التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ} (25)

لما تضمّنت الآيات السابقة الحث على قتال المشركين ابتداء من قوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [ التوبة : 5 ] ، وكان التمهيد للإقدام على ذلك مدرَّجا بإبطال حرمة عهدهم ، لشركهم ، وبإظهار أنّهم مضمرون العزم على الابتداء بنقض العهود التي بينهم وبين المسلمين لو قُدّر لهم النصر على المسلمين وآية ذلك : اعتداؤهم على خزاعة أحلاف المسلمين ، وهمُّهم بإخراج الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة بعد الفتح ، حتى إذا انتهى ذلك التمهيد المدرج إلى الحثّ على قتالهم وضمان نصر الله المسلمين عليهم ، وما اتّصل بذلك ممّا يثير حماسة المسلمين جاء في هذه الآية بشواهد ما سبق من نصر الله المسلمين في مواطن كثيرة ، وتذكير بمقارنة التأييد الإلهي لحالة الامتثال لأوامره ، وإنّ في غزوة حنين شواهد تشهد للحالين . فالكلام استيناف ابتدائي لمناسبة الغرض السابق .

وأسند النصر إلى الله بالصراحة لإظهار أنّ إيثار محبّة الله وإن كان يُفيت بعض حظوظ الدنيا ، ففيه حظ الآخرة وفيه حظوظ أخرى من الدنيا وهي حظوظ النصر بما فيه : من تأييد الجامعة ، ومن المغانم ، وحماية الأمة من اعتداء أعدائها ، وذلك من فضل الله إذ آثروا محبّته على محبّة علائقهم الدنيوية .

وأكّد الكلام ب { قد } لتحقيق هذا النصر لأنّ القوم كأنّهم نسوه أو شكّوا فيه فنزلوا منزلة من يحتاج إلى تأكيد الخبر .

و { مواطن } : جمع مَوْطِن ، والموطن أصله مكان التوطّن ، أي الإقامة . ويطلق على مقام الحرب وموقفها ، أي نصركم في مواقع حروب كثيرة .

و { يومَ } معطوف على الجار والمجرور من قوله : { في مواطن } فهو متعلّق بما تعلّق به المعطوف عليه وهو { نصركم } والتقدير : ونَصَركم يومَ حنين وهو من جملة المواطن ، لأنّ مواطن الحرب تقتضي أياماً تقع فيها الحرب ، فتدلّ المواطن على الأيام كما تدلّ الأيام على المواطن ، فلمّا أضيف اليوم إلى اسم مكانٍ علم أنّه موطِن من مواطن النصر ولذلك عطف بالواو لأنّه لو لم يعطف لتوهّم أنّ المواطن كلّها في يوم حنين ، وليس هذا المراد . ولهذا فالتقدير : في مواطن كثيرة وأياممٍ كثيرة منها موطن حنين ويومُ حنين .

وتخصيص يوم حنين بالذكر من بين أيام الحروب : لأنّ المسلمين انهزموا في أثناء النصر ثم عادَ إليهم النصر ، فتخصيصه بالذكر لما فيه من العبرة بحصول النصر عند امتثال أمر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام وحصول الهزيمة عند إيثار الحظوظ العاجلة على الامتثال ، ففيه مثَل وشاهد لحالتي الإيثارين المذكورين آنفاً في قوله تعالى : { أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله } [ التوبة : 24 ] ليتنبّهوا إلى أنّ هذا الإيثار قد يعرض في أثناء إيثار آخر ، فهم لَمَّا خرجوا إلى غزوة حنين كانوا قد آثروا محبّة الجهاد على محبّة أسبابهم وعلاقاتهم ، ثم هم في أثناء الجهاد قد عاودهم إيثار الحظوظ العاجلة على امتثال أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي هو من آثار إيثار محبّتها ، وهي عبرة دقيقة حصل فيها الضّدان ولذلك كان موقع قوله : { إذ أعجبتكم كثرتكم } بديعاً لأنّه تنبيه على خطئِهم في الأدب مع الله المناسب لِمقامهم أي : ما كان ينبغي لكم أن تعتمدوا على كثرتكم .

و { حُنين } اسم واد بين مكة والطائف قُرب ذي المجاز ، كانت فيه وقعَة عظيمة عقب فتح مكة بين المسلمين مع النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا اثني عشر ألفاً ، وبين هوازن وثقيف وألفاً فهما ، إذ نهضوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم حمية وغضباً لهزيمة قريش ولفتح مكة ، وكان على هوازن مالك بن عوف ، أخو بني نصر ، وعلى ثقيف عبد يَالِيل بن عمرو الثقفي ، وكانوا في عدد كثير وساروا إلى مكة فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم حتّى اجتمعوا بحُنين فقال المسلمون : لن نغلب اليومَ من قلّة ، ووثقوا بالنصر لقوّتهم ، فحصلت لهم هزيمة عند أوّل اللقاء كانت عتاباً إلهياً على نسيانهم التوكّل على الله في النصر ، واعتمادهم على كثرتهم ، ولذلك روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا سمع قول بعض المسلمين « لن نغلب من قلّة » ساءهُ ذلك ، فإنّهم لمّا هبطوا وادي حنين كان الأعداء قد كمنوا لهم في شعابه وأحنائه ، فما راع المسلمين وهم منحدرون في الوادي إلاّ كتائبُ العدوّ وقد شَدَّت عليهم وقيل : إنّ المسلمين حملوا على العدوّ فانهزم العدوّ فلحقوهم يغنمون منهم ، وكانت هوازن قوماً رُماة فاكثبوا المسلمينَ بالسهام فأدبر المسلمون راجعين لا يلوي أحد على أحد ، وتفرّقوا في الوادي ، وتطاول عليهم المشركون ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت في الجهة اليمنى من الوادي ومعه عشرة من المهاجرين والأنصار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباسَ عمَّه أن يصرخ في الناس : يا أصحاب الشجرة أو السمرة يعني أهل بيعة الرضوان يا معشر المهاجرين يا أصحاب سورة البقرة يعني الأنصار هلمّوا إلي ، فاجتمع إليه مائة ، وقاتلوا هوازن مع من بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم واجتلد الناس ، وتراجع بقية المنهزمين واشتدّ القتال و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الآن حَمِي الوطيس » فكانت الدائرةُ على المشركين وهُزموا شرّ هزيمة وغنمت أموالهم وسُبيت نساؤهم .

فذلك قوله تعالى : { وضاقت عليكم الأرض بما رحبت } وهذا التركيب تمثيل لحال المسلمين لمّا اشتدّ عليهم البأس واضطربوا ولم يهتدوا لدفع العدوّ عنهم ، بحال من يرى الأرض الواسعةَ ضيّقةً .

فالضيق غير حقيقي بقرينة قوله : { بما رحبت } استعير { وضاقت عليكم الأرض بما رحبت } استعارة تمثيلية تمثيلاً لحال من لا يستطيع الخلاص من شدّة بسبب اختلال قوة تفكيره ، بحال من هو في مكان ضَيِّق من الأرض يريد أن يخرج منه فلا يستطيع تجاوزه ولا الانتقال منه .

فالباء للملابسة ، و { ما } مصدرية ، والتقدير : ضاقت عليكم الأرض حالة كونها ملابسة لرحبها أي سعتها : أي في حالة كونها لا ضيق فيها وهذا المعنى كقول الطرماح بن حكيم :

ملأتُ عليه الأرض حتّى كأنّها *** من الضيق في عينيْه كفة حابل

قال الأعلم « أي من الزعر » هو مأخوذ من قول الآخر :

كأنَّ فجاج الأرض وهي عريضة *** على الخائف المطلوب كفّة حابل

وهذا أحسن من قول المفسّرين أنّ معنى { وضاقت عليكم اورض بما رحبت } لمْ تهتدوا إلى موضع من الأرض تفرّون إليه فكأنَّ الأرض ضاقت عليكم ، ومنهم من أجمل فقال : أي لشدّة الحال وصعوبتها .

وموقع { ثُم } في قوله : { ثم وليتم مدبرين } موقع التراخي الرتبي ، أي : وأعظم ممّا نالكم من الشرّ أن وليتم مدبرين .

والتولّي : الرجوع ، و { مدبرين } حال : إمّا مؤكّدة لمعنى { وليتم } أو أريد بها إدبار أخص من التولّي ، لأنّ التولّي مطلق يكون للهروب ، ويكون للفرّ في حِيل الحروب ، والإدبار شائع في الفرار الذي لم يقصد به حيلة فيكون الفرق بينه وبين التولّي اصطلاحاً حربياً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ} (25)

فيه ثمان مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة " لما بلغ هوازن فتح مكة جمعهم مالك بن عوف النصري من بنى نصر بن مالك ، وكانت الرياسة في جميع العسكر إليه ، وساق مع الكفار أموالهم ومواشيهم ونساءهم وأولادهم ، وزعم أن ذلك يحمي به نفوسهم وتشتد في القتال عند ذلك شوكتهم . وكانوا ثمانية آلاف في قول الحسن ومجاهد . وقيل : أربعة آلاف ، من هوازن وثقيف . وعلى هوازن مالك بن عوف ، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ، فنزلوا بأوطاس{[7892]} . وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن أبي حدرد الأسلمي عينا ، فأتاه وأخبره بما شاهد منهم ، فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قصدهم ، واستعار من صفوان بن أمية بن خلف الجمحي دروعا . قيل : مائة درع . وقيل : أربعمائة درع . واستسلف من ربيعة المخزومي ثلاثين ألفا أو أربعين ألفا ، فلما قدم قضاه إياها . ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( بارك الله لك في أهلك ومالك إنما جزاء السلف الوفاء والحمد ) خرجه ابن ماجة في السنن . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر ألفا من المسلمين ، منهم عشرة آلاف صحبوه من المدينة وألفان من مسلمة الفتح وهم الطلقاء إلى من انضاف إليه من الأعراب من سُليم وبني كلاب وعبس وذبيان . واستعمل على مكة عتاب بن أسيد . وفي مخرجه هذا رأى جهال الأعراب شجرة خضراء وكان لهم في الجاهلية شجرة معروفة تسمى ذات أنواط يخرج إليها الكفار يوما معلوما في السنة يعظمونها ، فقالوا : يا رسول الله ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال عليه السلام : ( الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون " لتركبن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة حتى أنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) . فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى وادي حنين ، وهو من أودية تهامة ، وكانت هوازن قد كمنت في جنبتي الوادي وذلك في غبش الصبح ، فحملت على المسلمين حملة رجل واحد ، فانهزم جمهور المسلمين ولم يلو{[7893]} أحد على أحد ، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت معه أبو بكر وعمر ، ومن أهل بيته علي والعباس وأبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب وابنه جعفر ، وأسامة بن زيد ، وأيمن بن عبيد وهو أيمن بن أم أيمن قتل يومئذ بحنين - وربيعة بن الحارث ، والفضل بن عباس ، وقيل في موضع جعفر بن أبي سفيان : قثم بن العباس . فهؤلاء عشرة رجال ، ولهذا قال العباس :

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة *** وقد فر من قد فر عنه{[7894]} وأقشعوا

وعاشِرُنَا لاقَى الحمام بنفسه *** بما مسه في الله لا يتوجع

وثبتت أم سليم في جملة من ثبت محتزمة ممسكة بعيرا لأبي طلحة وفي يدها خنجر . ولم ينهزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من هؤلاء ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته الشهباء واسمها دلدل . وفي صحيح مسلم عن أنس قال عباس{[7895]} : وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة ألا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أي عباس ناد أصحاب السمرة{[7896]} ) . فقال عباس - وكان رجلا صيتا . ويروى من شدة صوته أنه أغير يوما على مكة فنادى واصباحاه فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها - : فقلت بأعلى صوتي : أين أصحاب السمرة ؟ قال : فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها . فقالوا : يا لبيك يا لبيك . قال : فاقتتلوا والكفار . . . ) الحديث . وفيه : ( قال ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ) . ثم قال : ( انهزموا ورب محمد ) . قال فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى . قال : فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته ، فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا . قال أبو عمر : روينا من وجوه عن بعض من أسلم من المشركين ممن شهد حنينا أنه قال - وقد سئل عن يوم حنين - : لقينا المسلمين فما لبثنا أن هزمناهم وأتبعناهم حتى انتهينا إلى رجل راكب على بغلة بيضاء ، فلما رآنا زجرنا زجرة وانتهرنا ، وأخذ بكفه حصى{[7897]} وترابا فرمى به وقال : ( شاهت الوجوه ) فلم تبق عين إلا دخلها من ذلك ، وما ملكنا أنفسنا أن رجعنا على أعقابنا . وقال سعيد بن جبير : حدثنا رجل من المشركين ، يوم حنين قال : لما التقينا مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقفوا لنا حلب شاة ، حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - تلقانا رجال بيض الوجوه حسان ، فقالوا لنا : شاهت الوجوه ، ارجعوا ، فرجعنا وركبوا أكتافنا فكانت إياها . يعني الملائكة . قلت : ولا تعارض فإنه يحتمل أن يكون شاهت الوجوه من قوله صلى الله عليه وسلم ومن قول الملائكة معا ، ويدل على أن الملائكة قاتلت يوم حنين . فالله أعلم . وقتل علي رضي الله عنه يوم حنين أربعين رجلا بيده . وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف رأس . وقيل : ستة آلاف ، واثني عشر ألف ناق سوى ما لا يعلم من الغنائم .

الثانية - قال العلماء في هذه الغزاة : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ) . وقد مضى في " الأنفال{[7898]} " بيانه . قال ابن العربي : ولهذه النكتة وغيرها أدخل الأحكاميون هذه الآية في الأحكام . قلت : وفيه أيضا جواز استعارة السلاح وجواز الاستمتاع بما استعير إذا كان على المعهود مما يستعار له مثله ، وجواز استلاف الإمام المال عند الحاجة إلى ذلك ورده إلى صاحبه . وحديث صفوان أصل في هذا الباب . وفي هذه الغزاة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ألا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض حيضة ) . وهو يدل على أن السبي يقطع العصمة . وقد مضى بيانه في سورة " النساء " مستوفى{[7899]} . وفي حديث مالك أن صفوان خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كافر ، فشهد حنينا والطائف وامرأته مسلمة . الحديث . قال مالك : ولم يكن ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أرى أن يستعان بالمشركين على المشركين إلا أن يكونوا خدما أو نواتية . وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي : لا بأس بذلك إذا كان حكم الإسلام هو الغالب ، وإنما تكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك هو الظاهر . وقد مضى القول في الإسهام لهم في " الأنفال{[7900]} "

الثالثة - قوله تعالى : " ويوم حنين " حنين واد بين مكة والطائف ، وانصرف لأنه اسم مذكر ، وهي لغة القرآن . ومن العرب من لا يصرفه ، يجعله اسما للبقعة . وأنشد :

َنصَرُوا نبيَّهُم وشدُّوا أَزْرَهُ *** بحنين يوم تواكُل الأبطال{[7901]}

" ويوم " ظرف ، وانتصب هنا على معنى : ونصركم يوم حنين . وقال الفراء : لم تنصرف " مواطن " لأنه ليس لها نظير في المفرد وليس لها جماع ، إلا أن الشاعر ربما اضطر فجمع ، وليس يجوز في الكلام كل ما يجوز في الشعر . وأنشد :

فهنَّ يَعْلُكْنَ حدائداتها

وقال النحاس : رأيت أبا إسحاق يتعجب من هذا قال : أخذ قول الخليل وأخطأ فيه ؛ لأن الخليل يقول فيه : لم ينصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد ، ولا يجمع جمع التكسير ، وأما بالألف والتاء فلا يمتنع .

الرابعة - قوله تعالى : " إذ أعجبتكم كثرتكم " قيل : كانوا اثني عشر ألفا . وقيل : أحد عشر ألفا وخمسمائة . وقيل : ستة عشر ألفا . فقال بعضهم : لن نغلب اليوم عن قلة . فوكلوا إلى هذه الكلمة ، فكان ما ذكرناه من الهزيمة في الابتداء إلى أن تراجعوا ، فكان النصر والظفر للمسلمين ببركة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم . فبين الله عز وجل في هذه الآية أن الغلبة إنما تكون بنصر الله لا بالكثرة وقد قال : " وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده{[7902]} " [ آل عمران : 160 ] .

الخامسة - قوله تعالى : " وضاقت عليكم الأرض بما رحبت " أي من الخوف ، كما قال :

كأن بلاد الله وهي عريضة *** على الخائف المطلوب كِفَّةُ حابل{[7903]}

والرحب - بضم الراء - السعة . تقول منه : فلان رحب الصدر . والرحب - بالفتح - : الواسع . تقول منه : بلد رحب ، وأرض رحبة . وقد رحبت ترحب رحبا ورحابة . وقيل : الباء بمعنى مع أي مع رحبها . وقيل : بمعنى على ، أي على رحبها . وقيل : المعنى برحبها ، ف " ما " مصدرية .

السادسة - قوله تعالى : " ثم وليتم مدبرين " روى مسلم عن أبي إسحاق قال : جاء رجل إلى البراء فقال : أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة . فقال : أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى ، ولكنه انطلق أخِفّاءُ{[7904]} من الناس ، وحسر إلى هذا الحي من هوازن . وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا ، فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان يقود به بغلته ، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول : ( أنا النبي لا كذب . أنا ابن عبدالمطلب . اللهم نزل نصرك ) . قال البراء : كنا والله إذا احمر البأس نتقي به ، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم .


[7892]:أوطاس: واد في ديار وهوازن، فيه كانت وقعة حنين.
[7893]:أي لم يلتفت ولم يعطف.
[7894]:في الأصول منهم : "منهم" والتصويب عن المواهب اللدنية.
[7895]:في ا ، ج ، ح ، ل ، هـ ، ز قال ابن عباس : والصواب ما أثبتناه من ك ، ب ، ى.
[7896]:أي أصحاب الشجرة المسماة بالسمرة، وهي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية.
[7897]:في ب و ج: أو ترابا.
[7898]:راجع ج 7 ص 363
[7899]:راجع ج 5 ص 121.
[7900]:راجع المسألة الموفية العشرين ص 18 من هذا الجزء.
[7901]:البيت لحسان بن ثابت.
[7902]:راجع ج 4 ص 253 فما بعد.
[7903]:الكفة (بالكسر): حبالة الصائد: والحابل: الذي ينصب الحبالة.
[7904]:أخفاء: جمع خفيف كطبيب وأطباء: وأراد بهم المتعجلين والحسر: جمع حاسر، كساجد وسجد. وهو من لا درع له ولا مغفرة أي ليس عليهم سلاح والرشق (بالكسر): اسم للسهام التي ترميها الجماعة دفعة واحدة والرجل (بالكسر) : القطعة وقوله (احمر البأس) أي اشتد الحرب. (راجع شرح النووي على صحيح مسلم كتاب المغازي).