روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة القلم

هي من أوائل ما نزل من القرآن بمكة فقد نزلت على ما روي عن ابن عباس اقرأ باسم ربك ثم هذه ثم المزمل ثم المدثر وفي البحر أنها مكية بلا خلاف فيها بين أهل التأويل وفي الإتقان استثنى منها إنا بلوناهم إلى يعملون ومن فاصبر إلى الصالحين فإنه مدني حكاه السخاوي وفي جمال القراء وآيها ثنتان وخمسون آية بالإجماع ومناسبتها لسورة الملك على ما قيل من جهة ختم تلك بالوعيد وافتتاح هذه به وقال الجلال السيوطي في ذلك إنه تعالى لما ذكر في آخر الملك التهديد بتغوير الماء استظهر عليه في هذه بإذهاب ثمر أصحاب البستان في ليلة بطائف طاف عليهم وهم نائمون فأصبحوا ولم يجدوا له أثرا حتى ظنوا أنهم ضلوا الطريق وإذا كان هذا في الثمار وهي أجرام كثيفة فالماء الذي هو لطيف أقرب إلى الإذهاب ولهذا قال سبحانه هنا وهم نائمون فأصبحت كالصريم وقال جل وعلا هناك إن أصبح ماؤكم غورا إشارة إلى أنه يسري عليه في ليلة كما أسري على الثمر في ليلة انتهى ولا يخلو عن حسن وقال أبو حيان فيه أنه ذكر فيما قبل أشياء من أحوال السعداء والأشقياء وذكر قدرته الباهرة وعلمه تعالى الواسع وأنه عز وجل لو شاء لخسف بهم الأرض أو لأرسل عليهم حاصبا وكان ما أخبر به سبحانه هو ما أوحى به إلى رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فتلاه عليه الصلاة والسلام وكان الكفار ينسبونه في ذلك مرة إلى الشعر ومرة إلى السحر ومرة إلى الجنون فبدأ جل شأنه هذه السورة الكريمة ببراءته صلى الله تعالى عليه وسلم مما كانوا ينسبونه إليه من الجنون وتعظيم أجره على صبره على أذاهم وبالثناء على خلقه

بسْم اللَّهِ الرحمن الرَّحِيم { ن } بالسكون على الوقف وقرأ الأكثرون بسكون النون وإدغامها في واو { والقلم } بغنة عند بعض وبدونها عند آخرين وقرئ بكسر النون وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحق وعيسى بخلاف عنه بفتحها وكل لالتقاء الساكنين وجوز أن يكون الفتح بإضمار حرف القسم في موضع الجر كقولهم الله لأفعلن بالجر وأن يكون ذلك نصباً بإضمار اذكر ونحوه لا فتحاً وامتناع الصرف للتعريف والتأنيث على أنه علم للسورة ثم إن جعل اسماً للحرف مسروداً على نمط التعديد للتحدي على ما اشتهر وبين في موضعه أو اسماً للسورة منصوباً على الوجه المذكور أو مرفوعاً على أنه خبر مبتدأ محذوف فالواو في قوله تعالى والقلم للقسم وإن جعل مقسماً به فهي للعطف عليه على الشائع واختار السلف إن { ن } من المتشابه وغير واحد من الخلف أنه هنا من أسماء الحروف وقالوا يؤيد ذلك أنه لو كان اسم جنس أو علماً لا عرب منوناً أو ممنوعاً من الصرف ولكتب كما يتلفظ به وكون كتابته كما ترى لنية الوقف وإجراء الوصل مجراه خلاف الأصل وكون خط المصحف لا يقاس مسلم إلا أن الأصل إجراؤه على القياس ما أمكن وقيل هو اسم لحوت عليه الأرض يقال له اليهموت بفتح الياء المثناة التحتية وسكون الهاء ففي حديث رواه الضياء في المختار والحاكم وصححه وجمع عن ابن عباس خلق الله تعالى النون فبسطت الأرض عليه فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالحبال ثم قرأ { ن } والقلم الخ وروى ذلك عن مجاهد وروى عن ابن عباس أيضاً والحسن وقتادة والضحاك أنه اسم للدواة وأنكر الزمخشري ورود النون بمعنى الدواة في اللغة أو في الاستعمال المعتد به وقال ابن عطية يحتمل أن يكون لغة لبعض العرب أو لفظة أعجمية عربية وأنشد قول الشاعر

: إذا ما الشوق برح بي إليهم *** ألقت النون بالدمع السجوم

والأولون منهم من فسر القلم بالذي خط في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة ومنهم من فسره بقلم الملائكة الكرام الكاتبين وال فيه على التفسيرين للعهد والآخرون منهم من فسره بالجنس على أن التعريف فيه جنسي ومنهم وهم قليل من فسره بما تقدم أيضاً لكن الظاهر من كلامهم أن الدواة ليست عبارة عن الدواة المعروفة بل هي دواة خلقت يوم خلق ذلك القلم وعن معاوية بن قرة يرفعه أن ن لوح من نور والقلم قلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة وعن جعفر الصادق أنه نهر من أنهار الجنة وفي «البحر » لعله لا يصح شيء من ذلك أي من جميع ما ذكر في ن ما عدا كونه اسماً من أسماء الحروف وكأنه إن كان كان مطلعاً على الروايات التي ذكرناها لم يعتبر تصحيح الحاكم فيما روى أولاً عن ابن عباس ولا كون أحد رواته الضياء في المختارة التي هي في الاعتبار قرينة من الصحاح ولا كثرة راويه عنه وهو الذي يغلب على الظن لكثرة الاختلاف فيما روى عنه في تعيين المراد به حتى أنه روى عنه أنه آخر حرف من حروف الرحمن وإن هذا الاسم الجليل فرق في الر وحم ون ولا يخفي أنه إن أريد الحوت أو نهر في الجنة يصير الكلام من باب كم الخليفة وألف بادنجانة وأما إن أريد الدواة فالتنكير آب عن ذلك أشد الإباء على أنه كما سمعت عن الزمخشري لغة لم تثبت والرد عليه إنما يتأتى بإثبات ذلك عن الثقات وأنى به وذكر «صاحب القاموس » لا ينتهض حجة على أنه معنى لغوي وفي صحة الروايات كلام والبيت الذي أنشده ابن عطية لم يثبت عربياً وكونه بمعنى الحوت أطلق على الدواة مجازاً بعلاقة المشابهة فإن بعض الحيتان يستخرج منه شيء أشد سواداً من النقس يكتب به لا يخفي ما فيه من السماجة فإن ذلك البعض لم يشتهر حتى يصح جعله مشبهاً به مع إنه لا دلالة للمنكر على ذلك الصنف بعينه وكونه بمعنى الحرف مجازاً عنها أدهى وأمر كذا قيل وللبحث في البعض مجال وللقصاص هذا الفصل روايات لا يعول عليها ولا ينبغي الإصغاء إليها ثم إن استحقاق القلم للإعظام بالإقسام به إذا أريد به قلم اللوح الذي جاء في الاخبار أنه أول شيء خلقه الله تعالى أو قلم الكرام الكاتبين ظاهر وأما استحقاق ما في أيدي الناس إذا أريد به الجنس لذلك فلكثرة منافعه ولو لم يكن له مزية سوى كونه آلة لتحرير كتب الله عز وجل لكفي به فضلاً موجباً لتعظيمه والضمير في قوله سبحانه : { وَمَا يَسْطُرُونَ } أي يكتبون اما للقلم مراداً به قلم اللوح وعبر عنه بضمير الجمع تعظيماً له أو له مراداً به جنس ما به الخط فضمير الجمع لتعدده لكنه ليس بكاتب حقيقة بل هو آلة للكاتب فالإسناد إليه إسناد إلى الآلة مجازاً والتعبير عنه بضمير العقلاء لقيامه مقامهم وجعله فاعلاً أو للكتبة أو الحفظة المفهومين من القلم أو لهم باعتبار أنه أريد بالقلم أصحابه تجوزاً أو بتقدير مضاف معه ولا يخفي ما هو إلا وجه من ذلك وأما كونه لما وهي بمعنى من فتكلف بارد والظاهر فيها أنها إما موصولة أي والذي يسطرونه أو مصدرية أي وسطرهم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ} (1)

مقدمة السورة:

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة القلم

مقدمة وتمهيد

1- سورة " ن " أو " القلم " تعتبر من أوائل السور القرآنية ، التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد ذكر السيوطي في كتابه " الإتقان " أنها السورة الثانية في النزول ، بعد سورة " العلق " ( {[1]} ) .

ويرى بعض العلماء أنها السورة الرابعة في النزول ، فقد سبقتها سور : العلق ، والمدثر ، والمزمل ، وعدد آياتها اثنتان وخمسون آية .

2- والمحققون على أنها من السور المكية الخالصة ، فقد ذكر الزمخشري وابن كثير . . أنها مكية ، دون أن يذكرا في ذلك خلافا .

وقال الآلوسي : هي من أوائل ما نزل من القرآن بمكة ، فقد نزلت –على ما روي عن ابن عباس- [ اقرأ باسم ربك . . . ] ثم هذه ، ثم المزمل ، ثم المدثر ، وفي البحر أنها مكية بلا خلاف فيها ، بين أهل التنزيل .

وفي الإتقان : استثننى منها : [ إنا بلوناهم كما بلونا . . . ] إلى قوله –تعالى- : [ لو كانوا يعلمون ]( {[2]} ) .

3- والذي تطمئن إليه النفس ، أن سورة [ ن ] من السور المكية الخالصة ، لأنه لم يقم دليل مقنع على أن فيها آيات مدنية ، بجانب أن أسلوبها وموضوعاتها تشير إلى أنها من السور المكية الخالصة .

كذلك نميل إلى أن بعض آياتها قد نزلت على الني صلى الله عليه وسلم بعد أن جهر بدعوته .

4- وقد فصل هذا المعنى بعض العلماء فقال ما ملخصه : لا يمكن تحديد التاريخ الذي نزلت فيه هذه السورة ، سواء مطلعها أو جملتها .

والروايات التي تقول : إن هذه السورة هي الثانية في النزول بعد سورة العلق كثيرة ، ولكن سياق السورة وموضوعها وأسلوبها ، يجعلنا نرجح غير هذا ، حتى ليكاد يتعين أنها نزلت بعد فترة من الدعوة العامة ، التي جاءت بعد نحو ثلاث سنوات من الدعوة الفردية ، في الوقت الذي أخذت فيه قريش تدفع هذه الدعوة وتحاربها ، وتصف الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو بريء منه ، كذلك ذكرت بعض الروايات في السورة آيات مدنية ، ونحن نستبعد هذا كذلك ، ونعتقد أن السورة كلها مكية ، لأن طابع آياتها عميق في مكيته .

والذي نرجحه بشأن السورة كلها ، أنها ليست الثانية في ترتيب النزول وأنها نزلت بعد فترة من البعثة النبوية ، بل بعد الجهر بالدعوة ، وبعد أن أخذت قريش في محاربتها بصورة عنيفة .

والسورة قد أشارت إلى شيء من عروض المشركين : [ ودوا لو تدهن فيدهنون ] وظاهر أن مثل هذه المحاولة لا تكون والدعوة فردية ، إنما تكون بعد ظهورها ، وشعور المشركين بخطرها . . ( {[3]} ) .

5- والذي يتدبر هذه السورة الكريمة ، يراها قد اشتملت على مقاصد من أبرزها : تحدي المشركين بهذا القرآن الكريم ، والثناء على النبي صلى الله عليه وسلم بأفضل أنواع الثناء [ ما أنت بنعمة ربك بمجنون . وإن لك لأجرا غير ممنون . وإنك لعلى خلق عظيم ] .

والتسلية الجميلة له صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه [ فستبصر ويبصرون . بأيكم المفتون . إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ] .

ونهيه صلى الله عليه وسلم عن مهادنة المشركين أو ملاينتهم أو موافقتهم على مقترحاتهم الماكرة ، قال –تعالى- : [ ودوا لو تدهن فيدهنون ، ولا تطع كل حلاف مهين ، هماز مشاء بنميم ، مناع للخير معتد أثيم ] .

ثم نراها تضرب الأمثال لأهل مكة ، لعلهم يتعظون ويعتبرون ، ويتركون الجحود والبطر . . [ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ، إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين . ولا يستثنون . فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون . فأصبحت كالصريم ] .

ثم نرى من مقاصدها كذلك : المقارنة بين عاقبة الأخيار والأشرار ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة .

وتسفيه أفكار المشركين وعقولهم ، بأسلوب مؤثر خلاب : [ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ، ما لكم كيف تحكمون . أم لكم كتاب فيه تدرسون ] . .

وتهديدهم بأقصى ألوان التهديد : [ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون . وأملي لهم إن كيدي متين . . ] .

ثم تختتم بتكرار التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ، وبأمره بالصبر على أذى أعدائه : [ فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت ، إذ نادى وهو مكظوم ، لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ، فاجتباه ربه فجعله من الصالحين . وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون . وما هو إلا ذكر للعالمين ] .

وبعد : فهذه كلمة مجملة عن سورة " القلم " تكشف عن زمان ومكان نزولها . وعن أهم المقاصد والأهداف التي اشتملت عليها .

ونسأل الله –تعالى- أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

د . محمد سيد طنطاوي

افتتحت سورة " القلم " بأحد الحروف المقطعة ، وهي آخر سورة فى ترتيب المصحف ، افتتحت بواحد من هذه الحروف . أما بالنسبة لترتيب النزول ، فقد تكون أول سورة نزلت على النبى صلى الله عليه وسلم في السور المفتتحة بالحروف المقطعة .

وقد قلنا عند تفسيرنا لسورة البقرة : وردت هذه الحروف المقطعة تارة مفردة بحرف واحد ، وتارة مركبة من حرفين أو ثلاثة ، أو أربعة ، أو خمسة .

فالسور التى بدئت بحرف واحد ثلاث سور وهى : ص ، ق ، ن .

والسور التى بدئت بحرفين تسع سور وهى : طه ، يس ، طس ، وحم ، في ست سور ، وهي : غافر ، فصلت ، الزخرف ، الدخان ، الجاثية ، الأحقاف .

والسور التى بدئت بثلاثة أحرف ، ثلاث عشرة سورة وهي : " ألم " في ست سور ، وهي : البقرة ، آل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة .

و { الر } في خمس سور : وهي : يونس ، هود ، يوسف ، إبراهيم ، الحجر .

و { طسم } في سورتين وهما : الشعراء ، والقصص .

وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما : الرعد ، " المر " والأعراف " المص " .

وهناك سورتان - أيضا - بدئنا بخمسة أحرف ، وهما : " مريم " " كهيعص " والشورى : " حم عسق " فيكون مجموع السور التى افتتحت بالحروف المقطعة : تسعا وعشرين سورة .

هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء في المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال خلافهم في رأيين رئيسيين :

الرأي الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهي من المتشابه الذي استأثر الله - تعالى - بعلمه .

وإلى هذا الرأي ذهب ابن عباس - في بعض الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبي ، وسفيان الثوري وغيرهم من العلماء .

فقد أخرج ابن المنذر عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل كتاب سرا ، وإن سر هذا القرآن في فواتح السور .

ويروى عن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها .

وعن علي بن أبي طالب أنه قال : " إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة الكتاب حروف التهجي " .

وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال : " سر الله فلا تطلبوه "

ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأي ، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس لأنه من المتشابه ، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها .

وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ ، لم ينتف الإِفهام عنها عند كل أحد ، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين ، ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في أوائل بعض السور .

وهناك مناقشات أخرى للعلماء حول هذا الرأي ، يضيق المجال عن ذكرها .

أما الرأي الثاني فيرى أصحابه أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه الذي استأثر الله - تعالى - بعلمه .

وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتي :

أ - أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها كسورة " ص " وسورة " يس " .

ولايخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه .

ب - وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة ، للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى .

ج - وقيل : إنها حروف مقطعة ، بعهضا من أسماء الله - تعالى - ، وبعضها من صفاته ، فمثلا : { الم } أصلها : أنا الله أعلم .

د - وقيل : إنها اسم الله الأعظم . إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلوا من مقال ، والتي أوصلها الإمام السيوطي في كتابه " الإتقان " إلى أكثر من عشرين قولا .

ه - ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت في افتتاح بعض السور ، للإِشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى الله به المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه في الفصاحة والبلاغة ، مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة .

وفضلا عن ذلك ، فإن تصدير هذه السور بمثل هذه الحروف المقطعة ، يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم ، إلى الإِنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم في أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم . وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وحججا قد تكون سببا في هدايتهم واستجابتهم للحق .

هذه خلاصة لآراء العلماء في الحروف المقطعة ، التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب " البرهان " للزركشي ، وكتاب " الإتقان " للسيوطي ، وتفسير " الآلوسي " .

ولفظ " ن " على الرأي الذي رجحناه ، يكون إشارة إلى إعجاز القرآن . . .

وقيل : هو من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه . .

وقد ذكر بعض المفسرين أقوالا أخرى ، لا يعتمد عليها لضعفها ، ومن ذلك قولهم : إن " نون " اسم لحوت عظيم . . أو اسم للدواة . . . وقيل : " نون " لوح من نور . .

والواو في قوله : { والقلم } للقسم ، والمراد بالقلم : جنسه ، فهو يشمل كل قلم يكتب به و " ما " في قوله { وَمَا يَسْطُرُونَ } موصولة أو مصدرية .

و { يَسْطُرُونَ } مضارع سطر - من باب نصر - ، يقال : سطر الكتاب سطرا ، إذا كتبه ، والسطر : الصف من الشجر وغيره ، وأصله من السطر بمعنى القطع ، لأن صفوف الكتابة تبدو وكأنها قطع متراصة .


[1]:- سورة إبراهيم: الآية 1.
[2]:- سورة الإسراء. الآية 9.
[3]:- سورة المائدة: الآيتان 15، 16.