قوله تعالى : { ثم قست قلوبكم } . أي يبست وجفت ، جفاف القلب : خروج الرحمة واللين عنه ، وقيل : غلظت ، وقيل : اسودت .
قوله تعالى : { من بعد ذلك } . من بعد ظهور الدلالات . قال الكلبي : قالوا بعد ذلك : نحن لم نقتله ، فلم يكونوا قط أعمى قلباً ولا أشد تكذيباً لنبيهم منهم عند ذلك .
قوله تعالى : { فهي } . في الغلظة والشدة .
قوله تعالى : { كالحجارة أو أشد قسوة } . قيل : أو بمعنى بل . أو بمعنى الواو ( مائة ألف أو يزيدون ) أي : بل يزيدون أو ويزيدون ، وإنما لم يشبهها بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة ، لأن الحديد قابل للين فإنه يلين بالنار ، وقد لان لداود عليه السلام ، والحجارة لا تلين قط ، ثم فضل الحجارة على القلب القاسي فقال :
قوله تعالى : { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } . قيل : أراد به جميع الحجارة ، وقيل : أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط .
قوله تعالى : { وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء } . أراد به عيوناً دون الأنهار .
قوله تعالى : { وإن منها لما يهبط } . ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله .
قوله تعالى : { من خشية الله } . وقلوبكم لا تلين ولا تخشع يا معشر اليهود . فإن قيل : جماد لا يفهم ، فكيف يخشى قيل : الله يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه . ومذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى خلق علماً في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء ، لا يقف عليه غير الله ، فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال جل ذكره : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) وقال ( والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه ) وقال : ( ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر ) الآية ، فيجبعلى المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله تعالى سبحانه وتعالى .
ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل : انزل عني فإني أخاف أن تؤخذ علي فيعاقبني الله بذلك ، فقال له جبل حراء : إلي يا رسول الله .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، ثنا السدي أبو الحسين محمد ابن حسن العلوي ، أنا أحمد بن محمد بن عبد الوهاب النيسابوري ، أنا محمد ابن إسماعيل الصائغ ، أنا يحيى بن أبي بكر ، أنا إبراهيم بن طهمان ، عن سماك ابن حرب . عن جابر بن سمرة . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن " هذا حديث صحيح ، أخرجه مسلم ، عن أبي بكر ابن أبي شيبة ، عن يحيى بن أبي بكر . وصح عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال : " هذا جبل يحبنا و نحبه " .
وروي عن أبي هريرة يقول : " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ثم أقبل على الناس بوجهه وقال : بينما رجل يسوق بقرة إذ عيي ، فركبها فضربها ، فقالت : إنا لم نخلق لهذا ، إنما خلقنا لحراثة الأرض فقال الناس : سبحان الله بقرة تتكلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإني أومن به أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم " .
وقال : " بينما رجل في غنم له إذ عدا الذئب على شاة منها ، فأدركها صاحبها فاستنفذها ، فقال الذئب : فمن لها يوم السبع أي يوم القيامة ، يوم لا راعي لها غيري فقال الناس : سبحان الله ذئب يتكلم ! فقال : أومن به أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم " .
وصح عن أبي هريرة ، قال : " كان رسول صلى الله عليه وسلم على حراء وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير ، فتحركت الصخرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اهدأ . أي : اسكن . فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد " صحيح أخرجه مسلم . أخبرنا عبد الله الصالحي ، أنا أبو سعيد يحيى بن أحمد بن علي الصانع ، أنا أبو الحسن علي بن إسحاق بن هشام الرازي ، أنا محمد بن أيوب بن ضريس وهو يجلي الرازي ، أنا محمد بن الصباح ، عن الوليد ابن أبي ثور ، عن السدي ، عن عبادة بن أبي يزيد ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في نواحيها خارجاً من مكة بين الجبال والشجر ، فلم يمر بشجرة ولا جبل إلا قال السلام عليك يا رسول الله " .
أخبرنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا عبد المجيد بن عبد العزيز ، عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد ، فلما صنع له المنبر فاستوى عليه ، اضطربت تلك السارية وحنت كحنين الناقة ، حتى سمعها أهل المسجد ، حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكنت " .
قال مجاهد : لا ينزل حجر من أعلى إلى الأسفل إلا من خشية الله ، ويشهد لما قلنا قوله تعالى : ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ، وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) .
قوله تعالى : { وما الله بغافل } . بساه .
قوله تعالى : { عما تعملون } . وعيد وتهديد ، وقيل : بتارك عقوبة ما تعملون ، بل يجازيكم به ، قرأ ابن كثير يعملون بالياء والآخرون بالتاء .
وقوله : ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ) القسوة هي الانقباض واليبس والصلابة ، وشبيه بذلك الكزازة ومنها الكز أي اليابس المنقبض ، والمراد بيبس القلب وصلابته أي انقباضه دون الخير والرحمة ، كيلا يستوعب بعد ذلك شيئا من الإيمان أو الإنابة أو الإذعان لله سبحانه ، وتلك هي قسوة القلب ، فإنها تورث في الإنسان إفلاسا من الخير وكل معاني العقيدة الصحيحة ، وهي كذلك تصمه بالانقباض الشديد الذي يحول بينه وبين الخشوع لله أو الخشية منه حتى تنضب فيه مباعث الرغبة في الحق والخير والإيمان .
لقد قست قلوب بني إسرائيل عموما وذلك من بعد ما أراهم الله المعجزة بإحياء القتيل ، وأطلعهم على قدرته التي تخرق طبائع الأشياء والتي لا تصدها النواميس والنظم . ومع ذلك كله فقد انقلب بنو إسرائيل مرتدين ناكبين بعد أن غابت في نفوسهم عوامل الخضوع والتقوى وبعد أن شحت فيهم معاني الفيئة والذكرى .
قوله : ( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) وقد اختلف في معنى ( أو ) فقد قيل : إنها للتخيير وقيل : معناها الواو العاطفة أي قلوب بني إسيرائيل تشبه الحجارة في قسوتها وأشد قسوة ، وفي قول آخر بأن أو معناها هنا : بل ، أي أن قلوبهم قاسية كالحجارة بل هي أشد قسوة من الحجارة .
وثمة معنى آخر نرجحه وهو أن الله جلت قدرته أراد أن يبين أن بني إسرائيل من حيث قسوة قلوبهم شطران شطرهم الأول : من كانت قلوبهم كالحجارة في قسوتها ، وأما الشطر الثاني : فإن قلوبهم لهي أشد قساوة من الحجارة والله تعالى أعلم .
قوله : ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ) يراد بذلك أن قلوب هؤلاء القساة العتاة لهي أشد قسوة من الحجارة نفسها وذلك من حيث التبلد في الحس ، أو من حيث الإمساك والضن بالخير ، فإن قلوب هؤلاء القوم شديدة الضن والشح ، وهي لا تسخو بشيء من الخير كيفما كان ، لكن الحجارة الصلدة الصماء تتفجر منها الأنهار ، لتبعث في الأرض أسباب الحياة والنماء ولتزهو في الدنيا كل مظاهر الخصب والجمال ، وكذلك فإن من الحجارة ما يتشقق أدغمت التاء في الشين فصارت يشقق حتى يتيسر للماء أن يسيل وينهمر ذلك كله منبعث من الحجارة القاسية التي لا تنطق في الظاهر ، غير أنها في الحقيقة تسخو بعطاء سائح غزير يكسب في الحياة بواعث الرغد والجمال والبهاء والعيش الهنيء .
وقوله : ( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) الهبوط في اللغة النزول ، والانحطاط أو التردي من أعلى الى أسفل ، {[80]} لكن المقصود بهبوط الحجارة من خشية الله قد جاء على سبيل المجاز عن خشوعها وانقيادها لأمر الله لكن قلوب هؤلاء يابسة صلدة لا تلين لأمر الله ولا تصيخ لهتاف الحق الساطع الأبلج ، وقيل : بل إن الهبوط من خشية الله لهو حقيقة لا شك فيها ، وأساس ذلك كله أن الكائنات والخلائق جميعا تسبح بحمد الله وذلك على نحو لا يعرف الناس كيفيته . قال سبحانه : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) {[81]} وما دمنا نتلو هذا الكلام الرباني بتصديق ويقين فإننا لا نتردد في اطمئنان إلى أن الجبل والشجر والمدر والحجر كل أولئك يسبحون الله ويخشونه حق الخشية ، ولا عجب أن يكون من مظاهر هذا التسبيح أو الخشية أن يهبط الحجر من العلو إلى السفل . ولست مترددا في ترجيح هذا الرأي ؛ لما يعززه من دليل كقوله تعالى : ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ) ولأنه ليس من الممتنع أن ينطق الجماد بإذن الله . ونظير ذلك ما روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا خطب فلما تحوّل عنه حنّ . وفي صحيح مسلم : " إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث ، إني لأعرفه الآن " وغير ذلك مما في معناه .
قوله : ( وما الله بغافل عما تعملون ) ما نافية تعمل عمل ليس . لفظ الجلالة اسمها مرفوع . غافل خبرها والباء حرف جر زائد ، وقيل : يستعمل للتوكيد . ذلك تعقيب ينطوي على تخويف يتهدد به الله بني إسرائيل الذين مردوا على العصيان والظلم ، وأن الله سبحانه عليم يما يقارفه هؤلاء من مفاسد ومخالفات لا تخفى عليه .