فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة القلم

هي اثنتان وخمسون آية وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . وروي عن ابن عباس وقتادة أن من أولها إلى قوله : { سنسمه على الخرطوم } مكيّ ، ومن بعد ذلك إلى قوله : { من الصالحين } مدني ، وباقيها مكي كذا قال الماوردي . وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال : كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ثم يزيد الله فيها ما يشاء ، وكان أول ما نزل من القرآن { اقرأ باسم ربك } ثم نون ، ثم المزمل ، ثم المدثر . وأخرج النحاس وابن مردويه والبيهقي عنه قال : نزلت سورة ن بمكة . وأخرج ابن مردويه عن عائشة مثله .

قوله : { ن } قرأ أبو بكر وورش وابن عامر والكسائي وابن محيصن وابن هبيرة بإدغام النون الثانية من هجائها في الواو ، وقرأ الباقون بالإظهار ، وقرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر بالفتح على إضمار فعل . وقرأ ابن عامر ونصر وابن إسحاق بكسرها على إضمار القسم ، أو لأجل التقاء الساكنين ، وقرأ محمد بن السميفع وهارون بضمها على البناء . قال مجاهد ومقاتل والسديّ : هو الحوت الذي يحمل الأرض وبه قال مرّة الهمذاني وعطاء الخراساني والكلبي . وقيل : إن نون آخر حرف من حروف الرحمن . وقال ابن زيد : هو قسم أقسم الله به . وقال ابن كيسان : هو فاتحة السورة . وقال عطاء وأبو العالية : هي النون من نصر وناصر . قال محمد بن كعب : أقسم الله تعالى بنصره المؤمنين ، وقيل : هو حرف من حروف الهجاء ، كالفواتح الواقعة في أوائل السور المفتتحة بذلك ، وقد عرّفناك ما هو الحق في مثل هذه الفواتح في أوّل سورة البقرة ، والواو في قوله : { والقلم } واو القسم ، أقسم الله بالقلم لما فيه من البيان ، وهو واقع على كل قلم يكتب به . وقال جماعة من المفسرين : المراد به : القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ ، أقسم الله به تعظيماً له . قال قتادة : القلم من نعمة الله على عباده { وَمَا يَسْطُرُونَ } «ما » موصولة : أي والذي يسطرون ، والضمير عائد إلى أصحاب القلم المدلول عليهم بذكره ، لأن ذكر آلة الكتابة تدلّ على الكاتب . والمعنى : والذي يسطرون : أي يكتبون كل ما يكتب ، أو الحفظة على ما تقدّم . ويجوز أن تكون «ما » مصدرية : أي وسطرهم . وقيل : الضمير راجع إلى القلم خاصة من باب إسناد الفعل إلى الآلة وإجرائها مجرى العقلاء ، وجواب القسم قوله : { مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ } .

/خ16