روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ} (18)

{ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الازفة } يوم القيامة كما قال مجاهد . وقتادة . وابن زيد ، ومعنى { الازفة } القريبة يقال : أزف الشخوص إذا قرب وضاق وقته ، فهي في الأصل اسم فاعل ثم نقلت منه وجعلت اسماً للقيامة لقربها بالإضافة لما مضى من مدة الدنيا أو لما بقي فإن كل آت قريب ، ويجوز أن تكون باقية على الأصل فتكون صفة لمحذوف أي الساعة الآزفة ، وقدر بعضهم الموصوفة الخطة بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة وهي القصة والأمر العظيم الذي يستحق أن يخط ويكتب لغرابته ، ويراد بذلك ما يقع يوم القيامة من الأمور الصعبة وقربها لأن كل آت قريب ، والمراد باليوم الوقت مطلقاً أو هو يوم القيامة ، وقال أبو مسلم : { يَوْمَ الازفة } يوم المنية وحضور الأجل .

ورجح بأنه أبعد عن التكرار وأنسب بما بعده ووصف القرب فيه أظهر { إِذِ القلوب لَدَى الحناجر } بدل من { يَوْمَ الازفة } و { الحناجر } جمع حنجرة أو حنجور كحلقوم لفظاً ومعنى ؛ وهي كما قال الراغب : رأس الغلصمة من خارج وهي لحمة بين الرأس والعنق ، والكلام كناية عن شدة الخوف أو فرط التألم ، وجوز أن يكون على حقيقته وتبلغ قلوب الكفار حناجرهم يوم القيامة ولا يموتون كما لو كان ذلك في الدنيا .

{ كاظمين } حال من أصحاب القلوب على المعنى فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها فهو من باب { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا } [ الحجر : 47 ] فكأنه قيل : إذ قلوبهم لدى الحناجر كاظمين عليها ، وهو من كظم القربة إذا ملأها وسد فاها ، فالمعنى ممسكين أنفسهم على قلوبهم لئلا تخرج مع النفس فإن كاظم القربة كاظم على الماء ممسكها علية لئلا يخرج امتلاء . وفيه مبالغة عظيمة ، وجوز كونه حالاً من ضمير { القلوب } المستتر في الخبر أعني { لَدَى الحناجر } وعلى رأي من يجوز مجيء الحال من المبتدأ كونه حالاً من { القلوب } نفسها .

وجمع جمع العقلاء لتنزيلها منزلتهم لوصفها بصفتهم كما في قوله تعالى : { فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين } [ الشعراء : 4 ] والمعنى حال كون القلوب كاظمة على الغم والكرب ، ومنه يعلم أنه لا يجوز أن يكون { لَدَى الحناجر } ظرف { كاظمين } لفساد المعنى والحاجة إلى تقدير محذوف مع الغنى عنه ، وكذلك على قراءة { كاظمون } للأول فقط فيتعين كون { القلوب لَدَى الحناجر } خبراً و { كاظمون } خبراً آخر وبذلك يترجح كون الحال من القلوب ، وقدر الكواشي هم كاظمون ليوافق وجه الحالية من الأصحاب » وجوز كونه حالاً من مفعول { وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ } أي أنذرهم مقدراً كظمهم أو مشارفين الكظم .

{ مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ } أي قريب مشفق من احتم فلان لفلان احتد فكأنه الذي يحتد حماية لذويه ويقال لخاصة الرجل حامته ومن هنا فسر الحميم بالصديق { وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } أي ولا شفيع يشفع فالجملة في محل جر أو رفع صفة { شَفِيعٍ } والمراد نفي الصفة والموصوف لا الصفة فقط ليدل على أن ثم شفيعاً لكن لا يطاع فالكلام من باب :

لا ترى الضب بها ينجحر *** ولم يقتصر على نفع الشفيع بل ضم إليه ما ضم ليقام انتفاء الموصوف مقام الشاهد على انتفاء الصفة فيكون ذلك الضم إزالة لتوهم وجود الموصوف حيث جعل انتفاؤه أمراً مسلماً مشهوراً لا نزاع فيه لأن الدليل ينبغي أن يكون أوضح من المدلول ، وهذا كما تقول لمن عاتبك على القعود عن الغزو مالي فرس أركبه وما معي سلاح أحارب به فليفهم ، والضمائر المذكورة من قوله تعالى : { وَأَنذِرْهُمْ } إلى هنا إن كانت للكفار كما هو الظاهر فوضع الظالمين موضع ضميرهم للتسجيل عليهمب الظلم وتعليل الحكم ، وإن كانت عامة لهم ولغيرهمف ليس هذا من باب وضع الظاهر موضع الضمير وإنما هو بيان حكم للظالمين بخصوصهم ، والمراد بهم الكاملون في الظلم وهم الكافرون لقوله تعالى : { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] .

ومن باب الإشارة : { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الازفة إِذِ القلوب لَدَى الحناجر كاظمين } [ غافر : 18 ] هذه قيامة العوام المؤجلة ويشير إلى قيامة الخواص المعجلة لهم ، فقد قيل : إن لهم في كل نفس قيامة من العتاب والعقاب والثواب والبعاد والاقتراب وما لم يكن لهم في حساب ، وخفقان القلب ينطق والنحول يخبر واللون يفصح والمشوق يستر ولكن البلاء يظهر ، وإذا أزف فناء الصفات بلغت القلوب الحناجر وشهدت العيون بما تخفي الضمائر

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ} (18)

ثم يوجه الله - تعالى أمره إلى النبى صلى الله عليه وسلم بأن يحذر كفار قريش من أهوال هذا اليوم فيقول : { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزفة إِذِ القلوب لَدَى الحناجر كَاظِمِينَ . . } .

والآزفة : القيامة . وأصل معنى الأزفة : القريبة ، وسميت القيامة بذلك لقربها ، يقال : أزف - بزنة فرح - يوم الرحيل : إذا دنا وقرب .

والحناجر : جمع حنجرة وهى الحلقوم .

وكاظمين : حال من أصحاب القلوب على المعنى . فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها .

وأصل الكظم : الحبس والإِمساك للشئ . يقال : كظم القربة إذا ملأها بالماء ، وسد فاها ، حتى لا يخرج منها شئ من الماء .

والمعنى : وأنذر - أيها الرسول الكريم - الناس ، وحذرهم من أهوال يوم عظيم قريب الوقوع ، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم . ومتشبثة بحناجرهم ، ويكونون كاظمين عليها وممسكين بها حتى لا يخرج مع أنفساهم . كما يمسك صاحب القربة فمها لكى لا يتسرب منها الماء .

فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس فى هذا اليوم من فزع شديد ، وكرب عظيم . وخوف ليس بعده خوف .

والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : { اقتربت الساعة وانشق القمر . . } وقوله - سبحانه - { اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } والظاهر أن قوله هنا { يَوْمَ الأزفة } هو المفعول الثانى للإِنذار ليس ظرفا له . لأن الإِنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع فى دار الدنيا .

وقوله : { إِذِ القلوب } بدل من يوم الآزفة .

قال صاحب الكشاف : فإن قلت " كاظمين " بم انتصب ؟ قلت : هو حال من أصحاب القلوب على المعنى ، لأن المعنى : إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها . ويجوز أن يكون حالا من القلوب ، وأن القلوب ، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر .

وإنما جُمِع السلامة ، لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء ، كما قال - تعالى - : { والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ . . . } وقوله - تعالى - : { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } نفى لكون هؤلاء الظالمين يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم .

والحميم : هو الإِنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك ، ومنه قيل لخاصة الرجل : حَامَّتهُ .

والشفيع : من الشفع ، بمعنى الانضمام ، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه .

أى : ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم ، ولا شفيع يطيعهم فى الشفاعة لهم ، لأنهم فى هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم ، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم .

فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم ، والشفيع الذى يشفع لهم ، والإِنسان الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ} (18)

قوله : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ } { يَومَ } مفعول به ، أو ظرف . و { الْآَزِفَةِ } بمعنى القريبة من أزف الشيء أي قرب{[4012]} والمراد بالآزفة : القيامة ، سميت بذلك لقربها . وأزفت الآزفة أي قربت الساعة . وقيل : المراد بالآزفة يوم حضور الموت . والمعنى الأول أظهر وأولى بالصواب . وحين تقوم الساعة تضطرب القلوب وتذل النواصي ويشيب من فرط الهول الولدان .

ويأتي وصف الرحمن للساعة على أكمل وأروع ما يكون عليه البيان المؤثر النافذ إلى أعماق القلوب وذلك في قوله : { إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ } { كَاظِمِينَ } ، منصوب على الحال ؛ أي مغمومين مكروبين ممتلئين غمّا . والمعنى : أن قلوب الظالمين الخاسرين يوم القيامة تزول عن مواضعها من شدة الخوف ومن فظاعة المشهد المرعب حتى تصير إلى الحناجر . ومفردها حنجرة . وقيل : إن ذلك إخبار عن فظاعة الخوف ونهاية الشدة والذعر .

قوله : { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } الحميم ، القريب المحب أي ليس للخاسرين يوم القيامة حيث الفزع والإياس واشتداد الهول ، من قريب مشفق محب ينفعهم ، ولا ذو شفاعة يطاع في شفاعته لهم .


[4012]:الدر المصون ج 9 ص 466