التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَـٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ} (75)

{ { والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم }

بعد أن منع الله ولاية المسلمين للذين آمنوا ولم يهجروا بالصراحة ، ابتداءً ونفى عن الذين لم يهاجروا تحقيق الإيمان ، وكان ذلك مثيراً في نفوس السامعين أن يتساءلوا هل لأولئك تمكن من تدارك أمرهم بِرأبِ هذه الثَّلمة عنهم ، ففتح الله باب التدارك بهذه الآية : { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم } .

فكانت هذه الآية بياناً ، وكان مقتضى الظاهر أن تكون مفصولة غير معطوفة ، ولكن عدل عن الفصل إلى العطف تغليباً لمقام التقسيم الذي استوعبته هذه الآيات .

ودخول الفاء على الخبر وهو { فأولئك منكم } لتضمين الموصول معنى الشرط من جهة أنّه جاء كالجواب عن سؤال السائِل ، فكأنّه قيل : وأمّا الذين آمنوا من بعد وهاجروا الخ ، أي : مهما يكن من حال الذين آمنوا ولم يهاجروا ، ومن حال الذين آمنوا وهاجروا والذين آووا ونصروا ، ف { الذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم } وبذلك صار فعل { آمنوا } تمهيداً لما بعده من { هاجروا وجاهدوا } لأن قوله : { من بعد } قرينة على أنّ المراد : إذا حصل منهم ما لم يكن حاصلاً في وقت نزول الآيات السابقة ، ليكون أصحاب هذه الصلة قسماً مغايراً للأقسام السابقة . فليس المعنى أنّهم آمنوا من بعد نزول هذه الآية ، لأنّ الذين لم يكونوا مؤمنين ثم يؤمنون من بعد لا حاجة إلى بيان حكم الاعتداد بإيمانهم ، فإنّ من المعلوم أنّ الإسلام يجُبُّ ما قبَله ، وإنّما المقصود : بيان أنّهم إن تداركوا أمرهم بأن هاجروا قُبلوا وصاروا من المؤمنين المهاجرين ، فيتعيّن أنّ المضاف إليه المحذوفَ الذي يشير إليه بناء { بعدُ } على الضمّ أن تقديره : من بعد ما قلناه في الآيات السابقة ، وإلاّ صار هذا الكلام إعادة لبعض ما تقدّم ، وبذلك تسقط الاحتمالات التي تردّد فيها بعض المفسّرين في تقدير ما أضيف إليه ( بعد ) .

وفي قوله : { معكم } إيذان بأنّهم دُون المخاطبين الذين لم يستقرّوا بدار الكفر بعد أن هاجر منها المؤمنون ، وأنّهم فرطوا في الجهاد مدة .

والإتيان باسم الإشارة للذين آمنوا من بعدُ وهاجروا ، دون الضمير ، للاعتناء بالخبر وتمييزهم بذلك الحكم .

و« من » في قوله : { منكم } تبعيضية ، ويعتبر الضمير المجرور بمن ، جماعة المهاجرين أي فقد صاروا منكم ، أي من جماعتكم وبذلك يعلم أنّ ولايتهم للمسلمين .

{ وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله إِنَّ الله بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } .

قال جمهور المفسّرين قوله : { فأولئك منكم } أي مثلكم في النصر والموالاة ، قال مالك : إنّ الآية ليست في المواريث ، وقال أبو بكر بن العربي : قوله : { فأولئك منكم } « يعني في الموالاة والميراث على اختلاف الأقوال ، أي اختلاف القائلين في أنّ المهاجر يرث الأنصاري والعكس ، وهو قول فرقة .

وقالوا : إنّها نسخت بآية المواريث .

عطف جملة على جملة فلا يقتضي اتّحاداً بين المعطوفة والمعطوف عليها ، ولكن وقوع هذه الآية بإثر التقاسيم يؤذن بأنّ لها حظّاً في إتمام التقسيم ، وقد جعلت في المصاحف مع التي قبلها آية واحدة .

فيظهر أنّ التقاسيم السابقة لمّا أثبتت ولاية بين المؤمنين ، ونفت ولايةً من بينهم وبين الكافرين ، ومِن بينهم وبين الذين آمنوا ولم يهاجروا حتّى يهاجروا ، ثم عادت على الذين يهاجرون من المؤمنين بعد تقاعسهم عن الهجرة بالبقاء في دَار الكفر مدّة ، فبيّنت أنّهم إن تداركوا أمرهم وهاجروا يدخلون بذلك في ولاية المسلمين ، وكان ذلك قد يشغل السامعين عن وَلاية ذوي أرحامهم من المسلمين ، جاءت هذه الآية تذكّر بأنّ ولاية الأرحام قائمة وأنّها مرجّحة لغيرها من الولاية فموقعها كموقع الشروط ، وشأن الصفات والغايات بعد الجُمل المتعاطفة أنّها تعود إلى جميع تلك الجمل ، وعلى هذا الوجه لا تكون هذه الآية ناسخة لما اقتضته الآيات قبلها من الولاية بين المهاجرين والأنصار بل مقيّدةً الإطلاقَ الذي فيها .

وظاهر لفظ { الأرحام } جَمْعُ رَحِم وهو مقّر الولد في بطن أمّه ، فمن العلماء من أبقاه على ظاهره في اللغة ، فجعل المراد من أولي الأرحام ذوي القرابة الناشئة عن الأمومة ، وهو ما درج عليه جمهور المفسّرين ، ومنهم من جعل المراد من الأرحام العصابات دون المولودين بالرحم . قاله القرطبي ، واستدلّ له بأنّ لفظ الرحم يراد به العصابة ، كقول العرب في الدعاء « وصلتْك رحم » ، وكقول قُتَيّلة بنتتِ النضر بن الحارث :

ظَلّتْ سيوف بني أبيه تَنوشه *** للَّه أرحام هناك تمزّق

حيث عَبرت عن نَوش بني أبيه بتمزيق أرحام .

وعُلم من قوله : { أولى } هو صيغة تفضيل أنّ الولاية بين ذوي الأرحام لا تعتبر إلا بالنسبة لمحلّ الولاية الشرعية فأولوا الأرحام أوْلى بالولاية ممّن ثبتت لهم ولاية تامّة أو ناقصة كالذين آمنوا ولم يهاجروا في ولاية النصر في الدين إذا لم يقم دونها مانع من كفر أو ترك هجرة ، فالمؤمنون بعضهم لبعض أولياء ولاية الإيمان ، وأولو الأرحام منهم بعضهم لبعض أولياء ولايةَ النسب ، ولولاية الإسلام حقوق مبيّنة بالكتاب والسنّة ، ولولاية الأرحام حقوق مبيّنة أيضاً ، بحيث لا تُزاحم إحدى الولايتين الأخرى ، والاعتناءُ بهذا البيان مؤذن بما لوشائج الأرحام من الاعتبار في نظر الشريعة ، فلذلك عَلقت أولوية الأرحام بأنّها كائنة في كتاب الله أي في حكمه .

وكتابُ الله قضاؤه وشرعه ، وهو مصدر ، إمّا باق على معنى المصدرية ، أو هو بمعنى المفعول ، أي مكتوبة كقول الراعي :

كانَ كتابُها مفعولاً

وجَعْلُ تلك الأولوية كائنة في كتاب الله كنايةٌ عن عدم تعبيره ، ا لأنّهم كانوا إذا أرادوا توكيد عهد كتبوه . قال الحارث بن حِلَّزة :

حَذر الجَوْر والتَّطَاخِي وهل ينْ *** قُض ما في المهارق الأهواء

فتقييد أولوية أولي الأرحام بأنّها في كتاب الله للدلالة على أنّ ذلك حكم فطري قدّره الله وأثبته بما وضع في الناس من الميل إلى قراباتهم ، كما ورد في الحديث : « إن الله لما خلق الرحِمَ أخذت بقائمة من قوائم العرش وقالت : هذا مقام العائذِ بك من القَطيعة » الحديثَ . فلمّا كانت ولاية الأرحام أمراً مقرراً في الفطرة ، ولم تكن ولاية الدين معروفة في الجاهلية بيّن الله أنّ ولاية الدين لا تُبطل ولاية الرحم إلاّ إذا تعارضتا ، لأنّ أواصر العقيدة والرأي أقوى من أواصر الجسد ، فلا يغيّره ما ورد هنا من أحكام ولاية الناس بعضهم بعضاً ، وبذلك الاعتبار الأصلي لولاية ذوي الأرحام كانوا مقدمين على أهل الولاية ، حيث تكون الولاية ، وينتفي التفضيل بانتفاء أصلها ، فلا ولاية لأولي الأرحام إذا كانوا غير مسلمين .

واختلف العلماء في أنّ ولاية الأرحام هنا هل تشمل ولاية الميراث : فقال مالك بن أنس هذه الآية ليست في المواريث أي فهي ولاية النصر وحسن الصحبة ، أي فنقصر على موردها ولم يرها مساوية للعام الوارد على سبب خاصّ إذ ليست صيغتها صيغة عموم ، لأن مناط الحكم قوله : { أولى ببعض } .

وقال جماعة تشمل ولاية الميراث ، ثم اختلفوا فمنهم من قال : نُسِخت هذه الولاية بآية المواريث ، فبطل توريث ذوي الأرحام بقول النبي صلى الله عليه وسلم « ألْحِقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأِوْلى رجلٍ ذَكَرٍ » فيكون تخصيصاً للعموم عندهم .

وقال جماعة يرث ذوو الأرحام وهم مقدمون على أبناء الأعمام ، وهذا قول أبي حنيفة وفقهاء الكوفة ، فتكون هذه الآية مقيِّدة لإطلاق آية المواريث ، وقد علمت ممَّا تقدّم كلّه أنّ في هذه الآيات غموضاً جعلها مرامي لمختلف الأفهام والأقوال . وأيَّامّاً كانت فقد جاء بعدها من القرآن والسنة ما أغنى عن زيادة البسط .

وقوله : { إن الله بكل شيء عليم } تذييل هو مؤذن بالتعليل ؛ لتقرير أوْلويّة ذوي الأرحام بعضهم ببعض فيما فيه اعتداد بالولاية ، أي إنّما اعتبرت تلك الأولويّة في الولاية ، لأنّ الله قد علم أنّ لآصرة الرحم حقّاً في الولاية هو ثابت ما لم يمانعه مانع معتبر في الشرع ، لأنّ الله بكلّ شيء عليم وهذا الحكم ممّا علم ، الله أنّ إثباته رفق ورأفة بالأمّة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَـٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ} (75)

الخامسة - قوله تعالى : " والذين آمنوا من بعد وهاجروا " يريد من بعد الحديبية وبيعة الرضوان . وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة الأولى . والهجرة الثانية هي التي وقع فيها الصالح ، ووضعت الحرب أوزارها نحو عامين ثم كان فتح مكة . ولهذا قال عليه السلام : ( لا هجرة بعد الفتح ) . فبين أن من آمن وهاجر من بعد يلتحق بهم . ومعنى " منكم " أي مثلكم في النصر والموالاة .

السادسة - قوله تعالى : " وأولوا الأرحام " ابتداء . والواحد ذو ، والرحم مؤنثة ، والجمع أرحام . والمراد بها ههنا العصبات دون المولود بالرحم . ومما يبين أن المراد بالرحم العصبات قول العرب : وصلتك رحم . لا يريدون قرابة الأم . قالت قتيلة بنت الحارث - أخت النضر بن الحارث - كذا قال ابن هشام .

قال السهيلي : الصحيح أنها بنت النضر لا أخته ، كذا وقع في كتاب الدلائل - ترثي أباها حين قتله النبي صلى الله عليه وسلم صبرا - بالصفراء{[7817]} :

يا راكبا إن الأثيل مَظِنَّة *** من صبح خامسة وأنت موفق

أبلغ بها ميتا بأن تحية *** ما إن تزال بها النجائب تخفِق

مني إليك وعَبْرة مسفوحة *** جادت بواكفها وأخرى تخنق

هل يسمعني النضر إن ناديته *** أم كيف يسمع ميت لا ينطق

أمحمد يا خير ضنء{[7818]} كريمة *** في قومها والفحل فحل مُعْرِقُ

ما كان ضرك لو مننت وربما *** من الفتى وهو المغيظ المحنَقُ

لو كنت قابلَ فدية لفديته *** بأعز ما يفدى به ما ينفق

فالنضر أقرب من أسرت قرابة*** وأحقهم إن كان عتق يعتق

ظلت سيوف بني أبيه تنوشه *** لله أرحام هناك تشقق

صبرا يُقَادُ إلى المنية متعبا *** رَسْفَ المقيد وهو عان موثق

السابعة - واختلف السلف ومن بعدهم في توريث ذوي الأرحام - وهو من لا سهم له في الكتاب - من قرابة الميت وليس بعصبة ، كأولاد البنات ، وأولاد الأخوات وبنات الأخ ، والعمة والخالة ، والعم أخ الأب للأم ، والجد أبي الأم ، والجدة أم الأم ، ومن أدلى بهم . فقال قوم : لا يرث من لا فرض له من ذوي الأرحام . وروي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وابن عمر ، ورواية عن علي ، وهو قول أهل المدينة ، وروي عن مكحول والأوزاعي ، وبه قال الشافعي رضي الله عنه . وقال بتوريثهم : عمر بن الخطاب وابن مسعود ومعاذ وأبو الدرداء وعائشة وعلي في رواية عنه ، وهو قول الكوفيين وأحمد وإسحاق . واحتجوا بالآية ، وقالوا : وقد اجتمع في ذوي الأرحام سببان القرابة والإسلام ، فهم أولى ممن له سبب واحد وهو الإسلام . أجاب الأولون فقالوا : هذه آية مجملة جامعة ، والظاهر بكل رحم قرب أو بعد ، وآيات المواريث مفسرة والمفسر قاض على المجمل ومبين . قالوا : وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الولاء سببا ثابتا ، أقام المولى فيه مقام العصبة فقال : ( الولاء لمن أعتق ) . ونهى عن بيع الولاء وعن هبته . احتج الآخرون بما روى أبو داود والدارقطني عن المقدام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ترك كلا فإلي - وربما قال فإلى الله وإلى رسوله - ومن ترك مالا فلورثته فأنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه ، والخال وأرث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه ) . وروى الدارقطني عن طاوس قال قالت عائشة رضي الله عنها : ( الله مولى من لا مولى له ، والخال وارث من لا وارث له ) . موقوف . وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الخال وارث ) . وروي عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ميراث العمة والخالة فقال ( لا أدري حتى يأتيني جبريل ) ثم قال : ( أين السائل عن ميراث العمة والخالة ) ؟ قال : فأتى الرجل فقال : ( سارني جبريل أنه لا شيء لهما ) . قال الدارقطني : لم يسنده غير مسعدة عن محمد بن عمرو وهو ضعيف ، والصواب مرسل . وروي عن الشعبي قال قال زياد بن أبي سفيان لجليسه : هل تدري كيف قضى عمر في العمة والخالة ؟ قال لا . قال : إني لأعلم خلق الله كيف قضى فيهما عمر ، جعل الخالة بمنزلة الأم ، والعمة بمنزلة الأب .


[7817]:بقعة بين مكة والمدينة وتسمي وادي الصفراء.
[7818]:ضنء: (بالكسر): الأصل.