدس، ومنها أن الكذب في نفسه لا يخلو عن دليل على بطلانه، ومنها أن المرتاب يكاد يعرب عن نفسه، اعملوا الحيلة في التأكيد بما يقرب قولهم. فقال تعالى حاكياً عنهم: {وجاؤوا على قميصه} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {بدم كذب} أي مكذوب، أطلق عليه المصدر مبالغة لأنه غير مطابق للواقع، لأنهم ادعوا أنه دم يوسف عليه الصلاة والسلام والواقع أنه دم سخلة ذبحوها ولطخوه بدمها -روي أن يعقوب عليه الصلاة والسلام أخذ القميص منهم وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق قميصه، وكان في القميص ثلاث آيات: دلالته على كذبهم، ودلالته على صدق يوسف عليه الصلاة والسلام في قده من دبر، وعود البصر إلى أبيه به، فكأنه قيل: هل صدقهم؟ فقيل: لا! لأن العادة جرت في مثله أنه لا يأكله كله، فلا بد من أن يبقى منه شيء يعرف معه أنه هو، ولو كان كذلك لأتوا به تبرئة لساحتهم وليدفنوه في جبانتهم مع بقية أسلافهم، وقد كان قادراً على مطالبتهم بذلك، ولكنه علم أنهم ما قالوا ذلك إلا بعد عزم صادق على أمور لا تطاق، فخاف من أن يفتح البحث من الشرور أكثر مما جاؤوا به من المحذور، بدليل قوله بعد ذلك {فتحسسوا من يوسف وأخيه} [يوسف:87] ونحو ذلك، فكأنه قيل: فما ذا قال؟ فقيل: {قال بل} أي لم يأكله الذئب، بل {سولت} أي زينت وسهلت، من السول وهو الاسترخاء {لكم أنفسكم أمراً} أي عظيماً أبعدتم به يوسف {فصبر} أي فتسبب عن ذلك الفادح العظيم أنه يكون صبر {جميل} منى، وهو الذي لا شكوى معه للخلق {والله} أي المحيط علماً وقدرة {المستعان} أي المطلوب منه العون {على} احتمال {ما تصفون} من هلاك يوسف عليه الصلاة والسلام،
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{وجاءوا على قميصه بدم كذب} المراد من هذه الجملة الفذة في بلاغتها أنهم جاؤوا بقميصه ملطخا ظاهره بدم غير دم يوسف يدعون أنه دمه ليشهد لهم بصدقهم فكان دليلا على كذبهم، فنكر الدم ووصفه باسم الكذب مبالغة في ظهور كذبهم في دعوى أنه دمه حتى كأنه هو الكذب بعينه، فالعرب تضع المصدر موضع الصفة للمبالغة كما يقولون شاهد عدل، ومنه فهن به جود وأنتم به بخل. وقال "على قميصه "ليصور للقارئ والسامع أنه موضوع على ظاهره وضعا متكلفا ولو كان من أثر افتراس الذئب له لكان القميص ممزقا والدم متغلغلا في كل قطعة منه، ولهذا كله لم يصدقهم. {قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا} هذا إضراب عن تكذيب صريح تقديره: إن الذئب لم يأكله بل سهلت لكم الأمارة بالسوء أمرا إمرا، وكيدا نكرا، وزينته في قلوبكم فطوعته لكم حتى اقترفتموه، أي هذا أمركم وأما أمري معكم ومع ربي {فصبر جميل} أو فصبري صبر جميل لا يشوه جماله جزع اليائسين من روح الله، القانطين من رحمة الله، ولا الشكوى إلى غير الله {والله المستعان على ما تصفون} من هذه المصيبة لا أستعين على احتمالها غيره أحدا منكم ولا من غيركم...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وأدرك يعقوب من دلائل الحال، ومن نداء قلبه، أن يوسف لم يأكله الذئب، وأنهم دبروا له مكيدة ما. وأنهم يلفقون له قصة لم تقع، ويصفون له حالا لم تكن، فواجههم بأن نفوسهم قد حسنت لهم أمرا منكرا وذللته ويسرت لهم ارتكابه؛ وأنه سيصبر متحملا متجملا لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو، مستعينا بالله على ما يلفقونه من حيل وأكاذيب...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا} و {سولت} معناها سهلت، وزينت لكم أمرا خطيرا شديد الخطورة، فالتنكير في {أمرا} لبيان شدته، وبلوغ أقصى قوته، ثم قال: {فصبر جميل} والصبر الجميل هو الذي يليق بمقام النبوة، والصبر الجميل هو الصبر من غير أنين ولا شكوى، مع الرضا بقدر الله تعالى، وما كتبه الله ورجاء كشف البلاء، ولذلك ما يئس قط من أن يعود إليه ابنه وحبيبه، ولو ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم. وهو في صبره المرير يتجه إلى الله تعالى ويقول: {والله المستعان على ما تصفون} أي لا يستعان إلا وحده في الصبر على ما يصفون من قول، ولم يقل على ما وقع، بل قال على ما وصفتم، للإحساس بأن ما وصفوا غير ما وقع. والصبر الجميل، لا يمنع الألم المرير، بل إنه لا صبر إلا إذا كان الألم الشديد، ولكن لا يجزع، ولا يفرط منه ما يدل على عدم الرضا بما قدره الله تعالى وكان...