يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّـٰزِقِينَ (11)
سورة المنافقون
إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ (1) ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (2) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ (3) ۞وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ (4)
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز  
{إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مدنية وآياتها إحدى عشرة آية . وهي في معظمها تتناول الحديث عن حقيقة المنافقين . وهؤلاء صنف ماكر أثيم من الناس الذين يظهرون خلاف ما يبطنون . يظهرون في حديثهم من الرقة الكاذبة و اللين المصطنع ما ينخدع به كثير من السامعين ، فهم بذلك كاذبون مخادعون يستمرئون الختل والغش والاستكنان في الجحور من خلف المجتمع . وهم ديدنهم الكيد للإسلام وأهله كل كيد ، ويعلمون في الظلام لنسف هذا الدين من القواعد . ذلك أن المنافقين بارعون في التدسيس للنيل من الإسلام متعاونين في ذلك مع قوى الشر من الكافرين على اختلاف مللهم وعقائدهم . وقضية النفاق من المعظلات الكبرى التي تواجه المسلمين الصادقين على مرّ العصور . وعلى المسلمين بذلك أن يأخذوا حذرهم وأن يحسبوا للمنافقين المخادعين كبير الحساب .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون 1 اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون 2 ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون 3 وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسنّدة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فأحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون } .

يبين الله حقيقة المنافقين المخادعين فيكشف عن فساد طبائعهم وعما تكنّه قلوبهم من الكراهية والضغن للإسلام ورسوله . فهم ديدنهم الكذب وحلف الأيمان الفاجرة ليستتروا بها ويتقوا بها القتل أو العقاب . أولئك هم المنافقون الأشرار الذين يحذر الله منهم ورسوله والمؤمنين .

وفي سبب نزول السورة روي عن زيد بن أرقم قال : غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان معنا ناس من الأعراب وكنا نبدر الماء ، وكان الأعراب يسبقوننا ، فيسبق الأعرابي أصحابه فيملأ الحوض ويجعل النطع{[4543]} عليه حتى يجيء أصحابه فأتى رجل من الأنصار فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه الأعرابي فأخذ خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجّه فأتى الأنصاري عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين فأخبره وكان من أصحابه فغضب عبد الله بن أبيّ ثم قال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله . ثم قال لأصحابه : إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل . قال زيد بن أرقم : فسمعت عبد الله فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق وكذبني ، فوقع عليّ من الغم ما لم يقع على أحد قط . فبينا أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ أتاني فعرك أذني وضحك في وجهي . فما كان يسرني أن لي بها الدنيا . فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين{[4544]} .

قوله : { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله } يعني إذا جاءك المنافقون يا محمد شهدوا أمامك بألسنتهم أنك رسول الله { والله يعلم إنك لرسوله } وهذه جملة اعتراضية يبين الله فيها أنك رسوله سواء شهد المنافقون أو لم يشهدوا { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } يشهد الله على كذب المنافقين في إخبارهم عن أنفسهم ، فأنفسهم إنما تخفي الكفر والتكذيب ولا تؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فهم يظهرون الإيمان به بألسنتهم عن سبيل التقية . فهم بذلك كاذبون بالنسبة لاعتقادهم الذي يخفونه في قلوبهم .


[4543]:النطع: ما يتخذ من الأديم. انظر المصباح المنير جـ 2 ص 280.
[4544]:أسباب النزول للنيسابوري ص 287.